حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

العلاقة بالخيول في مقابل تدمير البيئة

"باك" و"قرصان البيئة" و"تذوّق الفضلات" في برنامج "عالمنا"

قيس قاسم

هناك أفلام تولِّد دقائقها الأولى إحساسا عند جمهورها بالرتابة. لكن، سرعان ما يحدث في مسارها الدرامي "إنقلاب" مفاجئ، يزيح عنهم هذا الشعور، ويعيدهم مُنشَدّين إليها. الفيلم الوئاقي "باك" لسيندي ميل أحد الأفلام هذه: بداية مملّة، خاصة بالنسبة إلى غير المهتمّين كثيراً بعالم الخيول وتربيتها. لكن، حدث فيما بعد تحوّل درامي غيّر سريعاً النظرة إلى مُربِّي الخيول باك، الذي ترك الحديث عن خبرته وعلاقته بها من دون توقّع، وراح يحكي بدرجة عالية من التأثّر أشياء عن طفولته الحزينة، التي عاشها وأخيه الأصغر، بعد موت أمهما، برفقة والدهما الفظّ والقاسي، الذي لم يتركهما يوماً من دون عقاب، ومن دون العمل معه في الحقل، والإعتناء مُجبرين بخيوله. انتشرت أخبار سوء معاملة والدهما لهما بين الجيران في منطقة شمال كارولينا، فتدخّلت المؤسّسات الاجتماعية فارضة على الأب قرار التخلّي عنهما، ونقلهما إلى دفء عائلة أخرى للاعتناء بهما. وجودهما في كنف العائلة الجديدة هذه بدّل كل شيء في حياتهما، باستثناء أمر واحد: حبّ الخيول، الذي ظَلّ حاضراً في قلب باك إلى الآن، هو الذي أصبح رجلاً ناجحاً ومشهوراً في مجاله، ولديه عائلة منحها حبّه وعشقه للخيول أيضاً، والاعتناء بها.

بالعلاقة القائمة بين باك الإنسان والخيول، اكتسب الفيلم طعماً خاصاً، أدّى إلى فهم السبب الكامن وراء إيلاء باك هذا القدر كلّه من العطف والحب لها، الذي عبره أراد التعبير عن علاقته الخاصة بها، وعن رفضه القسوة مبدءاً في التعامل ليس مع البشر فقط، بل مع الحيوانات أيضاً، فهي كما قال أكثر من مرة تشعر بالحبّ كالإنسان، فتعطي أفضل ما عندها. هذا ما أحسّ به الممثل روبرت ريدفورد، عندما تعلّم على يدي رجل يعرف الخيول جيّدا لتأدية دوره بإتقان في فيلم "الهامس في آذان الخيول". فريدفورد أراد أن يتعلّم أولاً لغتها، ليخاطبها باللسان نفسه الذي يُخاطب به باك معشوقاته. حديث الممثل ريدفورد عن تجربته القصيرة، ومعرفته في زمن قياسي "كودات" التعامل مع الخيول، لخّصت سرّ نجاحه في دوره الصعب. وسرّ نجاح باك نفسه أيضاً، الذي جَمع بين إنسانية مفرطة في رقّتها بالعمل مع خيول كثيرا ما ترمز إلى القوّة والجموح، وذلك بأسلوب ليّن، ما سهّل عليه العيش معها في تصالح، استحق باك بفضله مجيء السينما إليه وتقديمه وحكاياته في وثائقي مدهش.

