حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان كان السينمائي الدولي الثالث والستون

اقتصاديات العالم كما تراها ثلاثة أفلام في «مهرجان كان»

من دموع «وول ستريت 2» إلى غموض غودار الفصيح

كان (جنوب فرنسا) – ربيع إسماعيل

فيلمان في دورة هذا العام لمهرجان «كان» السينمائي استعارا عنوانهما من اسم حي المال والأعمال الأهم في أميركا والعالم«وولت ستريت»، من دون أن يحظيا بالشهرة نفسها أو بالاهتمام نفسه من قبل جمهور المهرجان... إذ شتان ما بين الزحام الذي واكب كل عرض من العروض التي قدمت لفيلم «وول ستريت 2 – المال لا ينام» لكبير المشاكسين في السينما الأميركية اويفر ستون، وشبه التكتم التي حاق بعرض فيلم «كليفلاند ضد وول ستريت» من إخراج السويسري جان – ستيفان برون. الفيلم الأول قدم في التظاهرة الأساسية للمهرجان، إنما خارج المسابقة، فيما كان على الثاني أن يكتفي بعرضين ضمن إطار التظاهرة الثانوية «أسبوعي المخرجين». ويمكننا أن نقول منذ الآن، إن القاسم المشترك الأساسي بين الفيلمين هو أنهما يتحدثان، وكل على طريقته، عن الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يتوقف العالم عن التخبط فيها منذ شهور طويلة. وبعد هذا كل شيء يفرق بين الفيلمين: فيلم اوليفر ستون روائي طويل، هوليوودي بامتياز بدءاً من بطولته التي تجمع نصف دزينة من كبار النجوم العاملين في السينما الهوليودية في أيامنا هذه. أما فيلم السويسري برون فعمل توثيقي لا نجوم فيه ولا ضخامة، هو أقرب من أن يكون عملاً تجريبياً سياسياً واقتصادياً، فيما كان من المتوقع لفيلم «وول ستريت 2» أن يكون سياسياً يشاغب فيه مخرجه على السياسات والاقتصاديات الرسمية الأميركية.

كان هذا هو المتوقع لفيلم اوليفر ستون الجديد، حتى وإن كان معروفاً سلفاً أن الفيلم ليس في حقيقة أمره سوى استكمال لواحد من أول الأفلام التي حققها اوليفر ستون قبل أكثر من ربع قرن، وبها بدأ مسيرته السينمائية كواحد من أكثر المخرجين تمرداً... وهي مسيرة قادته إلى أفلام منشقة عن حرب فيتنام، وأخرى تدين الإعلام الأميركي، وأفلام عما لا يقل عن ثلاثة رؤساء أميركيين وزعماء من الخارج من الذين لم يكن البيت الأبيض ينظر إليهم بود شديد (عرفات، كاسترو وأخيراً هوغو تشافيز)، كما قادته إلى مجاهل التاريخ القديم ليحقق فيلماً لا ينسى عن «الاسكندر». والحقيقة أن «وول ستريت 2» الذي بات يعرف الآن اختصاراً بـ «المال لا ينام»، يعود إلى حياة الشخصية المحورية في الفيلم القديم، غوردون جيكو (قدمها مايكل دوغلاس في الفيلمين)، الذي كان لمضارباته المالية في الفيلم الأول أن أودت به إلى السجن، حيث سيقبع ثماني سنوات، مخلفاً وراءه ابنة وأبنا وزوجة وأموالاً سوف لن نعرف بأمرها إلا في الفيلم الجديد.

