حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان برلين السينمائي الدولي الستون

أفلام السجون في مهرجان برلين السينمائي

الحرية أقسى من الزنزانة

نديم جرجورة/ برلين

السجن. متّهمون بجرائم مختلفة يخرجون من السجن أو يدخلون إليه. ليست معرفة الجريمة مهمة، غالباً. على الرغم من أن بعضها معروف: قتل. سرقة. هذا ليس جوهرياً. هذه الأفلام منشغلة بما هو أكبر من الجريمة، وبما هو أبعد من الفعل الجرمي. مخرجوها منتبهون إلى أمور أخرى، أهمّ: المتاهة. الحصار المانع خروجاً من شرنقة الماضي. السعي إلى فهم التفاصيل والاهتمام بالهامشيّ. الرغبة في الخروج من النفق. أي الذهاب إلى نوع من سلام داخلي. أو البقاء في الإطار الضيّق للحياة، بعيداً عن مفاسدها. لا يبغي هؤلاء «المجرمون» شيئاً. لا يريد أحدٌ منهم عطفاً أو غفراناً أو شفقة. لكن القدر بشعٌ. أفلام عدّة اختيرت رسمياً في الدورة الستين للـ«برليناله»، مرتكزة على هذا الفضاء المفتوح على أسئلة الحياة والوجود ومعاني العيش والعلاقات. المخرجون اختاروا شخصيات كهذه لقراءة واقع، أو لفهم تفاصيل. لإنجاز أفلام منتمية إلى النوع التأملي في حالات وانفعالات واشتغال عاطفي أو وجودي.

لا إدانة

بعيداً عن إدانة، مرفوضة أصلاً، وعن تشريح نفسيّ للذات المرتكبة جرماً، انبنت تلك الأفلام على أناس مدمَّرين ومسحوقين وساعين إلى لحظة صفاء ذاتي، وسط الانهيارات المختلفة. انشغلت بالإنسان/ الفرد وسط جماعته. بل وسط حريته المنقوصة، ومستقبله المعلّق، وراهنه المثقل بالخيبات والآلام. بعض هذه الأفلام ذاهبٌ إلى البؤس. بعضها الآخر ساخرٌ. أكاد أقول «ساخرٌ جداً». إلى حدود الضحك المرير. النهايات مغلقة أو مفتوحة. أكاد أقول واضحة أو غامضة، مباشرة أو ملتبسة. غير أنها نهايات واضحة بقدر الانكسار والشقاء. مباشرة بقدر الرغبة البصرية في جعل الالتباسات الواقعية في الحياة اليومية، أقوى تعبيراً عن التمزّق الحاصل في مستويات عدّة. الأجمل كامنٌ في ابتعاد المخرجين عن خطاب الاعتذار أو المصالحة مع الذات، عبر الاعتراف والندم. لا رغبة لدى المخرجين بدفع الشخصيات الرئيسة لأفلامهم الجديدة هذه إلى مرتبة الاعتراف عن جرم ارتكبوه أم لا، وإلى لحظة اعتذار عن فعل نفّذوه أم لا.

ذلك أن الأفلام القليلة المتمحورة حول السجن، التي عُرضت في الأيام الفائتة للدورة الستين من الـ«برليناله»، جعلت الصورة السينمائية أساساً للاشتغال الإبداعي. أداة لقول حالات، ورسم ملامح إنسانية لا علاقة لها بالثقافة الأخلاقية المتعاطفة مع السجين. الدورة المذكورة تنتهي مساء السبت المقبل، بإعلان النتائج النهائية للمسابقة الرسمية. هناك لجنة تحكيم مؤلّفة من المخرج الألماني فارنر هرتزوغ رئيساً، والمخرجة الإيطالية فرانشيسكا كومنتشيني والممثلة الصينية يو نان والمنتج والموزّع الإسباني خوسي ماريا موراليس والممثلة الألمانية كورنيلا فروبوس والممثلة الأميركية رينيه زيلويغر والروائي الصومالي نور الدين فرح أعضاء (أربع نساء في مقابل ثلاثة رجال. أم إن هذا لا يعني شيئاً نافراً أو لافتاً للانتباه، لأن الأهم كامن في السينما؟ حساسية نسائية؟ منطق ذكوري؟ هذا كلّه تلاعب بالتحليل والكتابة والتباهي بقوة اللغة في صنع أدب ما. لجنة التحكيم تضمّ أناساً مشغولين بالسينما، صناعة وإخراجاً وتمثيلاً وقولاً. أحدهم، فرح، مؤلف روائي. الرواية أقرب الأنواع الأدبية إلى الفن السابع. على هؤلاء جميعهم أن يختاروا أفلاماً محدّدة وعاملين في الصناعة السينمائية قليلي العدد، من بين مجموعة كبيرة مشاركة في هذه المسابقة الرسمية نفسها، لمنحها جوائز، أبرزها «الدب الذهبي»). مشاهدو أفلام عدّة، من نقّاد وصحافيين سينمائيين متخصّصين، أبدوا إعجابهم بأفلام وتقديرهم لأفلام أخرى عُرضت كلّها في الأيام السابقة. هناك أفلامٌ عدّة لم تُعرض بعد. لم يشاهدها أحدٌ منهم. مع هذا، لأعضاء لجنة التحكيم أمزجة مغايرة لأمزجة المشاهدين والنقّاد. النتيجة: مساء السبت المقبل. طوال يوم الأحد اللاحق، تُعرض أفلام عدّة، كأن الدورة المذكورة لم تنته.

