حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

أفلام مصرية ومغربية تثير الرغبة في المقارنة في «مهرجان أبو ظبي السينمائي»

أسئلة الأولى الناضجة على الواقع واحتباس الثانية في الأطر التقليدية

نديم جرجورة

هناك انطباع أول تكوّن إثر مُشاهدة أفلام عربية عدّة، عُرضت في الأيام الأولى للدورة الخامسة لـ«مهرجان أبوظبي السينمائي»، المُقامة حالياً في العاصمة الإماراتية، بين الثالث عشر والواحد والعشرين من تشرين الأول الجاري: أفلام مصرية عدّة اختارت مواضيع مهمّة، وعالجتها في أطر شكلية ودرامية افتقدت أدوات فنية وتقنية عديدة. في مقابل ارتقاء بصري جميل وساحر لأفلام مغربية، التقت عند معاينة البؤس الفردي وسط الجماعة، وعند الاشتغال الاحترافي في استخدام التقنيات المطلوبة لصناعة سينمائية سليمة. ليست المقارنة عبثية، أو متطاولة على «سينما» لحساب «سينما» أخرى. هذه مقارنة آنيّة بين مجموعة أفلام منتمية إلى بلدين عربيين يصنعان السينما. نقّاد متابعون لحركة الإنتاج السينمائي في دول المغرب العربي، قالوا مراراً إن أفلاماً مغربية تحديداً (وتونسية أيضاً، وجزائرية أقلّ) تخطّت المستوى التقليدي للسينما العربية، وتجاوزت المفردات الكلاسيكية في الإخراج واستخدام أدوات التعبير. قالوا إن ما تشهده الممكلة المغربية أولاً، والجزائر وتونس ثانياً (من دون تناسي المحاولات الفردية العديدة المُقامة في مصر ولبنان وسوريا وفلسطين)، بات جزءاً تأسيسياً حقيقياً لسينما عربية خارجة على المألوف، ومتغلّبة على الأشكال الباهتة لإنجاز أفلام، لا شكّ في أن مواضيع بعضها مهمّ للغاية.

مقارنة

فرضت المقارنة بين أفلام مغربية وأخرى مصرية نفسها على المُشاهدة، بسبب قوّة الإبداع في صناعة الصورة السينمائية في الأولى، وعجزها عن الإبهار في الثانية. ومع أن المقارنة تبقى مجرّد مدخل أول لقراءة نتاجات حديثة في الدولتين هاتين، إلاّ أنها تجدي نفعاً أحياناً، لأنها تساهم في إدراك آلية العمل السينمائي، هنا وهناك. مع هذا، تبقى المقارنة عابرة. فهي لا تصلح، غالباً، إلاّ في مهرجانات تفرض على المُشاهد متابعة أفلام عدّة بشكل متتال، يُحتّم عليه إجراء مقارنات كهذه.

