كتبوا في السينما

 

 
 

جديد حداد

خاص بـ"سينماتك"

حول الموقع

خارطة الموقع

جديد الموقع

سينما الدنيا

اشتعال الحوار

أرشيف

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

يوسف شاهين موقعاً فيلمه الأخير بمشاركة خالد يوسف إخراجاً

"هي فوضى" أو العودة إلى الخطاب السياسي بسلاح قديم يلعب على وتر الشرف المهدور

ريما المسمار

في واحد من الملصقات التي ملأت شوارع بيروت وضواحيها اعلاناً عن بدء عرض فيلم يوسف شاهين الجديد "هي فوضى"، جاء العنوان متبوعاً بعلامة استفهام في شكل يجعله تساؤلاً وليس حكماً. انها واحدة من طرق التملّص من الرقابة المصرية التي احترف شاهين اللعب معها في المراحل الاولى من مسيرته السينمائية التي اتسمت بشخصية الفنان القلق الذي يعري ذاته ويحاكمها كما في ثلاثيته الذاتية ـ "اسكندريه ليه "(1979)، حدوتة مصرية" (1982) و"اسكندرية كمان وكمان" (1990) ـ أو الناقد السياسي رداً على هزيمة حزيران 1967 في أفلام مثل "الاختيار" (1971) و"العصفور" (1974) و"عودة الابن الضال" (1976). ولكن حكاية شاهين وعلاقته بالرقابة والقطاع العام والجمهور التي صنعت صورته تعود الى قبل ذلك بكثير عندما كسر الجمهور ابواب السينما خلال عرض فيلم "باب الحديد" (1958) واتهموه وقتها بانه مخرج لا يفهم. ومرة اخرى حين انبرى بعض الاقلام على نغمة "سمعة مصر" يعترض على مشاهد الفقر والعشوائية فى فيلم قصير اخرجه شاهين في عنوان "القاهرة منورة باهلها". الفيلم الوثائقي بنفس روائي، جرح رومانسية العشاق النمطيين الذين رأوا فيه "مستشرق" يعرى مدينته أمام عيون الغرب. ومرة ثالثة حين اتهم بتسريب دعوة الى التطبيع فى فيلمه "اسكندرية ليه" من خلال شخصية يهودية ودودة تعيش فى اسكندرية الاربعينات. ومرة اخيرة حين اتهموه بالكفر لانه يستوحى قصة النبى يوسف فى فيلمه "المهاجر". منذ "باب الحديد"، ابتعد المنتجون عنه وبدأت مشكلاته مع شركة القطاع العام.

لاحقاً عندما تحول شاهين مرشداً ومعلماً ينوء تحت ثقل "الحقيقة" و"واجب" إيصالها الى الناس في اسلوب ممسرح ثقيل تجلى في "المصير" و"الآخر" و"سكوت حنصور"، عاد الى المجرى العام وصار نجماً عمومياً وترافق ذلك مع مشاركة التلفزيون المصري (الحكومي) فى الانتاج و رفع قرارات المنع غير المعلنة عن أفلامه وعرضها للجمهور. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم مع فيلمه الجديد هو: هل عاد شاهين الى معسكر المشاغبين؟ وأين يقع "هي فوضى" من خطابه وأسلوبه المتحولين؟ وأية قطعة هو في "بازل" صورته؟ ربما نعثر على شيء من الاجابة في سيرته المثيرة من زوايا كثيرة لاسيما انه ولزمن طويل اختُصر في "صورة" يهلل لها المريدون ويمزقها الخصوم كلما سنحت الفرصة لهم ذلك. فقد ظلت افلام شاهين بعيدة من التداول العام، محاصرة فى قاعات خاصة وحكايات منقولة عن نخبة من المشاهدين لأفلام تُختصر بتعبير "سينما المثقفين" الفضفاض. ويقصد بها سينما مختلفة لا تفهمها سوى شريحة مميزة تختلف بقدرتها على ممارسة "المتعة الذهنية" عن "الجمهور العادي" الباحث عن متعة حسية أو تسلية أو حكاية لا تقض استقراره بل تطمئنه. وذلك الفرز وضع أفلام شاهين في خانة التبعية اما للسياسة او للفكر وصنع صورته الندية والضدية في مرحلة ما لمخرج مثل حسن الامام مثلاً ملك الميلودراما الجماهيرية. هكذا أصبح شاهين من عدة المثقف بأفلامه التي تلعب على خطي النقد السياسي والنقد الذاتي القائم على الرموز. ساهمت هذه التحولات فى صنع صورة سينما يوسف شاهين اكثر ربما من المغامرة فى الاساليب الفنية. وفى كل مرة كانت المعارك تستدعى مهارات التحدى و الاستجابة. وكان يوسف شاهين يلبى صورته الجاهزة فى الاذهان: المتمرد والمشاغب والقادر على إثارة المفاجآت.