ما جمع الأفلام الثلاثة المختارة في المقالة هذه كامنٌ في هاجسها البيئوي، في إطار تناولها موضوعات البيئة وحمايتها. لهذا، كان منطقياً إدراج فيلم وثائقي يرسم بورتريه لأحد أكثر نشطاء حماية البيئة، وأحد مؤسّسي حركة السلام الأخضر في "قرصان البيئة: قصّة حياة بول واطسون"، الساعي للإلمام بتفاصيل حياة رجل كرّس نفسه وجهده لملاحقة قراصنة البيئة، هؤلاء اللصوص الذي ينهبون قوت الأرض وبحارها، مدفوعين بالأرباح التي يجنون، فيفتكون بما يجود به كوكب الأرض من عطاء، من دون رحمة. أهمية الفيلم هذا الذي أنجزه تريش دولمان كامنةٌ في ربطه حكاية بطله بحركة بدأت بسيطة واتّسعت سريعاً، وشكّلت اليوم تياراً فكرياً وسياسياً. فـ"السلام الأخضر" لم تتبلور كحركة إلا بعد تضحيات وعمل شاق قام به "أبطال حقيقيون"، من بينهم بول طومسون، الذي ظهر في الأعوام الأولى من شبابه وهو يجوب البحار في سفن صغيرة، مُعرِّضاً حياته للخطر في ملاحقة قراصنة لا يكفّون عن صيد الحيتان والفقمات في مناطق ومواسم يُمنع الصيد فيها. هذا كلّه حدث قبل منع الصيد دولياً، وهو منع تحقّق بفضل النشاط العملي الفعلي لهؤلاء. اعتمد الفيلم كثيراً على تسجيلات وثائقية قديمة، قدّمت المسار الشاهد على كيفية انتقال الحركة وطومسون من مستويات بسيطة إلى أخرى أعقد، وفقاً لتَغيّر مواقف الناس والدول من البيئة، والمخاطر التي تتعرّض لها، مهدِّدة التوازن الدقيق للكوكب بأسره. كما أضفت الموسيقى التصويرية خصوصية ما على العمل، باستخدامها بالأسلوب نفسه المستخدم في أفلام "الأكشن": تتصاعد مع المشاهد المشحونة بالتوتر والصراع الدرامي مثلاً، كما أثناء تصاعد إيقاعها مع كل اصطدام لسفينة أعضاء منظمة "رعاة البحار" بقيادة طومسون، بأخرى للصياديين اللاشرعيين ، أو في مشهد استخدام دولمان مؤثّراً موسيقياً حزيناً عند عرضه تسجيلات لطوموسون وهو يرمي نفسه في مياة متجمّدة، احتجاجاً على صيد الفقمات في القطب الشمالي. سجّل عمل تريش دولمان سيرة رجل وتاريخ حركات وقفت، دائماً، بشجاعة ضد لصوص الكوكب وقراصنة بحاره.

إذا شكّلت الموسيقى عنصراً مهماً في الفيلم الوثائقي هذا، فإن عنصري الظرافة والدعابة ميّزا فيلماً آخر بعنوان "تذوّق الفضلات" لفالنتين تورن، لعرضه تجربة مثيرة تذوّق فيها آلاف الإيطاليين طعاماً مطبوخاً من مواد غذائية أُعدِّت للرمي كنفايات أطعمة، مع أنها في الحقيقة مواداً صالحة للإستخدام الآدمي. بهذا، سخر من سلوك وممارسات شركات ومحلات بيع وطهي المواد الغذائية في أوروبا وشمال أميركا واليابان، حيث يُرمى يومياً أطعمة تُشبع فقراء القارات جميعهم. عرض الفيلم، بالأرقام، حجم الخسائر التي تلحق بالبيئة جرّاء رمى بقايا أطعمة هذه الدول الغنية، وأيضا قوانين أسواقها التي تُجوِّع أكثر فلاحي العالم. كما أن "تذوّق الفضلات" اعتمد كثيراً على عنصر المفاجأة المتأتية من تبيان الفوارق. فالعاملة ذات الأصل الأفريقي في أحد المحلاّت الفرنسية تشعر، أثناء رميها كل برميل نفايات، بالحزن والحسرة على عدم وصول هذه الأطعمة للمحتاجين إليها. وأخذها بعض المواد غير التالفة إلى بيتها لإعداد الطعام لعائلتها، أثار تناقضاً وسلوك عامة الفرنسيين، موضحاً إختلاف النظر إلى الموضوع الواحد، والشعور المتناقض إزاء بشر يعيشون في الكوكب نفسه.

عرض الفيلم بالأرقام حجم المبالغ المهدورة من هذه العملية، وكيفية نجاح الرأسماليين في خلق ذائقة عند الناس، تدفعهم إلى رمي ملايين الأطنان من المواد الغذائية يومياً. بهذا، أمّنوا مداخيل لهم لا تنقطع، طالما أن المواطن الغربي يستهلك ما يحدِّده لهم صنّاع الدعاية الغذائية،  الذين يرسّخون عندهم، وبقوّة، سلوك "الترف" الغذائي. فأكل السمك النيء (الـ"سوشي" الياباني) يؤمّن للمزابل أطناناً من الأسماك مضى على صيدها ساعات قليلة. بهذا، تزداد الحاجة إلى مزيد من الصيد، ما يُنذر بكارثة دفعت حماة البيئة إلى التفكير في وسائل تحوّل مسار الغذاء من المزابل إلى المستهلك، لصنع طعام شهيّ، لا يدمّر الأرض، ولا يجوّع سكّانها.

من داخل المهرجان في

17/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)