غير أن المأزق كامنٌ في أن النتاج المصري الحديث واقعٌ في ارتباك وتناقض. البهتان الحاصل في أفلام مصرية عدّة مُشاركة في الدورة الخامسة للمهرجان هذا، غير موجود في أفلام مصرية أخرى غير مُشاركة فيها، أنجز بعضها شبّانٌ مستفيدون جداً من تاريخ وثقافة محليّة وانفتاح على التجارب الغربية المتنوّعة، وقادرون على التشبّع بهذا كلّه جاعلينه جزءاً من وعي ذاتيّ وثقافة معرفية، ومخيّلة خصبة. أفلام مصرية أخرى غير مُشاركة في مهرجان أبوظبي حالياً، عكست براعة الصورة في استيفاء شرطها الفني، وجمال المعالجة في مقاربة الغليان الحاصل في ذات الفرد وداخل المجتمع، بعيداً عن كليشيهات وخطابية بكائية. هذه البكائية الانفعالية المسطّحة أثّرت سلباً في «أسماء» (مسابقة «آفاق جديدة») لعمرو سلامة، أحد المخرجين الثلاثة لفيلم وثائقي بعنوان «التحرير 2011: الطيّب والشرس والسياسي» مع آيتن أمين وتامر عزّت، المُشارك في المسابقة الرسمية الخاصة بالأفلام الوثائقية في مهرجان أبوظبي أيضاً. الانفعال والتأثير البكائي المباشر والساذج والمسطّح حوّلا «أسماء» إلى حلقة توثيقية تلفزيونية لإثارة التعاطف الشعبي، بدلاً من طرح الأسئلة المتعلّقة بالحكاية في شكل دراميّ أقوى، يتيح للفيلم أن يكون سينمائياً، ويسمح للموضوع أن يذهب إلى عقول الناس وانفعالاتهم، لمناقشته علناً، بدلاً من الاكتفاء بالتعاطي معه كلحظة عابرة لتمضية بعض الوقت في مشاهدته. ذلك أن المسألة مهمّة للغاية: انفضاض المجتمع كلّه (تقريباً) عن مُصابة بمرض «فقدان المناعة المكتسبة»، بسبب الجهل والاتّهامات المسبقة وإنزال أقصى العقوبات الأخلاقية على المريض، من دون معرفة حقائق الأمور. أو انطلاقاً من تلك الثقافة الساعية دائماً لحصر الأشخاص في تحديدات جاهزة وثابتة ونافرة، لكنها متلائمة واستسلامهم للجاهز والمفروض عليهم. القصّة حقيقية. اختيرت من حياة امرأة عانت الأمرّين جرّاء رفض أطباء (وهم من يفترض بهم معالجة الجميع من دون آراء مسبقة أو أحكام جاهزة) إجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة الملتهبة في جسمها، فور إدراكهم إصابتها بمرض «إيدز».

فيلم «أسماء» تحية للمرأة التي واجهت قدرها وحيدة، من خلال سرد حكايتها، مع تعديلات درامية طفيفة. لكنه لم يخرج من بؤرة التسطيح، ولم يذهب إلى عمق السينما، ولم يشأ الخروج من الريبورتاج السرديّ المملّ، إلى ما تتطلّبه «الحقيقة» السينمائية. الكتابة مسطّحة. المعالجة مرتبكة. أداء غالبية الممثلين متراوح بين تصنّع كبير، وفراغ درامي واضح، ورغبة حقيقية في إنجاز فيلم صداميّ يُقارع الجهل والتزمّت المجتمعيين، علماً أن هند صبري وماجد الكدواني تحديداً شكّلا قطبي الحكاية، في محاولة واضحة منهما تحويل الشخصيتين (هي المرأة المُصابة بمرض «إيدز»، وهو مقدّم برنامج تلفزيوني صداميّ) إلى صورتين حسّيتين لواقع مُعاش. وإذا لم تُقدّم صبري أي جديد يُذكر في أدائها الشخصية هذه، فإن الكدواني حافظ على انفعال عفوي جميل، عكس شيئاً من حقائق الأمور في عالم المصالح المتداخلة بعضها ببعض.

