كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 

سابق

>>

05

06

07

08

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
حوارات عن النقد السينمائي

حاورهم: صلاح سرميني

 
 
أحمد عبد الرحيم
 
 
 
 
 

سيرة

 
 

أحمد عبدالرحيم - مصر

كاتب سيناريو، قصّاص، ناقد سينمائى، وفنان تشكيلى مصرى، مواليد القاهرة 1978، خريج كلية الآداب (قسم التاريخ)، والمعهد العالى للسينما (قسم السيناريو).

واحدٌ من نقاد موقع us.imdb.com، نُشرت له حتى اليوم 1192 مقالة، ونال لقب "Top Reviewer"، وتمّ ضمّه لأغزر كتّاب الموقع عملاً، كما ينشر فى مواقع أخرى مصرية وعربية، مثل "الكتابة الثقافى"، "فيلم ريدر"، "عين على السينما"، و"سينماتوغراف"، وكتب فى مجلات وجرائد مصرية وعربية مثل (الفن السابع)، (الثقافة الجديدة)، (أبيض وأسود)، (المجلة)، و(الإمارات الثقافية).

أصدر مجموعتين قصصيتين للكبار (المشهد المحذوف)، و(يا ولاد المجنونة)، و4 مجموعات قصصية للصغار (ورقة السلوفان)، (زقزقة)، (الأبطال)، و(سحابتى)، ونشر قصصه القصيرة فى مجلات مصرية منها (أخبار الأدب)، (الأخبار المسائى)، ومسلسلات قصص مصوّرة فى عددٍ كبير من المجلات المصرية، والعربية مثل (قطر الندى)، (علاء الدين)، (فارس)، (ماجد)، (جنة)، (العربى الصغير)، (أطفال 999).

كتب عدداً من أفلام التحريك، والصلصال مثل (ريموت كنترول، التمثال، خليك قاعد، قمر 13، مفاتيح، سحر الكتاب)، وفيلماً تسجيلياً (صلاح جاهين.. قصة عاشق)، وبعض الحلقات التلفزيونية.

أخرج حوالى كليبات قصيرة لعددٍ من الأغانى، والمقطوعات الموسيقية، كلها معروضة بقناته (Ahmedabdelreheem) على موقع YouTube.

شارك بلوحاته فى عددٍ من معارض الفنّ التشكيلى، وتحوّلت إحداها إلى مقتنيات متحف الفن الحديث بمصر.

حصل على عددٍ من الجوائز، والتكريمات كسيناريست، ومؤلف لأدب الطفل.

 

   
 

عناوين الحوار (مانشيت)

 
 

النقد المبدع يمكن أن يتجسد من خلال اللغة أيضاً، وليس الفكر، بمعنى أن تتحوّل المقالة النقدية لعملٍ فنىّ قائم بذاته

 

النقد محاولة للقبض على الحقيقة، وهو أمر لابد أن يهم الجميع

 

التسلية هى روح السينما، بل أساسها الذى بُنيت عليه

 
 
 
 
 
 

المشاركون

 

 

الأمير أباظة

 

إسراء إمام

 

أحمد القاسمي

 

أحمد ثامر جهاد

 

أحمد حسونة

 

أحمد شوقي

 

أحمد عبد الرحيم

 

أحمد فايق

 

أمل الجمل

 

ديانا جبور

 

رامي عبد الرازق

 

رانيا يوسف

 

ساسية مسادي

 

صفاء الليثي

 

طارق الشناوي

 

طاهر حوشي

 

عائشة الدوري

 

عبد الكريم قادري

 

عبد المحسن المطيري

 

عدنان حسين أحمد

 

عز الدين الوافي

 

علا الشافعي

 

علاء المفرجي

 

فراس الشاروط

 

مجدي الطيب

 

محمد بو غلاب

 

محمد اشويكة

 

محمد بنعزيز

 

محمد رضا

 

محمود الغيطاني

 

محمود قاسم

 

ناجح حسن

 

ندى الأزهري

 

نزار شهيد فدعم

 

نضال قوشحة

 

هاشم النحاس

 

هدى جعفر

 
 

الحوارات تتواصل

 
 

تفاصيل الحوار

 
 