السجن

السجن. الأفلام المقصودة أعلاه التقطت نبض أفراد مقيمين فيه، أو خارجين منه، أو داخلين إليه. إنه السجن بمعناه المباشر. لكنه حاضرٌ بمعناه الرمزي أيضاً. بإسقاطاته الموجعة. هؤلاء المسجونون أو المطلق سراحهم أو المساقون إلى السجن حديثاً مصابون بحصار نفسي ومجتمعي وإنساني، لا يقلّ قسوة عن العيش داخل الزنزانات. إن لم يكن العيش داخل الزنزانات أرحم وأسهل. مشاهدة هذه التنويعات الجميلة متعة بصرية، على الرغم من قسوة مضامينها. لكن، إذا بدت الحياة عنيفة في معاقبة أناس وجدوا أنفسهم في السجن، بمعناه المباشر أو برمزيته النفسية والانفعالية؛ فإن أفلاماً أخرى واجهت هذه السوداوية والقلق والحدّة بسخرية مليئة بالإشارات الانتقادية، المصوَّرة بكوميدية مبسّطة.

وإذا بدت الكوميديا المبسّطة هذه منفذاً إلى تفعيل السخرية من الحياة والناس والمسارات والعناوين؛ فإن الإمعان في تصوير العنف المبطّن شكّل معبراً لقراءة التداعيات والحالات، بعيداً عن المفهوم التقليدي للسرد القصصي. القصّة، في هذه الأفلام، معروفة أحياناً. السجن، فيها، واضحٌ بصورتيه الاثنتين، المباشِرة والرمزية. لكن أفلاماً أخرى روت حكايات أناس مختلفين، سقطوا في حصار سجن من نوع مغاير. أي بالمعنى الرمزي فقط.

هذه أفلام لا تنتمي، إطلاقاً، إلى ما يُعرف في العالم باسم «أدب السجون»، ومنه «أفلام السجون». أي أنها لا تروي سير مسجونين سياسيين ومثقفين ومناضلين، بل أناس عاديين، قست عليهم الدنيا، فباتوا أسرى أمر واقع يرفضونه. أو قسوا هم على أنفسهم، لالتباس المفاهيم، أو لارتباط علاقتهم بالدنيا والناس وبأنفسهم. حتى هذا التفسير، لا يجد صُوَراً مباشرة له في الأفلام. سبقت الإشارة إلى أن هذه الأخيرة تحرّرت، كلّياً، من «الاعتراف بالذنب» و«طلب الغفران». هذا لا يعني سينمائيين مهجوسين بما هو أبعد منهما. الحكاية البصرية أهمّ. رسم حالات أو قول أشياء معاشة. الاختلاف الجغرافي (رومانيا، النمسا، ألمانيا، الدانمارك، النروج مثلاً)، في مقابل التشابه الإنساني. لكن التشابه الإنساني لا يعني أبداً تشابهاً في الصورة واللغة السينمائيتين، أو في المعالجة الدرامية، أو في المسارات الإنسانية، أو في الشخصيات المستلّة من الواقع. النضال السياسي والثقافي حكرٌ على العالم العربي. أو بالأحرى على الأدب العربي فقط. أفلام عربية قليلة جداً استعانت بهذا الأدب. غير أن السينما المصنوعة في الدول العربية لم تعر أدنى اهتمام للجانب الإنساني للفرد المسجون. أو للفرد الذاهب إلى سجنه، لألف سبب وسبب. الأدب والسينما الغربيان اهتمّتا بمساجين، قتلة أو سارقين أو سفّاحين. جعلتهم بشراً. أو بالأحرى أعادت الإنسانية إليهم. أو بالأحرى تعاملت معهم كبشر. المقارنة بين الأفلام الغربية والعربية مجرّد ملاحظة تفرض نفسها أثناء مشاهدة كَمّ من الأفلام الغربية بالغة الدلالات الإنسانية والجماليات الدرامية والفنية، في مقابل عجز إبداعي فاضح للسينما العربية، في مقاربة المسائل الفردية. مع أن هذه الأخيرة (المقاربة السينمائية للفرد) بدأت تفرض نفسها، بشكل أو بآخر، على النتاج السينمائي، وإن بخفر كبير. وإن بابتعاد مطلق عن مسائل متفرّقة.

