حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

غرائبية الوحوش الأنيسة

"صائد الغول" للنروجي أندره أوفردال

زياد الخزاعي

قليلة هي الأفلام التي تتّخذ من الوحوش الغريبة موضوعاً تشويقياً لضمان اختراق تسويقي مُعتبر، والتي تتميّز باحتوائها على مواصفات العقلانية والإقناع. فيلم أوفردال "صائد الغول" (آفاق جديدة) أحدها، ليس لأنه جيّد الصنعة فقط، بل لأنه مكتوب بطريقة تجمع اللغز بالفكاهة، وما على مشاهده إلاّ أن يسترخي ويشارك في لعبة مخاتلة غريبة الطعم، حول مطاردة تهكّمية لمجموعة من الطلاّب الذين قرّروا إنجاز فيلم وثائقيّ عن غول الغابة، إحدى الشخصيات الأثيرة في الحكايا الشعبية النروجيّة.

فيلم داخل فيلم، مُقلِّداً أسلوب أفلام مشهورة، كـ"مشروع ساحرة بلير" (1999) و"هالوين" (1978)، باعتماده الكلّي على كاميرا ديجيتال محمولة، تتحوّل إلى عين توثيقية للمطارادت، التي يُفترض بها أن تحبس الأنفاس. حقّق الفيلم الأول إنقلاباً مدوّياً في الأسواق، بسبب قدرة حكايته على إقناع مشاهدها بأن ما يراه على الشاشة حقائق لا غبار عليها، وبأن أصوات الاستغاثة التي تطلقها الشابة المنكوبة كافية لإثارة الذعر في القلوب. بينما أسّس المخرج الأميركي جون كاربنتير، في الفيلم الثاني، الخطوة الحاسمة في تصوير فيلم بكامله، مُستخدماً كاميرا محمولة تتحوّل إلى عين القاتل، المتلذّذ، مُجبراً المتلقّين على مشاهدة عمليات القتل والدموية التي تزخر بها. بيد أن "صائد الغول" لا يتمتّع بمواصفات شدّة التهويل أو عنف التصفيات الكامنة في الفيلمين السابقين هذين، لذهابه مباشرة إلى التهكّم على أحوال الفضول، التي تخترق كيان مشاهده، لمعرفة ما هو هذا الـ"ترول"، وما هي معاني الرحلات المطوّلة التي يقوم بها فريق التصوير الشاب إلى عمق البراري النروجية. في هذه الأخيرة، يتعرّف الفريق على مفتاح الحكاية المتحوّلة من أسطورة إلى واقع تسجّله الكاميرا الخاصّة بهؤلاء الشباب. إذاً، الغول كائن حي، خطر وقاتل. ومع تطوّر بحثهم، يتواصلون مع أحد أشهر مطاردي الغيلان هانز (الممثل الكوميدي أتو جيزبيرسين)، الذي يغضّ النظر عن إلحاحهم، ويقبل مرافقتهم في جولات قتل هذه الكائنات العملاقة.

المشكلة هنا أن المخرج أوفردال يصرف وقتاً لا بأس به في تصوير الطبيعة، عبر زجاج نوافذ السيارات، محاولاً إقناعنا بأن ما نراه قفرٌ وحشيٌّ لن يتمكّن المرء من الوصول إلى خلاص منه، إذا صادف أحد هذه المسوخ. إلاّ أنه في نهاية فيلمه يغيّر رأيه: لم ينجُ الشباب توماس وجوانا ومليكة من غول أبيض عملاق، بل تمكّنوا أيضاً من تصوير العملية السحرية لتدميره على يديّ الصيّاد، الذي استخدم بندقية تُطلق ضوءاً حاداً يحوِّل الغول إلى حجر. سعى أوفردال لإضفاء خيط سياسي من التعقيد على حكايته، عندما افترض أن الحكومة النروجيّة متورِّطة في عمليات تدليس سياسية، تتكتم فيها على حقيقة وجود هذه الغيلان، التي تعيث في الغابات فساداً، وتهدّد أمن المزارعين. والغرض من التكتم عدم إثارة البلبة في البلد. قضية يُشدِّد عليها الفيلم في ختامه، عندما نتابع مطاردة موتورة بين سيارات الفرق الخاصة والأبطال الأربعة لكتم أصواتهم، وقطع دابر كشفهم عن الحقيقة المدوّية، التي تنعكس بالقطع الحاد لمشهد مقدمة الشاحنة البيضاء وهي تداهم الشاشة بعنف، إلى درجة أن المُشاهد يتصوّر أنها قضت على الجميع داخل الصورة، قبل أن تهزّ كيان مَنْ هم ضعاف القلوب.

لا ريب في أن "صائد الغول" نصٌّ صوتي، لَعِب فيه الفريق المشرف ( ثلاثة عشر خبير)، على مستوياته وتداخلاته، لتعزيز النبرة الحادّة للأصوات المفترضة للغِيلان، ومثلها قوّة الاستفزاز في لقطات المواجهة بين الوحوش والبشر. ففي اللقاء الليليّ الأول مثلاً، بدا كل شيء صامتاً ومشوَّشاً، بمقاطع خرساء كثيرة، قبل أن تتصاعد أصوات اللهاث وفوضى البلبلة، وتنتهي بالصرخة الصمّاء التي أطلقتها سِّعْلاة ذات رأسين. هذا المشهد الافتتاحي مُكرَّر في كل مرّة ظهرت فيها مواجهات وتعقّبات، قادت إحداها الفريق إلى أكثر مقاطع الفيلم فكاهة: دخولهم إلى عرين جماعي للغيلان، فإذا بأحدهم "يُطلق" ريحاً خانقة دفعتهم إلى المناورة بين أقدام الكائنات الخرافية، هرباً من الاختناق بغازاتها الكريهة.

"صائد الغول" فيلم خفيف اللسان ومشوّق. احتوى على سلسلة مفاجآت دفعته إلى تحقيق إيرادات عالية بلغت نحو أربعة ملايين دولار أميركي في الأسواق العالمية. وهذا مبلغ مشرِّف لفيلم أجنبي، لا يُنافس تقنيات أفلام الوحوش الأميركية الدقيقة الصنع.

من داخل المهرجان في

17/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)