ميلودراما اقتصادية

يبدأ هذا الفيلم الجديد، إذاً، مع خروج جيكو من السجن ليجد أن ليس ثمة أحد في انتظاره، لا ابنته ولا رفاق دربه ولا حتى خصومه الذين كان يعتقد أن سجنه سنوات سوف يعيد العلاقات بينه وبينهم. بيد أن هؤلاء كانت تبدلت عليهم أمور كثيرة: صعد منهم من صعد واختفى من اختفى وبات جيكو بالنسبة إليهم نسياً منسيا. وفي الوقت الذي كان جيكو يخرج من السجن وهو يشعر بأقصى درجات المرارة، تكون الحياة (والأعمال) متواصلة في «العالم الخارجي». فابنته التي سوف ترفض لقاءه لأنها تعتبره مسئولاً عن انتحار ابنه (شقيقها) وموت أمها، هي الآن مخطوبة لشاب صاعد في عالم المال والأعمال. وهذا الشاب يطل على عالم وول ستريت من خلال عمله مع أستاذ له، صاحب مصرف كبير. والفيلم بعدما يصور لنا خروج جيكو من السجن، ينتقل مباشرة إلى اجتماعات البنك الفيدرالي الأميركي، حيث على مشارف الأزمة الاقتصادية العالمية، هناك حكاية ألاعيب في البورصة وفي عالم البنوك، تشبه حكاية بنك «ليهمان براذر» الذي كان إفلاسه، على خلفية أزمة الائتمان العقاري، قبل عامين، في خلفية الكارثة الاقتصادية التي حلت بالعالم (في الواقع لا في الفيلم). والفيلم لا يقدم من تلك الكارثة سوى بداياتها... وبشكل يدفع المتفرجين إلى التساؤل حول ما الذي أراد اوليفر ستون أن يقوله في هذا الفيلم حقاً.

ذلك أننا بعد مقدمات توحي، بصرياً على الأقل، بأن المخرج، في الفيلم الذي كتب له السيناريو بنفسه، سوف يغوص في الكارثة وأسبابها، نجده يضع هذا الجانب السياسي - الاقتصادي، جانباً ليغوص بدلاً من ذلك في حكاية درامية – بل ميلودرامية – عائلية تتحلق من حول جيكو وابنته وصهره. إذاً، كل شيء مشخصن هنا، على يد اوليفر ستون، وتتتابع على الشاشة مشاهد الدموع والخصام، بل تصبح للأزمة الاقتصادية العالمية سمات وأبعاد أخلاقية، كما في حالة الأفلام الميلودرامية، ليعجز اوليفر ستون، عن تقديم أي تحليل مقنع للسياسات الاقتصادية. حسب الفيلم، كل شيء يبدو صراعاً بين الخير والشر. أما قوة بطله جيكو فتكمن في تأرجحه بين هذين. لأنه – حسب منطق الفيلم – شرير يريد الآن أن يصبح شخصاً جيداً وأن يستعيد ثقة ابنته. وهو إذ يعجز عن هذه الاستعادة، لا يجد أمامه إلا أن يتآمر مع صهره، من وراء ظهر الابنة التي تبقى مصرة على عدم استعادة العلاقة مع أبيها. وهنا، يصبح تافيلم كله هذه الحكاية العائلية، التي نطمئن القارئين أنها سوف تنتهي على خير، وفي مشهد جدير بأجمل الميلودرامات ذات الخبطات المسرحية العابقة بأطياف من الدموع. وما نعني أنه سينتهي على خير هنا، هو مصير جيكو وابنته وصهره، أما الأزمة الاقتصادية فتكون قد نسيت تماماً.

المدينة ضد بنوك وول ستريت

ولكن من حسن الحظ، هناك للتذكير بها وبأبعادها السياسية – اللا أخلاقية – الفيلم الآخر الذي نتحدث عنه هنا: «كليفلاند ضد وول ستريت». وهو فيلم وثائقي كما قلنا أعلاه، يصور محاكمة حقيقية إثر دعوى رفعها سكان من مدينة كيلفلاند الأميركية ضد البنك الفيدرالي الأميركي وأعيان وول ستريت جميعاً، بل بالتحديد ضد واحد وعشرين بنكاً أميركياً، اعتبرها السكان مسئولة عن مصادرة البيوت التي يملكونها ويعيشون فيها، في تلك المدينة. أما منطلق الفيلم فمكتب «جوش كون وشركاه» الذي تولى رفع الدعوى أوائل العام 2008. واللافت هنا هو أن المحاكمة التي يتمحور الفيلم من حولها لم تحصل... ذلك أن البنوك لقوتها وسلطتها تمكنت من أن تقف بقوة ضد فتح المحاكمة في الأساس. هناك، عبر هذه الحكاية تمكن المخرج السويسري الشاب، من أن يحقق عملاً سياسياً بامتياز، استجوب فيه المحامين والزبائن والشهود والصحافيين... استجوب كل الناس الذين اعتبر أن لهم علاقة بالقضية. وهو خرج من ذلك كله بعمل أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه يدين النظام الاقتصادي والمالي الأميركي برمته، واصلاً في إدانته إلى الجذور؛ إلى ذلك التواطؤ بين المصارف والسياسيين والقضاء... والصحافة أيضاً.