نماذج

من الأفلام المنتمية إلى هذه «الفئة» السينمائية، إذا جاز التعبير، هناك الألماني «اللص» لبنجامن هايزنبرغ، والنروجي «جنتلمان» لهانس بيتر مولاند، والدانماركي «سابمارينو» لتوماس فينتربيرغ. من دون تناسي «إذا أردتُ أن أصفّر، سأصفّر» للروماني فلوران سربان («السفير»، 15 شباط الجاري). حكايات أناس أُطلق سراحهم، وآخرين أدخلوا السجن. الفيلم الألماني موغل في حيويته السينمائية. سلاسة السرد لا تلغي جمال المعالجة. الصورة متقنة في استنباط المشاعر والسلوك. الحبكة غير مكترثة بالأسباب والنتائج، لاهتمامها الواضح في متابعة قصّة سارق مصارف هو، في الوقت نفسه، بطل نمساوي في الـ«ماراتون». تناقض في الشكل لا يُلغي التناقضات المُساق إليها يوهان روتنبيرغر (أندرياس لوست)، أو المقيم فيها. سرقة المصارف؟ لا أحد يعرف السبب والهدف، لأن المهمّ كامنٌ في أمكنة أخرى (الذات. العلاقة بالبيئة والمجتمع. التواصل أو عدم التواصل مع الناس. السلوك. الحالات العامة والخاصّة. كلها تفسيرات مقبولة). شغفه بالركض، وبالمشاركة الدائمة في سباقات الـ«ماراتون»؟ أيضاً لا أحد يعرف السبب والهدف (انتقام. رغبة في التنفيس. سعي إلى الشهرة لتغطية الحقيقة). براعته في الرياضة مشابهة لبراعته في سرقة المصارف. علاقة الحب التي جمعته بإيريكا (فرانزيسكا فايز) متقاربة وعلاقة الحبّ الرابطة بينه وبين السرقة. هذا مناقض تماماً لشخصية مارتن (بيتر بلوغبيرغ) في «سابمارينو». ذلك أن لمارتن هدفاً من بيعه المخدرات: حماية ابنه وتأمين حياة أفضل له. انسياقه إلى تجارة المخدرات وتعاطيها، مبرّر. طفولة معذّبة. أمضى وشقيقه البكر نك (جاكوب سيدرغرن) حياة قاسية: أم سكّيرة. طفل عمّداه سرّاً وسعيا إلى تربيته، قبل أن يعثرا عليه ميتاً ذات صباح. نك في الثلاثين من عمره. بات الآن خارج السجن. سكّير لا يعمل. علاقته مرتبكة بصوفي (باتريسيا شومان). جنس وابتعاد. تائه هو. مارتن أيضاً، لولا وجود ابنه معه. شخصيات محطّمة. محيطها مدمَّر ومدمِّر. العالم منزلق بين أيديها. عاجزة هي عن الإمساك بخشبة خلاص. التحرّر. التطهّر. التعمّد مجدّداً، وإن أعاد فينتربيرغ، مطلق بيان «دوغما» وأحد أبرز روّادها، مشهد عمادة الطفل في طفولة الشقيقين، لا طائل منه. العمادة الأساسية: عنف الحياة وانغلاقها على الفرد. هنا أيضاً، لا تبرير أو تعاطف. الفيلم سرد لوقائع تبدو عادية، على مستوى الشكل.

فيلم المخرج هانس بيتر مولاند، مختلف تماماً. الفيلم نروجي. المخرج سويدي. السخرية أساسية. إثارة الضحك إزاء مواقف أو تصرّفات أو تعابير، لا لبس فيها. إنها نواة جوهرية. خرج أولريك (ستلان سكارسغارد) من السجن، بعد اثني عشر عاماً من الإقامة فيها بتهمة قتل عشيق زوجته. الأمور تغيّرت. راغبٌ هو في اعتماد نهج آخر للحياة. صديق أمّن له مكاناً للمبيت. أمّن له عملاً. ظلّ، طوال اثني عشر عاماً، يرسل مالاً إلى زوجته وابنه. العلاقة مقطوعة بين أولريك وزوجته. هذه الأخيرة منعته من لقاء ابنه. لكن اللقاء حصل. حياة الابن مختلفة. صديقته حامل. أخبرها أن والده ميت. وأن هذا الرجل، أولريك، عمّه. صديقه يحرّضه على قتل من أرسله إلى السجن. العالم الجديد الذي اكتشفه، وعاش فيه، حال دون ذلك. لكن القدر لعين. المحيطون بالرجل قساة. الحقيقة جارحة بالنسبة إلى بعضهم. رفضَ الرجل الانغماس مجدّداً في الجريمة. لكن رفضه غير مقبول من قبل آخرين. حصار حاد. غير أن سلوكه وسلوك محيطين به مثير للضحك. ومثير للسخرية أيضاً. السلوك كاشفٌ لوقائع ومسارات حياتية ومناخات اجتماعية. النهاية لا علاقة لها بالندب و«جَلد» الذات. لا علاقة لها بالدرامي القاتل. بل بما يشبه الكوميديا الهازئة.

السفير اللبنانية في

17/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)