وقائع الراهن

لعبة المقارنة تفرض القول إن هذا كلّه غير موجود في ثلاثة أفلام مغربية: «بيع موت» لفوزي بن السعيدي و«على الحافة» لليلى كيلاني، المتنافسين على جوائز المسابقة الرسمية الخاصّة بالأفلام الروائية الطويلة، و«أياد خشنة» لمحمد عسلي المُشارك في مسابقة «آفاق جديدة». انعدام المقارنة بحدّ ذاته يبقى لمصلحة الأفلام هذه أيضاً، كتابة ومعالجة وإدارة فنية وأداء تمثيلياً (بعض ممثّلي الأفلام هذه غير محترفين)، ومقاربة بصرية شؤون الحياة وشجونها وتناقضاتها وشقائها القاتل. أحياناً، يمنح التمثيل رونقاً للسياق الحكائي. أحياناً أخرى، يُقدّم النصّ والمعالجة أفضل السبل للتواصل مع الفيلم. أما إذا اختلط التمثيل بنصّ ومعالجة متماسكين، فإن المُشاهدة تثير متعة لا توصف، على الرغم من قسوة الحكاية ومساراتها الآيلة بأناسها إلى جحيم أرضيّ. تصلح الإشارة هنا إلى فيلم «عين النسا» (برنامج «عروض عالمية») للروماني رادو ميهايليانو، المُنتج بفضل دعم فرنسي ومغربي وبلجيكي وإيطاليّ مشترك: هناك مأزق تُعانيه المرأة في تلك القرية الريفية، المُراد لها ألاّ تُحاصَر ببقعة جغرافية واحدة، وإن تبدّى واضحاً (وهذا مقصود على الأرجح) أنها عربية إسلامية. والمُراد لها أيضاً أن تظهر في الفيلم داخل قصّة «أسطورية»، كأنها حدثت ذات مرّة، أو كأنها لم تحدث أبداً، لكن المؤكّد أنها «واقعية» جداً. لأنهنّ يعملن بجهد بالغ من أجل ترتيب شؤون الحياة اليومية لهنّ ولعائلاتهنّ ورجالهنّ، في مقابل استسلام الرجال هؤلاء إلى الاسترخاء المطلق، قررت نساء القرية منع أزواجهنّ من الاقتراب إليهنّ جسدياً. إضراب عن الجنس، فتح آفاقاً واسعة على مآزق أخرى (العلاقة بين الرجل والمرأة، التعليم، الثقافة، التربية، الدين، الذاكرة، التراث التاريخي، التفكير الإسلامي، الحبّ، الخديعة، الأصولية الإسلامية، إلخ.) لا تقلّ أهمية وخطورة عن المأزق المُعلن. غير أن الشكل المعتمد في سرد المصائب وتفرّعاتها ومتاهاتها، ارتكز على مزيج الدراما والكوميديا والغناء والألوان ولعبة الإضاءة والتوليف والموسيقى. مزيج منح الفيلم، المحتاج إلى قراءة مستقلّة، شيئاً كثيراً من بساطة الخطاب من دون تبسيط أو تسطيح أو تسرّع، وجمال التقديم، وبراعة الانتقاد، المبطّن والمُعلن في آن واحد، للتاريخ والتفسيرات الدينية والاجتماعية والتربوية والأخلاقية.

في الأفلام المغربية الثلاثة المذكورة أعلاه، بلغت المتعة حدّاً جعل المُشاهدة متجانسة والانصراف إلى العوالم السفلية التي شكّلت وعي الشخصيات وحياتها، موقعة إياها في اللحظة المعلّقة بين الانكسار والخيبة، والعجز عن الخروج من الدائرة المغلقة على الشخصيات هذه، كما على انفعالاتها المحطّمة وأحلامها الموؤودة، في عزلة الانسحاق أمام وطأة القدر أو السلطة أو التقاليد، مع أنها تهبّ بغضب وجنون وتسرّع، ظنّاً منها أن هذا كلّه يُعينها على الخلاص. تمارس تمرّدها على العالم المحيط بها، بوحشية تؤذي نفسها أولاً. تمارس عصيانها على المفردات المتحكّمة بعيشها، بقسوة تطاول روحها أساساً. لكن الانعتاق من الموت يمرّ بالموت، والطريق إلى التطهّر مليئة بالأشواك والأهوال. وهذا مطروح في الأفلام المغربية الثلاثة، بأشكال مختلفة ومستويات غير متشابهة، أتاحت للسينما، صورة وتوليفاً وإضاءة وحركة كاميرا، أن تكون حاضرة دائماً، وباهرة أحياناً. أتاحت للصورة أن ترسم المعالم، وتبوح بالمكنونات الخفيّة، وتمارس لعبة الإغواء في جذب العين إلى القاع الإنساني والمجتمعي، والعقل إلى معاينة الآنيّ، والقلب إلى الخفقان إزاء براعة الاشتغال في إبقاء الجانب السينمائي فاعلاً ومؤثّراً وأساسياً.

قواسم مشتركة عامّة يُمكن استخلاصها من الأفلام الثلاثة هذه: المدينة (طنجة وتطوان والدار البيضاء) جزء من خصوصية الصورة والحكاية. جزء من البناء الدرامي، لم يبلغ المرتبة الأساسية، بل ظلّ على تماس مع التفاصيل والأشياء الحميمة. القهر والبؤس والسلطات الحاكمة، جزء من مؤامرة القدر على أناس مسحوقين ومشحونين بالغضب والخيبة. السعي للهروب محاولة (فاشلة، غالباً) للتحرّر. التطهّر من عفن الخراب يمرّ بمزيد من العفن والخراب معاً. الدائرة مغلقة. الناس عالقون في المعابر الضيّقة والأنفاق المظلمة. اللعبة السينمائية، بتفاوتها بين الأفلام الثلاثة، حافظت على معنى العلاقة القائمة بين التقنيات والصورة والاشتغالات الفنية والجمالية. حافظت على قوّتها الجمالية في استنباط الواقع خفاياه وارتباكاته وسحره أيضاً. حافظت على حضورها الفاعل في تحويل القصص كلّها إلى عوالم مفتوحة على سحر الصورة ورونقها.