غير أن أفلام شاهين الأخيرة وتحديداً منذ "المصير" (1997)، نزعت الى الخطابة التي انعكست على الشاشة في مشاهد مسرحية ومونولوغات طويلة واستعراضات ذهنية للشخصيات. كل ذلك جعل النقد والتفكير والالعاب الذهنية خطاً منفصلاً في الافلام بخلاف أفلامه الاولى ـ" بابا أمين" مثلاً ـ التي حملت النقد وان مخففاً في سياق الفيلم. لقد بدا شاهين في أفلامه الأخيرة وكأنه يعود الى الرسائل الفكرية او ما تبقى منها ليصبح "كيتش". فكان خطاب "المصير" رسالة دعائية ضد سيطرة الاصوليين انما بالطريقة الشائعة: رمز من التراث "ابن رشد" في مواجهة رمز مضاد من نفس التراث. أسلحة قديمة في معركة جاهزة تحمل رسالة كبرى الى الجمهور. انه شاهين المعلم هنا وليس القلق، الفصيح وليس المتأتىء. واذا كانت أفلامه السياسية الاولى قامت على جهود "مهندسين" في الخلفية مثل لطفي الخولي في "العصفور" وصلاح جاهين في "عودة الابن الضال" ويوسف ادريس صاحب فكرة "حدوتة مصرية"، فإن المرحلة السياسية الاخيرة اقترنت باسم خالد يوسف مساعداً بدايةً ومن ثم صانع أفلامه الخاصة (العاصفة كان فيلمه الاول على خلفية حرب الخليج الاولى) وأخيراً مشاركاً في إخراج الفيلم الجديد "هي فوضى". لعله من المبالغة القول ان يوسف أخذ مكان الخولي او جاهين على الأقل ليس في "الآخر" و"سكوت حنصور" كصانع الخلفية السياسية ولكن دوره كان كبيراً حتماً في تظهير الخطاب السياسي للفيلم الجديد. ولا نعرف تماماً اذا كان هذا الدور بدأ منذ بداية التحضير لفيلم "هي فوضى" علماً بأن السيناريو بتوقيع ناصر عبد الرحمن أم أن حلوله في مكان شاهين عندما مرض الأخير خلال التصوير كان الأساس في ترك بصمة واضحة في الفيلم. فالانطلاق من مشهد المظاهرات في الشارع يعيد الى الأذهان مشاهد من فيلم خالد يوسف "العاصفة" ويلتقي مع خلفيته السياسية خلال دراسته الجامعية. كذلك تتبدى شخصية "الناظرة" (هالة صدقي) امتداداً لشخصية "يسرا" في الفيلم عينه. كلتاهما أرملتا رجلين مناضلين وامرأتان ضحتا بحياتيهما من أجل اولادهما وتقفان على مسافة عدائية واحدة من الطبقة البورجوازية التي تتمثل بعائلتي خطيبتي ولديهما (سامي العدل في "العاصفة" وسيف عبد الرحمن في "هي فوضى"). هالة صدقي ويسرا هما آخر فلول معسكر الثوار في وجه الأثرياء الجدد والانتهازيين والمسؤولين بشكل أو بآخر عن انحطاط القيم. وتلك من ألعاب يوسف شاهين في أفلامه لعبة المرآة التي احترفها في رسم أبطاله وبطلاته. فإذا كان المخرج هاوي التمثيل في شيايه تخلص من عقدة الممثل الذي عليه أن يشبهه، فإن لعبة المرايا مستمرة بين شخصيات أفلامه. هكذا تعود شخصية "بهية" (هالة فاخر) الى الظهور في "هي فوضى" التي هي رمز مصر الأم وعلى مساحة اصغر ترددات شخصية "بهية" (لبلبة) في "الآخر" في مشهد يكاد يتكرر نفسه: العينان الدامعتان أمام اعتراف الابنة (حنان الترك في الآخر ومنة شلبي في الفيلم الحالي) بالحب الأول في لحظة رومنسية غارقة في النوستالجيا الى زمن لم يعد موجوداً ومن هنا نفهم التركيز على فكرة "الحب من النظرة الأولى" أو البراءة المفقودة والمقترنة بزمن ذي مدلالات سياسية واجتماعية. العلاقة بالأم القوية ولحظة الانفصال عنها تتكرر هنا تلك الأم التي رهنت نفسها لابنها بينما هي تتعامل معه على انه امتداد للزوج الذي فقدته. ولكن الفيلم لا يلفظ ابداً العائلة كما فعل شاهين في أفلام سابقة بل ان الام التي ينفصل عنها "شريف" هي نفسها التي سيعود اليها نادماً وهي نفسها التي تجد من يعترف بها (نور) نموذجاً مطلقاً للأم. وشاهين في كل ذلك لا يعنيه اعلان موقف بقدر ما يشتغل على صوغ المناخ العام الذي يدغدغ الاحاسيس ويعلن الماضي زمناً أحلى من خلال ذاكرة الأم واسطوانة محمد عبد الوهاب التي تدور كلما جلست الأخيرة الى نفسها.