·        أتذكر بأننا تواصلنا يوماً، وتحادثنا حول علاقتنا المُشتركة مع السينمات الهندية، وإنقطع ذاكَ التواصل كى يعود من جديد (بمُناسبة هذه الحوارات)، وأكتشف متأخراً ناقداً شاباً غارقاً فى نشاطه الإحترافى بعيداً عن أضواء الإحتفاليات، والمهرجانات السينمائية، وأتوقف عند مسيرتكَ المهنية المُذهلة، والمُثيرة للإنتباه، حيث تنتقل من التاريخ إلى السيناريو، وتكتب النقد، القصص القصيرة، مسلسلات المجلات المُصورة، أفلام التحريك، السينما التسجيلية، الحلقات التلفزيونية، الكليبات،... وتمارس الفنّ التشكيلى..كيف بإمكانك الجمع بين كلّ هذه النشاطات، وكيف تُوفق بين الجانب العملى، والنظري/التنظيرىّ ؟   

ـ أشكرك يا أستاذ صلاح لوصفها بـ"مذهلة". أنا شخصياً أراها، وفى أكثر حالات رضاى عن نفسى، "خطوة على الطريق". بالنسبة لتعدد النشاطات، فإن الكل لديه طاقة إبداعية، المهم أن تخرج، وبشكل طيب. والتوفيق بين كل نشاط وآخر، يعود لإستغلال الوقت، كل الوقت، على أفضل نحو، مع تنظيمه جيداً. ثم أن بعض هذه النشاطات أعتبره رئيسى، والباقى أدرجه تحت قائمة الهوايات المُلحّة، وإن كنت أتعامل مع الإثنين بنفس الجدية. والموضوع ليس ملئ صفحات، وإنما صناعة تراث. ولذلك تحكمنى قواعد عديدة، بدونها قد أبتعد عن جادة الصواب. فمثلاً، فى القصص المصورة، أصر على أن يكون هناك تعادل بين المعنى والمتعة، مع محاولة تجريب أطر جديدة أو حبكات غير مطروقة. وعلى مستوى المقالات النقدية، لا أكتب إلا إذا كان لدى ما أضيفه، سواء على مستوى الشكل (أسلوب الكتابة) أو المضمون (القراءة السينمائية ذاتها). لأنه من الممكن أن تكون كاتب غزير الإنتاج – فى مجال ما – ولكن ضعيف المستوى؛ وهذا ما لا أريد الوقوع فيه.

·        نقد، كلمةٌ مزعجة، تثير المشاكل، والخصومات بين النقاد، والمخرجين (ورُبما بين النقاد، والنقاد أنفسهم)، مرتبطةً غالباً بالكشف عن الخلل، العيوب، والسلبيات، .. ماذا يعنى "النقد السينمائى" بالضبط ؟ وهل يمكن إستبدالها بكلمةٍ أخرى أكثر رقةً، لطفاً، ورحمة، .. هل "التمييز" مناسبة، وهكذا نقول "التمييز السينمائى"، أعمل "مُميزاً سينمائياً"،...أو "تحليل"، فأصبح "محللاً سينمائياً"، أو رُبما، كما يُقال : "فهم العمل"، أو "تفسيره"، وهنا، نطلق على الناقد صفة "فاهم سينمائى"، أو "مفسّر سينمائى"...؟

ـ أول تعريف للنقد سمعته من الأستاذ "محىّ الدين فتحى" (الصحفى بجريدة الأهرام، والناقد السينمائى)، بإعتباره مستشار تحرير جريدة كلية الآداب، والتى كنتُ مسئولاً عن صفحتها الفنية خلال دراستى بالكلية، هذا التعريف هو أبسط – ورُبما أجمل – تعريفٍ مُمكن : "قل الإيجابى، والسلبى، ثمّ عبّر عن رأيكَ النهائى". فى معهد السينما، درستُ مادةً بعنوان (نظرية الأدب)، وعند إختبارنا عن "المُفارقة"، فُوجئت أن دكتور المادة أعطانى درجةً عالية، ولكن ليست عالية جداً، وعندما سألته لماذا، أخبرنى أنّ لكل مفارقة وجهين، ذكرهما وحيدين خطأ، لذا لابدّ من إحكام الرأىّ بجملةٍ أخيرة محددة. بعدها وجدتُ أن تطبيق هذا وحده قد يكون ساذجاً، ويُخضِع المقالة النقدية للهوى، لكن، عند قراءتى كتاب Screenplay  أو مخطوطة الشاشة لمؤلفه  Syd Field (الصادر سنة 1979، والذى ترجمه للعربية الأستاذ "سامى محمد" بعنوان : "السيناريو" سنة 1989) وقعت فى حبٍ مبدأه "قياس الفيلم على نفسه"، أىّ معرفة الهدف الرئيسى للفيلم، وتقييمه وُفق إقترابه أو إبتعاده عن هذا الهدف، أظن أننى أكتب النقد حتى الآن من خلال هذه الدروس الثلاثة. أحياناً تغلب الذاتية على الناقد، فيحب فيلماً سيئاً لأسبابٍ تتعلق بالنوستالجيا، أو غيرها، وأحياناً يرفض فيلماً جيداً، لأن البطل، أو البطلة ثقيلى الظلّ بالنسبة له. كل هذه الأمور واردة، وأظنها طبيعية، لأن الناقد إنسان، ولن يتمكن من تجريد موضوعيته أبداً (إلا إذا تحول لروبوت !)، ومن وجهة نظرى، يُعدّ الإلتزام بالموضوعية، مع جرعةٍ من الذاتية، أمرٌ يميّز الناقد بإنسانيةٍ تقرّب القارىء له، وتُبعد المقالة النقدية عن صرامة، وتجهم التحليل العلمى. المشكلة طبعاً إذا كانت الموضوعية مُدمَّرة من الأساس عند الناقد، أو ذاتيته غالبة على نحوٍّ ظالم، وأحكامه عشوائية بدون أىّ مرجعيةٍ علمية، هذا يُحوّل المقالة إلى شىء غير مفيد، يروِّج لرداءة كاتبها، وفى المقابل، يبدو الروبوت أرحم ! بإختصار، مهما كانت القواعد العلمية للنقد، فإنّ ذاتية الناقد تتدخل، وهذا أمرٌ أجده– فى الأغلب – بديهىّ، وصحىّ. وبخصوص كلمة نقد، أظن أنها رقيقة، لطيفة، ورحيمة بالفعل !