السفير اللبنانية في

17/10/2011

 

في احضان أمي: بكائية حزن وانسانية بلا حياة

ابوظبي – من سلمان كاصد

الفيلم اشتغل على الخبر الملفوظ عبر الراديو، وعلى الصورة المرئية عبر التلفزيون ولم يقدم الخبر عبر المشهد السينمائي.

في محاولة رابعة وجديدة قدم الشابان العراقيان محمد الدراجي وعطية الدراجي فيلمهما “في أحضان أمي” الذي دعم من مشروع “سند” في مهرجان أبوظبي السينمائي لتطوير الحركة السينمائية الجادة، وهو مشروع رائدة لم يسبق له مثيل في المهرجانات العالمية في فن السينما.

"في أحضان أمي" اسم الفيلم وهو اسم المسرحية التي يقدمها ـ داخل الفيلم ـ مجموعة من أطفال دار للأيتام يضم 30 طفلاً و6 باحثين جميعهم يسكنون في بيت صغير مستأجر يتكون من غرفتين فقط، ويشرف على الدار معلم متطوع وإنساني هو الأستاذ هشام والذي يعاني من مشاكل عائلية خاصة بدليل تخلف ابنه دراسياً ورسوبه المستمر والذي يجعل زوجته في حيرة من أمرها حيث تلوم الأب “الأستاذ هشام” على ذلك متهمة إياه بالإهمال بالرغم من أنه يرعى داراً للأيتام.

ويبدو لي أن هذه أول إشكاليات الفيلم التي تسقط اضطلاع الأستاذ هشام بهدفه النبيل. ويبحث الأستاذ هشام عن تمويل للدار بعد أن فَقَدَ كل دعم، ويتجه إلى جهات الدولة ولم يجد جواباً ويظل باحثاً عن المال كي يستمر مشروعه الإنساني.

إزاء هذه الإنسانية المفرطة في ديمومة المشروع نجد هذه الشخصية المركبة حقاً تعاني من عدم قدرته على التعامل مع شخصيات الأطفال اليتامى في داره بشكل إنساني خلاق، حيث يعمد إلى التهديد والوعيد والعقوبات التي تصل أحياناً إلى منع الطعام عنهم في حال ارتكابهم أعمالاً خاطئة ليست بمستوى العقوبات نفسها.

أنا لا أريد أن أظل في إطار بنية الحكاية التي بدت مفككة، بل لا بد لي من أن أقرأ واقع ما قدم بصرياً، إذ أن السينما لا تقاس بنوايا المخرج والكاتب على الورق، بل هي انشداه وصدمة وتوجس وترقب للمشهد الذي حول المقروء إلى مرئي.

اشتغل الفيلم على الخبر الملفوظ عبر الراديو، كما اشتغل على الصورة المرئية عبر التلفزيون ولم يقدم الخبر عبر المشهد السينمائي.

أما قضية أطفال الشوارع الذين يعانون من اليتم والتشرد وكيفية تحويلهم إلى أطفال أسوياء فهي هدف سامٍ ضمن نوايا رائعة وجميلة، ولكن من الضروري ـ مادمنا نشتغل سينما ـ أن تقدم حبكة عالية ومن زاوية نظر صادمة غير عادية كي تجعل النص يرقى إلى إدهاش المتلقي، كل ذلك فشل به هذا الفيلم الذي لم يكن سوى أنه التقط من عين كاميرا محمولة على الكتف، تتنقل داخل دار مفترض للأيتام، يعاني صاحبه من إشكالية مالية يريد حلها بأي شكل ويعلن بطريقة لا ضرورة لها أن الحل قد جاء من روح التناقض مع الآخر، وأعتقد أن هذا الحل مهم ولكن ليس بهذه الطريقة التي تكرس ما لا يراد تكريسه تناحرياً، فعندما تكون ثقافة الصانع ضعيفة يصبح المصنوع مفككاً.