بموازاة هذا الارث الذي تحمله شخصية هالة صدقي، يجري عرض الواقع: تظاهرات وقمع وفساد الشرطة واساليب الاعتقال غير المشروعة على خلفية التحضير لانتخابات مجلس الشعب التي تظهر في اليافطات والحملات الانتخابية. ولكن الفيلم يقتفي اثر الفيلم السردي الذي تلعب الحكاية فيه الدور الرئيسي وتشكل الوعاء لخطابه. والمفارقة ان الحكاية هي الاقوى في الفيلم او الاحرى ملامح تلك الحكاية التي تقودها شخصية أمين الشرطة "حاتم" (خالد صالح) المردد باستمرار "اللي مالوش خير في حاتم مالوش خير في مصر". وحاتم هذا يشكل ببطشه وتمادي سلطته الموظف الحريص المناطة به مسؤولية استحكام الامن بالناس. تبدأ الدراما عندما يقع في حب جارته المعلمة "نور" (منة شلبي) بينما الاخرى لا تفلت فرصة للفت نظر وكيل النيابة (شريف يوسف) ابن ناظرة المدرسة التي تعمل فيها. تصل الحال بحاتم الى حد الهوس الذي يدفعه الى اختطاف الفتاة واغتصابها بما يحرك اهل الحي فيثورون مطالبين يتوقيف حاتم ووضع حد لبطشه.