هنا، إذاً، لدينا فيلم سياسي- اقتصادي يدخل في عمق الأمور حيث يحقق المخرج غايته الأساسية وهي البرهنة على الكيفية التي تشتغل فيها القوى الاقتصادية خلف قناع السياسة... وكيف تجعل السياسي في خدمتها وكذلك القضائي. وهو أمر من الواضح أن المخرج تمكن من إظهاره بقوة... ولكن في فيلم من المؤكد أن قوته تشتغل ضده: فها نحن أمام عمل يكاد يكون نخبوياً، في معنى أنه لن يشاهد، في حقيقة الأمر، إلا من جمهور مكتسب سلفاً إلى القضية التي يدافع عنها، على عكس فيلم أوليفر ستون، الذي سوف يحقق بالتأكيد نجاحاً جماهيرياً كبيراً، لكنه لن يكون سوى نجاح هوليوودي... أي لا يوصل أية رسالة حقيقية. بل بالأحرى سيوصل رسالة مغلوطة مفادها، أننا هنا في عالم الأخلاق ما يعني أنه لو كان الرأسمالي أخلاقياً، لن تكون هناك أزمة ولا يحزنون.

المكتوب من عنوانه

وهذا البعد لن يوافق عليه، بالتأكيد، المخرج السويسري- الفرنسي الكبير جان – لوك غودار، الذي يعرض في «كان» فيلمه الجديد «قيم اشتراكية» (هكذا هو اسمه) الذي يقول منذ عنوانه إنه فيلم آخر عن الاقتصاد. بيد أن ما يقوله العنوان لا يظهر بوضوح في الفيلم. ذلك أننا، مع فيلم لغودار، لا يحق لنا أن نتوقع وضوحاً خطيّاً، ولا حبكة درامية أو ميلودرامية: يحق لنا أن نستشرف النظر، عبر كاميراه إلى تصويره أحوال العالم. العالم الذي ينظر إليه هذه المرة، انطلاقاً من رحلة بحرية على سفينة سياحية، تضم عدداً من كبار القوم، فنعبر المدن المتوسطية وننظر من خلال ذلك إلى الجديد - القديم، من فلسطين أو من مصر أو من الجزائر. ونحلل الأحوال والاقتصاد والسياسة والفن في لغة شديدة الخصوصية قد تقول لنا في نهاية الأمر، إن كل ما أراد غودار أن يقوله في هذا العمل الجديد المركب المشتت، إنما وضعه في العنوان. ولدى غودار المكتوب يقرأ من عنوانه طبعاً.