منذ الدقائق العشر الأولى تشعر بتفكك الحكاية، بالملل في النص وفي معالجته.

سيف الطفل اليتيم الذي فَقَدَ عائلته بانفجار أودى بهم جميعاً لا يتذكر أهله، لا يتذكر اسم أبيه ولا أمه ولا أسماء أخوته سوى أنه يتذكر وجوه بعض أخوانه وربما سوف تزول ملامحهم بعد حين.

طفل يعيش ساهماً، معقداً، يعاني من التوحد ويدخل في صراع دائم مع أقرانه، وتراه دائماً في عوالم غائبة إذ لا تشكل له المدرسة قيمة ولا ينسجم مع واقعها مثل أي طفل وجد في دار الأستاذ هشام ملجئاً.

غير أن هذا الفتى الساهم يمتلك صوتاً ويغني ألحاناً مأساوية وحزينة منها أغنيته:/ زغير آنه على الآلام/ زغير آنه على الحسرات/ اسكن في دار الأيتام/ وياي الأحلام تبات/ كنا من نمشي آنه وأهلي/ كل عصرية على الكورنيش/ وأصبح آنه طالب في الكلية/ بين إخواني وأمي أعيش.

هذه الأغنية تلخص قصة هذا الطفل ذي الصوت العذب، هنا نقع في إشكالية جديدة، طفل مستوحد، حزين، يتيم يشعر بآلام اليتم ويغني ليتمه بينما يقدم على انه لا يتذكر شيئاً، لا اسم أبيه ولا ملامح وجهه، لا أسماء إخوته سوى أن الأطفال يطلقون عليه “ابن مجودة” أي “ابن ماجدة”، أتساءل: هل تشير الأغنية إلى أن الطفل لا يتذكر أهله؟

في الآن نفسه هناك طفل آخر في الدار هو محمد ذو الأعوام الـ15 والذي انتهى به الأمر على قارعة الطريق بعد أن فَقَدَ أهله قتلاً في ذروة التطهير العرقي عام 2006، يعزف الموسيقى وبخاصة أغنية:

موطني موطني

الجلال والجمال والسناء والبراء

في رباك في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء

في هواك في هواك

ولا أعرف حقاً كيف ألصقت موسيقى هذا النشيد وأصبح الطفل يعزفها بالرغم من أنه يعاني آلام اليتم والخيبة الإنسانية والحزن والهم الشخصي، في الوقت الذي يفكر به بحال الوطن الذي لم يقدم له شيئاً.

ظل نشيد “موطني” كالروندو الموسيقي الذي يعاد مرة وأخرى، وكأن القضية التي تراد أن تقدم فيها من الوطنية شيء كبير بينما هي في تركيبتها الأساسية قضية بحث عن مواصلة عيش هؤلاء الأيتام في ظل الأم تيريزا “الأستاذ هشام” الذي لم يبتسم أبداً، والساهم دوماً، والمسكين الذي يمد يده في كل حال إلى أهل الخير لينقذوا أطفاله الثلاثين بينما لم يستطع هو أن ينقذ ابنه من رسوبه المتكرر، لم يستطع أن ينقذ زوجته من آلامها النفسية وهي ترى ابنها يفشل أمامها.

أتساءل: أين يمكن أن نصنف هذا الفيلم؟ هل يصنف على أنه وثائقي أو تسجيلي أم أنه درامي؟ وكلاهما هو غائب عنهما تماماً، إذ لا وثيقة فيه ولا تسجيل ينطوي عليه ولا دراما مأساوية تشتعل فيه.

هو فيلم حكاية دار للأيتام على وشك أن يقفل، وحيرة صاحبه “الأستاذ هشام” في عطفه اللامحدود إزاء هؤلاء الأطفال الذين أنقذهم من التشرد وتساؤله: هل سيعودون إلى التشرد ثانية وتستلّهم “القاعدة” لتفجر بهم مدن العراق؟

تلك هي المهمة الوطنية التي يحملها هذا الرجل الإنساني والتي دعت المخرج أن يدخل موسيقى النشيد:

موطني موطني/ الجلال والجمال

حيث لا جلال فيه ولا جمال يمتلكه، ان حاله حال الأوطان المدمرة.