مرة أخرى، يدخل شاهين معركة جاهزة بسلاح قديم إذ يأتي الفيلم مشحوناً بحوادث واقعية لم تخمد نارها بعد وأبرزها حكاية الشاب الذي تعرّض للتنكيل والتعذيب على يد الشرطة وسُرب الشريط الذي يسجل الواقعة لارهاب الناس. ولكن الحكاية اتخذت منعطفاً آخر حين اقتنع الشاب بالتقدم بشكوى اعتُقل الضابط الذي عذبه على أثرها وحوكم بالسجن بعد محاكمة استغرقت قرابة السنة. من تلك الخلفية، أبصر "هي فوضى" النور وسط توقعات بحمله مادة سياسية دسمة وخطاباً ضد السلطة والفساد. ولكن ما يفعله الفيلم هو تقديم شخصيات ـ نماذج تنقسم بين معسكري الشر والخير. "حاتم" واسياده من جهة وضحاياهم من جهة ثانية. بينما يتعاطى مع الشخصيات الأخرى التي تمثل "الثقافة الوافدة" بتبسيط ينتهي الى التجاهل كما هي حال "سيلفيا" خطيبة "شريف" وكيل النيابة التي تُقصى عن الأحداث عن طريق معاقبة "شريف" لها بعد أن أقدمت على الاجهاض. بهذا تخلو الساحة للصراع الأساسي بين القوى الظلامية والاخرى التنويرية. والاخيرة تتمثل في الشخصيات الرومنسية والمحافظة والبسيطة. "شريف" الذي يمثل رجل القانون النزيه والمتعاطف مع الشعب و"الناظرة" قليلة الحيلة في رفع مستوى التعليم في مدرستها انما المثابرة و"نور" (شلبي) التي تبرز ببساطتها وتقليديتها النموذج المضاد لسيلفيا وأكثر من ذلك المحرض على الثورة! فحين تُختطف "نور" على يد "حاتم" وتُغتصب عندها فقط يتحرك أهالي الحي احتجاجاً كرمز لثورة الشعب ضد الظلم والفساد. ولكن الدافع يبقى "الشرف" والهدف الذود عن العِرض. هذا هو السلاح الجديد ـ القديم الذي يستله يوسف شاهين لمواجهة سيطرة الأمن على الناس وارهابهم. انها حكاية البراءة المهتوكة التي تصنف "حاتم" في نهاية المطاف شيطاناً لا بد من رجمه بطلقة رصاص يكون هو السباق الى اطلاقها. ولا ندري اذا كانت النهاية جادة أم ساخرة ـ وان كانت حركة الكاميرا الأخيرة إذ تعلو فوق الجميع وتصوب عدستها نحو أفق يبدو أرحب بغياب "حاتم" رمز الشر تطلق زفرة النشوة بالانتصار ـ في إعلانها انتصار "الثورة" ثورة المحرومين والمظلومين على هتك العرض بينما رموز السلطة الامنية الكبيرة لاتزال في مواقعها ثابتة تبحث عن بديل لحاتم قد يكون أحد رجاله المدعوسين.

هذه هي الصورة الكبيرة لفيلم "هي فوضى" ولخطابه السياسي الاجتماعي. خطاب مباشر استقطابي يستمد مفرداته وأوصافه من الخطاب العام عن السلطة والأمن حاملاً رسالة كبرى الى جمهور لا يعرف ولكن تستثيره حكايات الشرف وهتك العرض. وربما ما كانت لتترك عنده ذلك الأثر البالغ لولا ان خلف ضحيتها "نور" يقف وكيل نيابة اي سلطة انما بوجهها المشرق. يترافق كل ذلك مع استعراض مشهدي يقود المشاهد الى ما يجب التوقف عنده والتنبه اليه كلحظة درامية عليا بواسطة الموسيقى الأداة الأبلغ للتأثير العاطفي. ولا يتوقف الاستعراض عندها بل يدخل في تركيبة المشاهد نفسها. فبينما يعتمد الواقعية في تصوير الشارع، ينزع الفيلم الى المسرحة في المشاهد الداخلية لاسيما منها ما هو داخل السجن. من حفلات التعذيب المولفة بركاكة وكاريكاتورية أحياناً الى سجن النساء الذي يتبدى أقرب الى جناح "الحريم" في القرون البعيدة او حفلات العربدة في الكباريهات، يفلت من الفيلم النبض الواقعي وهو ما يفقد تلك المشاهد صدقيتها وتأثيرها وربما يحولها مثاراً للضحك لاسيما في أحد المشاهد التي يتحدث خلالها "حاتم" علآ الهاتف بينما يقوم بجلسة تعذيب بالكهرباء لأحد المعتقلين.