كين لوتش ودوغ ليمان يدخلان مهرجان «كان» حرب العراق

من المؤكد الآن أن السينما الأميركية والانجلو- ساكسونية عموماً التي تتحدث عن حرب العراق، باتت متفوقة، عددياً على الأقل على الأفلام التي تحدثت منذ سنوات السبعين عن حرب فيتنام، مع فارق أساسي يكمن في أنه، إذا كان ثمة في الأفلام الأميركية عن فيتنام، من نظر بعين التعاطف، مرة أو أكثر، إلى التدخل الأميركي في فيتنام (جون واين مثلاً حين حقق «القبعات الخضر»)، فإن ليس ثمة أي فيلم حتى الآن يتعاطف ولو بقدر ضئيل مع التدخل الأميركي في العراق. بل إن عدوى تحقيق أفلام معادية لذلك التدخل، انتقلت من هوليوود إلى بريطانيا الآن. حيث، إذا كان كثر قد تساءلوا خلال السنوات الأخيرة عن استنكاف كين لوتش، المخرج البريطاني، عن الدنو، على الأقل، من التدخل الانجليزي في العراق، وهو الذي عالج كل القضايا العادلة في العالم في عشرات الأفلام – الروائية – التي حققها حتى الآن، ومن موقع تقدمي جعله يلقب بـ «آخر اليساريين المحترمين» في السينما العالمية، ها هو لوتش يفاجئ أهل السينما وحتى مهرجان «كان» بفيلمه الجديد «الطريق الايرلندية»، الذي يعرض اليوم (الخميس) تحديداً، للمرة الأولى، بعدما كان قد صرف النظر عنه يوم اختيار عروض «كان» لأنه لم يكن جاهزاً بعد... ويعرض الفيلم في المسابقة الرسمية تحديداً، حيث يأمل مخرجه الآن أن يحقق به فوزاً شبيهاً بفوزه قبل سنوات قليلة بالسعفة الذهبية عن فيلم «الريح تهز حقل الشعير» (عن الثورة الايرلندية). والحقيقة أن كثراً، حين جرى تناقل أخبار هذا الفيلم الجديد وعرف عنوانه، اعتقدوا أنهم في صدد فيلم جديد للوتش عن الثورة الايرلندية، لكنهم سرعان ما عرفوا أن «الطريق الايرلندية» إنما هي الطريق التي تربط في العراق بين المنطقة الخضراء ومطار بغداد الدولي. وهكذا إذاً، دخلت سينما كين لوتش حرب العراق من حيث لا يتوقع أحد.

غير أن مهرجان «كان» لم ينتظر فيلم لوتش، الذي سنعود للحديث عنه في رسالة مقبلة، حتى يدخل هو الآخر حرب العراق... وفي المسابقة الرسمية حتى، حيث إن فيلم دوغ ليمان الجديد، المشارك في المسابقة الرسمية بدوره، أمّن وجود الحرب العراقية، ولكن بشكل أقل دموية وأكثر سياسية. الفيلم عنوانه «لعبة عادلة»... وهو من بطولة نعومي واتس (الحاضرة كذلك من خلال فيلم وودي آلن المشارك خارج المسابقة الرسمية)... وهو يبتعد عن الرصاص والانفجارات والدماء، ليقدم الحرب الأميركية على العراق من خلال حكاية حقيقية حول فاليري بلام، العاملة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، في الفرع المكلف بالتحقيق في قضية أسلحة الدمار الشامل. وهذه السيدة كانت قد كلفت أوائل العقد الماضي بهذا التحقيق بشكل سري... وفي الوقت نفسه كان الدبلوماسي جود ويلسون وهو زوج فاليري قد كلف بمهمة معاكسة تقوم على إيجاد القرائن على شراء النظام العراقي، اليورانيوم المخصب من النيجر. وإذ يتوصل ويلسون إلى الاستنتاج بأن الشراء لم يحصل، تحاول إدارة بوش التكتم على الاستنتاج فلا يكون من الدبلوماسي إلا أن ينشر مقالاً في «نيويورك تايمز» يفضح أكاذيب الإدارة. ويتلو ذلك الكشف عن هوية الزوجة، ما يثير فضيحة كبيرة في ذلك الحين. وكانت هذه الفضيحة كما نعرف في أساس معظم حركات الاحتجاج الأميركية المناهضة لسياسة البيت الأبيض الحربية في العراق.

إذاً... فيلمان أمنا معاً حضور الحرب العراقية في «كان»... والفيلمان لم يعرضا حتى كتابة هذه السطور، ومن هنا، منذ الآن وحتى إعلان الجوائز في حفل الختام، حيث من المحتمل أن يخرج واحد منهما فائزاً بجائزة ما، سوف يشتد السجال حول هذه الحرب ونظرة السينما إليها...

الوسط البحرينية في

20/05/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)