هنا يقع المخرج في تناقض جديد بين توصيف الأغنية “الجمال والجلال” وبين مشاهد الجنود الأميركان وهم يتحركون مستفزين في بلد الجلال وبين أزقة بغداد الوسخة المتربة، وتشرد الأطفال في شوارعها وبيوتها الآيلة للسقوط في بلد الجمال هذا التناقض لم يلتفت إليه المخرج الذي أخرج هذا الفيلم طوال سنتين وقد دعمه مشروع “سند” قبل سنة أو ما يقارب ذلك.

المسألة هنا، هي إن الثقافة العراقية تمتلك آلاف القصص والروايات الدرامية العالية القيمة والتي تحمل من الصراع الشيء الكثير، وبذلك تصلح تماماً أن تكون مادة لفيلم درامي أو حتى وثائقي رائع، فلماذا إذاً هذا القطاع الإنساني المأساوي “أبناء الشوارع” الذي لم يعالج بشكل مقبول حتى في هذا الفيلم.

اقترح أحد أهم المبدعين في مجال الدراما العراقية انه كان بالإمكان تحويل حكاية الفيلم باتجاه آخر والذي كان سيصبح فيه كاشفاً عن طبيعة مأساة أطفال الشوارع والذي سيكشف زيف السلطة وادعائها الإنساني المزيف، حيث ستكون فيه درجة الصدمة عالية حدّ الإثارة والمتعة أيضاً لكن “الخيط ضاع والعصفور معاً” على مخرج الفيلم الذي خرج بخفي حنين إلا ما رزق الله وما منح البشر برضاهم دعماً لقضية لم تعالج بشكل فني راق وبحبكة سينمائية مدروسة.

فيلم لم ينتبه مخرجه إلى أن الكهرباء قد انطفأت فجأة ولاتزال المروحة السقفية تدور وتدور ـ هذا التعليق انتبهت إليه إحدى الإعلاميات العراقيات اللواتي حضرن العرض ـ العراقيون ينتبهون إلى جزئيات المأساة التي حلّت ببلدهم، ولا أعرف كيف لم ينتبه المخرج إلى هذه الجزئية التي لا بد أن يعرفها المخرج كونه مخرجاً فطناً يأتي بعمله الأول ليقول للناس والمتلقين: افتحوا لي باب عالم السينما كي أدخله بقبولكم فيلمي هذا والتصفيق له بحرارة، ولكن المؤسف أن الأكف لم تقترب من بعضها وأن اقتربت فهي خجلة أو من باب الاعتياد الذي لا مبرر له.

ويفقد الأستاذ هشام داره والأطفال، ويفرح الجميع غير أن المخرج نسي عائلة السيد هشام وآلامها. فكيف استطاع الأستاذ هشام أن يوظف الأستاذ كاظم ليخرج للدار مسرحية “في أحضان أمي” التي تحاول تكريس قضية مهمة وهي أن الدار هي البديل الموضوعي للأم حيث يتساوى دار الأيتام/ وأحضان الأم.

وكل ذلك يجري في ظل حالة من العجز المالي التي تدفع السيد هشام إلى أن يبعث برسالة إلى رئيس الدولة ورئيس وزرائها مستعطفاً أن يرفدوا داره بأموال تعيد له الحياة، فلم يجد جواباً ويحاول الأستاذ هشام جاهداً أن يتخطى الحواجز والكتل الكونكريتية والجدران ليصل إلى من يعينه على ألا تلغى الدار ويلتحق الأطفال بدور الدولة سيئة الصيت ولكن لا حياة لمن تنادي فيها.

وتأتي الأموال.. فجأة، ويستأجر السيد هشام داراً ينقل الأطفال إليها، غير أنهم ينامون على أرضيته الإسمنتية ويقف هو فوقهم طارداً الذباب بمهفته وكأنه أمهم التي لا تصل حتى إلى حنانه هذا وسط انطفاء الكهرباء وهوام الحشرات.(الاتحاد الاماراتية)

ميدل إيست أنلاين في

17/10/2011

 

'إيمج نيشن' تصنع مستقبل السينما في الشرق الاوسط

ميدل ايست أونلاين/ أبوظبي 

محمد المبارك رئيس مجلس إدارة اكبر شركة استثمار في صناعة الافلام يرى ان ابوظبي تختصر الزمن لدخول تاريخ السينما.