انطلاقاً من ذلك المنحى التخفيفي وبعيداً من الخطاب السياسي للفيلم، تنجح شخصية "حاتم" المحورية في سياق الدراما الفردية بينما تفشل في مواضع أخرى مع حفاظ خالد صالح على أدائه اللافت. ربما لن نستطيع ان نقارن بين شخصية "حاتم" هنا وشخصية كمال الشناوي في "الكرنك" مثلاً لأن شخصية الاول أقل تعقيداً ظاهرياً ولكنها أثرى حتماً. الا أن هذا التلوين الذي يشكل "حاتم" ينزع عنه أحياناً التركيب فيتوقف عن أن يكون شخصية متدرجة من الاسود الى الابيض بل يلحقه ذلك التقسيم الحاد الذي يصيب الفيلم برمته وشخصياته. الشر والانسانية في شخصية "حاتم" منفصلان اوهكذا يُعالجان. صحيح انه شرير صغير ولكن ما يثري هذا النوع من الشخصيات الاحساس بغموضه وخطورتها. أما "حاتم" فيتوقف عن ان يكون خطيراً حتى في لحظة الذروة التي يغتصب فيها "نور". فتلك الصور المتلاحقة في رأسه التي ترافق المشهد إذ يتخيل "نور" زوجته تلد طفلهما في المستشفى تجلي كل تعقيد وتركيب في شخصيته وتعقلن هوسه. انها محاولة لاطلاق خطاب آخر هو اعلان الجلاد (حاتم) ضحية والاسراع الى تلطيفها او تبرئتها. ولكن الفيلم كان قد فعل ذلك بالفعل عندما منحه فرصة الحديث عن طفولته المعذبة في مشهد سابق وفي مشاهد قبله تظهر معاناته كإنسان يبحث عن الحب وقبول الآخر به. على الرغم من ذلك، تبقى حكاية حاتم الدراما الاقوى في الفيلم بما يجعل الجزء الثاني أقوى إذ ينغلق "حاتم" على عالمه الداخلي المشحون للمرة الاولى بأحاسيس عميقة لا يعرف وسيلة للتعامل معها الا محاولة امتلاكها تماماً كما يفعل في مهنته. هكذا يقصد الشيخ والكاهن والسحرة في محاولةللسيطرة على مجرى أحاسيسه ولكنه في نهاية المطاف يعود الى اللغة ـ السلاح الذي يعرفه تماماً: الحصول على ما يريده اغتصاباً.

في شقي الحكاية، تتفوق الدراما على كل ما عداها وتبهت الصور الاخرى من الرموز التي يزرعها (شخصية الناظرة العروبية الثائرة) الى التوازنات التي يحاول تحقيقها (شخصية وكيل النيابة النزيه في وجه امين الشرطة المستبد والوصولي). يبقى الفيلم معلقاً بين عالمي الحكاية والاطار السياسي عاجزاً عن صوغ نسيج متماسك يجمع العالمين بما يحد من عمق الدراما وتركيب الشخصيات الاخرى ويضع "هي فوضى" في سياق أعمال يوسف شاهين الأخيرة ولعبة الأقنعة والرموز التي تلعب هنا لصالح الجمهور تماماً في نهاية سعيدة.