عبر رئيس مجلس ادارة أكبر شركة استثمار سينمائي دخلت عالم الصناعة السينمائية منذ عامين بتمويل من حكومة أبوظبي، عن تفاؤله بمستقبل صناعة السينما في بلده وفي منطقة الشرق الأوسط.

وقال محمد المبارك، رئيس مجلس إدارة "إيمج نيشن" في إجابة على سؤال لـ "ميدل ايست اونلاين" حول المردود الاقتصادي للشركة بعد عامين من الاستثمار في صناعة السينما في هوليوود "ان الوقت لم يحن بعد لحساب المردود المادي، ونتوق الى ما هو أبعد من ذلك، والسؤال هو ماذا قدمنا لابوظبي، وليس ماذا جنينا من ارباح".

واضاف المبارك خلال مشاركته في ندوة "من النص إلى الشاشة.. عن الكتابة والإخراج" ضمن فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان ابوظبي السينمائي الدولي وحضرها مراسل "ميدل ايست اونلاين" "نحن نفكر بما يمكن ان يدر المستقبل على صناعة السينما في ابوظبي، الربح والخسارة يخضع لحسابات اعتبارية على الاقل في الوقت الحالي من عمر شركة (ايمج نيشن)".

واكد المبارك في الندوة التي ادارها بيتر سكارليت مدير مهرجان ابوظبي السينمائي بمشاركة الكاتب والمخرج مايكل براندت وديريك هاس "ان شركة ايمج نيشن لديها اتفاقات مع شركات عالمية حول خطط الانتاج السينمائي وسيعلن عن نتائج العمل في الوقت المناسب".

واشار الى ان ادارة الشركة اكثر ما تفكر به هو المردو الفعلي لنمو الثقافة السينمائية في ابوظبي وصناعة سينما تقرب المستقبل".

وترعى حكومة أبوظبي مبادرة لانشاء صناعة للسينما في الامارات كوسيلة لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الصناعات المعتمدة على النفط.

ويقول صناع السينما ان الصناعة تحتاج الى دفعة في الامارات حيث لم تحقق حضورا بعد على المستويين الاقليمي أو العالمي.

ولا تتطلع أبوظبي للاستثمار في الافلام التي تنتجها فقط وانما وقع عليها اختيار هوليوود كواحدة من أماكن الاستثمار من خلال الشراكات.

وتلتزم ايمج نشين أبوظبي بتطوير صناعة السينما في الامارات من خلال انتاج افلام بمحتوى ومواهب إماراتية، كما تسعى لتشجيع نمو وتقدم صناع السينما الإماراتيين وتحسين جودة الانتاج السينمائي في المنطقة.

ولدى الشركة عدة شراكات عالمية مما مكنها من استقطاب أفضل التجارب والخبرات إلى الإمارات، بهدف تطوير المحتوى المحلي ولدعم المواهب الإماراتيه عن قرب، بالإضافة إلى مشاركة مهارات هوليوود ومجتمع الانتاج العالمي مع صناعة السينما في الامارات.

وفتح بيتر سكارليت حوارا صريحا مع مايكل براندت وديريك هاس في الندوة المفتوحة تحت "من النص إلى الشاشة.. عن الكتابة والإخراج" تطرقا فيها الكاتبان اللذان يشكلان معاً فريق الكتابة الذي يقف وراء أعمال مثل "المطلوب" ومشروعهما الأخير معا "الدوبلير" الذي هو في الوقت نفسه بداية براندت كمخرج سينمائي من بطولة ريتشارد غير وتوفر غرايس ومارتن شين والذي عرض يوم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان أبوظبي السينمائي.

وتناولا الكاتبان دخولهما مجال السينما وثمار وتحديات الكتابة مع شريك وقدما النصائح حول كتابة الأفلام الروائية وإخراجها.

ميدل إيست أنلاين في

17/10/2011

 

الاضراب عن النعاس: درس سينمائي غربي بحس عربي

ميدل ايست أونلاين/ ابوظبي 

فيلم 'نبع النساء' يقدم درساً سينمائياً بارعاً عن دور المرأة في الحياة، مثلما يكشف عن عقول بعض الرجال التي تعيش في قرون الظلام.

تفاعل جمهور مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة مع عرض فيلم "نبع النساء" للمخرج الروماني - الفرنسي رادو ميهيليانو الى الحد الاعلان عن مشاعرهم اثناء العرض حينا والتصفيق في احيان اخرى.

التعبيرية التي برع الممثلون المغاربة والجزائريين في تجسيدها تكمن ليس في الاداء وحده، بل بتقديم درس معاصر في فلسفة الحوار وتهميش الظلاميين المتشددين.

تتكرر جملة "الاضراب عن النعاس" وهو تعبير مغربي حول اضراب الزوجات عن ممارسة الحب مع ازواجهن حتى يقومون بجلب الماء من النبع الى منازل القرية، وهو عمل شاق تقوم به النساء وحدهن، بينما يجلس الرجال في المقهى يلوكون الفراغ ويشربون الشاي.

اختار المخرج إحدى القرى المغربية الصغيرة، حيث يقمن النساء بكافة الأعمال من الطبخ إلى الغسل إلى بقية الأمور المنزلية، ولكن كل ذلك أمر هين أمام نقل الماء من النبع الذي في قمة الجبل والذي يتطلب كثيرا من العناء والجهد والتعب.

وتواصل النساء عملهن دونما رفض أو احتجاج من منطق العادات والتقاليد والدين ومبررات أخرى، وتتزايد معاناتهن مع صعوبات الطريق إلى النبع وسقوط العديد من النساء اللواتي فقدن حملهن، وهذا ما يجعل "ليلى" "الممثلة المغربية الفرنسية ليلى بختي" القادمة من خارج القرية لأن تبدأ بالرفض والاحتجاج، وقيادة ثورة في تلك القرية المعزولة من أجل أن يقوم الرجال بدورهم ويساعدون في جلب المياه أو إيصال الماء إلى القرية عن طريق قناة تحتاج إلى بذل الجهد، ويقف إلى جوارها زوجها المعلم في مدرسة القرية والذي يواجه هو الآخر شيئا من الرفض من قبل والدته احتجاجا منها على تأخر حمل زوجته، وتشرع ليلى باستقطاب عدد من السيدات ومن بينهن زوجة شقيق زوجها، وحينما تجد النسوة أن الأمور تسير في طريق مغلق يتم تصعيد الأمر حيث يرفضن النوم مع أزواجهن وهنا تبدأ المواجهات والتهديد والضرب والإذلال وكم آخر من الممارسات التي تسمع القرية أصواتها خلال الليل.

هناك وجوه تلمع في الفيلم من أبرزهن المرأة الكبيرة في السن "المغنية الشعبية الجزائرية باية بوزار الشهيرة باسم بيّونة" التي تقف إلى جوار ليلى وتواجه ابنها الذي ينضم إلى أحد التنظيمات الدينية، وأيضا شقيقة الزوج "لبنى" وتجسدها النجمة حفيظة حرزي، والتي تظل تعيش حالة من الحلم حيث تطلب من زوجة أخيها أن تكتب لها رسائل لأحد الشباب، وحينما لا يرد تبدأ ليلى بكتابة الأجوبة أيضاً، وتعمل على أن تعلمها القراءة والكتابة وهذا ما تستند إليه حينما تقرر الرحيل من القرية.

ويكاد يجسد الحوار بين بيونة وابنها الخاضع لسطوة الاسلاميين المتشددين، درسا في الحرية بعد ان يطالبها بارتداء الحجاب. "اي معادلة ان يقون الولد بمطالبة امه ارتداء الحجاب!!".

كذلك تعيده الى التاريخ وكيف كان الاعراب يفرقون بين النساء الحرات والعبدات عن طريق الحجاب. "لا نرتدي الحجاب بل عليكم ايها الرجال ان تسيطروا على شهواتكم".

ثمة ما يثير في هذا الفيلم عن توظيف الممثل العربي في رؤية مخرج غربي، وكيف استطاع ان اخراج مكامن الاداء البارع، وهو في نهاية الامر اشارة الى المخرجين العرب.

هذا الفيلم يقدم درساً سينمائياً بارعاً كما يجيب على اسئلة معاصرة عن دور المرأة في الحياة، مثلما يكشف عن عقول بعض الرجال التي تعيش في قرون الظلام.

ميدل إيست أنلاين في

17/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)