المستقبل اللبنانية في 22 فبراير 2008

 

العرض القادم 

There Will Be Blood

"ستكون هناك دماء" في الصالات اللبنانية 

في اللقاء الأخير الذي جرى بين بول توماس أندرسن ومعلمه السينمائي روبرت آلتمن، قال الاخير له "أعتقد أن هذا الفيلم سيكون شيئاً مختلفاً عنك". كان في كلام آلتمن اشارة الى فيلم أندرسن الجديد "ستكون هناك دماء" There Will Be Blood. "لا أدري لماذا قال ذلك" يعلق أندرسن في حوار الى موقع "سي.أن.أن" الالكتروني "لم يكن قد شاهد الفيلم بعد ولكن كان لديه إحساس ما تجاهه". وفي ما كان أندرسن يتحضر لعرض النسخة الاولى من فيلمه لمعلمه، توفي الاخير في تشرين الثاني عام 2006 من دون ان يشاهد الفيلم. ولكن إحساس آلتمن كان صائباً. ففيلم أندرسن الجديد يقف على مسافة من أفلامه الاربعة السابقة­Sydney (أو Hard Eight)، Boogie Nights، Magnolia وPunch Drunk Love­ وقد اختير كأفضل عمل سينمائي للعام 2007 من قبل النقاد وغيرهم ووصف بأنه خطوة جديدة في مسيرة اندرسن وسينما المؤلف.

أندرسن المولع بالسينما والعالم بتاريخها كأكاديمي قدير، بدأ الاخراج في اوائل العشرينات من عمره وتحول نجماً في سماء السينما المستقلة في التسعينات من القرن الماضي، متخصصاً بأفلام عن بلدته سان فرناندو فالي. حقق أندرسن بأفلامه أسلوباً متفرداً من سماته فريق التمثيل الكبير والكاميرا المتحركة باستمرار والموسيقى والفترة الزمنية المطولة للأحداث. واجتماع كل ذلك مع شخصيات يائسة انما واقعية جعل من اندرسن سينمائياً مطلوباً كموهبة ذات خصوصية.

في افلام اندرسن السابقة عناصر من حياته الشخصية ولكن في فيلمه الجديد There Will Be Blood قرر الخروج من دائرة الذاتية وبدأ السيناريو كاقتباس حر لرواية أبتن سينكلير OIL! الصادرة عام 1927. ولكن السيناريو انتهى الى استخدام اول مئة صفحة من الرواية مستعيناً بمصادر أخرى مثل كتاب مارغريت ليزلي دايفيس "الوجه المظلم للثروة" The Dark Side of Fortune عن ملك النفط ادوارد دوهيني. وعن ذلك يقول اندرسن ان "أهمية الاقتباس انه دفعني الى أشياء لا تقودني اليها طبيعتي كأنني كنت أتشارك الكتابة مع شخص آخر."

كانت النتيجة فيلماً عن شخصية "دانييل بلاينفيو" المتخيلة، رجل نفط مهووس في أواخر القرن التاسع عشر جسده على الشاشة دانييل داي لويس.

الافكار التي يعبر عنها الفيلم ليست تلك التي اعتادها هواة أفلام أندرسن ذلك ان الفيلم الحالي يركز على قطاع الأعمال الذي لا يرحم في اميركا في تلك الآونة. على الرغم من ان الاحداث تدور في حقبة بعيدة ومن ان اندرسن أكب على مشاهدة شريط جون هيوستن The Treasure of Sierra Madre (1948) مراراً خلال الكتابة الا ان مرجعه كان أميركا اليوم وشخصية بلاينفيو التي فُتن بها اندرسن بعد اختراعها على الورق:" أحب دانييل بلاينفيو وذلك ما يجعل الفيلم شخصياً. انه مجنون أعرف ذلك وأدرك انني ما كنت لأصادقه في الواقع. ولكنه عظيم. أفهمه جيداً وأفهم من اي يأتي".

تصل مدة الفيلم الجديد الى ساعتين وأربعين دقيقة من دون ان يثير اية مشكلات مع الاستديو بخلاف افلامه السابقة ويذكّر مخرجه بعمل دانييل بلاينفيو التنقيبي عن النفط: "كأن هناك شيئاً في الاعماق يناديك فتلحق به من دون ان تعرف اذا كان موجوداً بالفعل واذا كان موجوداً لا تدري اذا كان يساوي شيئاً. أفهم تلك الحمى تماماً التي تسيطر على المرء وتدفعه الى اتخاذ قرارات مجنونة أحياناً."

ولكن جنون أندرسن يبدو مثمراً اذ لم يتوقف الفيلم منذ بدء عروضه عن جذب الاهتمام والجوائز وآخرها فوزه كأفضل عمل درامي في جوائز الكرة الذهب وترشيحاً لاوسكار افضل فيلم فضلاً غن فوز داي لويس بجوائز كثيرة آخرها جائزة الاكاديمية البريطانية لأفضل ممثل.

تبدأ عروضه المحلية في الثامن والعشرين من شباط الجاري.

 

اصدارات DVD  

The Kingdom (2007)

انه يوم عطلة في مجمع لعائلات الموظفين الاميركيين في شركات النفط في الرياض حيث يلعبون كرة اليد ويتجمعون حول حفلة شواء نهارية في الباحة الخضراء. ما هي الا دقائق حتى تقوم مجموعة إرهابية متنكرة في زي رجال شرطة سعوديين بتفجير المكان. في أميركا وبالتزامن مع الحادثة، يقوم عميل الـ"أف.بي.آي" "فلوري" (دنزل واشنطن) بممارسة دوره كأب في صف ابنه الابتدائي مشاركاً الاخير ورفاقه لحظة ولادة طفله. في تلك اللحظة، يأتيه خبر التفجيرات في "الرياض" من زميل له هناك. ازاء ممانعة رؤسائه ارسال فريق محققين اميركيين الى الرياض، يقوم "فلوري" بدور المتمرد فيصطحب ثلاثة من زملائه: متخصصة في الادلة الجنائية (جينيفر غارنر)، اختصاصي في التفجيرات (كريس كوبر) وثالث يُقترض انه ضليع في امور الانترنت والمعلوماتية. ينال الفريق موافقة الجانب السعودي للمكوث خمسة ايام فقط في الرياض لاتمام مهمته. هناك يُفاجأ بالشرطة السعودية تقوم بدور المحاصِر بقيادة "الغازي" (أشرف برهوم) ومعاونه (علي سليمان). بحنكته، يتمكن الفريق الاميركي من العثور على بعض الادلة في موقع التفجير. وبكاريزما خاصة، يقنع "فلوري" أحد الامراء السعوديين خلال دعوته اياهم الى قصره واستعراض نسره امامهم باستكمال التحقيق عن كثب بمساعدة "الغازي". قبل ان يتحول الفيلم الى مشاهد المطاردات والقتال، يتوقف عند تفاصيل صغيرة تتعلق باختلاف ثقافتي الفريقين الاميركي والسعودي كأن تُمنع غارنر من لمس جثة رجل عملاً بالشريعة الاسلامية أو أن يتوقف الفريق الاميركي امام مشهد رجل يصلي الى جانب الطريق. كل ذلك بأسلوب دقيق يندرج في اطار عرض الواقع ليس الا، يعززه تعاطي الطرفين "الحضاري" واحدهما مع الآخر ويُتوج بتقارب "فلوري" و"الغازي" الانساني على قاعدة صفات مشتركة كالشجاعة والاقدام واجلال العائلة وبالطبع استنكار العملية الارهابية. شريط نال الكثير من الاهتمام بسبب موضوعه ونهايته التي توحد وجه الصراع الشرق اوسطي­الاميركي: "فلوري" الاميركي والطفل السعودي (حفيد "ابو حمزة" مخطط التفجيرات) ينطقان بالجملة عينها: سنقضي عليهم جميعاً. لحظة يُرتجى منها نقل رسالة حول التطرف هنا وهناك حيث يتطابق خطاب الشرطي الاميركي مع خطاب الطفل، إرهابي المستقبل. في الفيلم أداء بارز لبرهوم وسليمان نادراً ما نقع عليه من ممثلين عربيين في شريط أميركي.

المستقبل اللبنانية في 22 فبراير 2008