·        فى الوسط الفنى، والسينمائى تحديداً، نسمع، ونقرأ أحدنا يكتب عن "النقد البنّاء"، و"النقد الهدّام"، متى يكون النقد "بناءً"، ومتى يكون "هداماً" ؟

ـ المفروض أن يكون النقد بنّاء، بمعنى أن عرض الميزات والعيوب يُسدى خدمةً لصنّاع الفيلم بتوضيح ما أجادوا فيه، وما لم يجيدوا. لكن النقد الهدّام، لا يقوم بذلك. فمثلاً، الإشارة فقط إلى كلّ الإيجابيات الموجودة فى فيلم هو نقدٌ هدّام ! لأن الناقد لم يُلفت، أو رُبما يلتفت، إلى السلبىّ (ومن المستحيل النادر ألا يتضمن العمل جوانب سلبيّة)، وبذلك يكون قد وضع الفيلم وصنّاعه فى صورةٍ ملائكية نورانية معصومة، ونافق مواهبهم، وأبعدهم عن حسابٍ دقيق للنفس. وعلى الجانب الآخر..المتطرّف، يتكرر الأمر، فذكر كلّ السلبيات وحيدة نقدٌ هدّام، لأنه، حتى فى أسوأ الأفلام، هناك بصيصٌ إيجابىّ، فمثلاً، فى مقالة لى عن الفيلم الأمريكى The Wash أو الغسل (2001) للمخرج  DJ Pooh، وهو من أسوأ الأفلام فى التاريخ، قلت، بأنه رغم كلّ شىء، يحوى الفيلم جانباً إيجابياً أكيداً، وهو منظر فتياتٍ رشيقاتٍ يرتدين البيكينى فى أحد المشاهد! وعلى صعيدٍ أكثر موضوعية، صمّمت فى فيلم مثل الأمريكى Public Enemies أو أعداء الشعب (2009) للمخرج Michael Mann، والذى أرهقنى تحذلقه، وفشله، أن أكون "إنتحارىّ الموضوعية"، وأجد ولو مشهدين أو عنصراً ما أقرب للجودة كى يكتمل نصاب المقال، ويكون عادلاً، أو بالأحرى "بنّاء". فى جميع الحالات، الناقد مدين لصانع الفيلم بذلك، وعندما لا يقوم به فإنه يُغفل جانباً مهماً فى عمله، وإن كان – كما قلتُ سابقاً – الذاتية تتدخل. وعموماً، المقالات الهدّامة يكتبها إما ناقد غير قادر على ممارسة الموضوعية، أو قادر لكن رافض فى أحيان معينة، وفى أحسن الحالات، تتحول بعض هذه المقالات الهدّامة إلى ما يشبه الأدب الساخر، وهى كتابة مارستها فى مقالاتٍ منها مقالتى عن فيلم The Women  أو النساء (2008) للمخرجة Diane English، وكان عنوانها "أبشع 10 أمور فى هذا الفيلم".

·        هناك من يمنح النقد "وظيفةً إبداعية"، متى يكون النقد "إبداعياً" ؟

ـ الإبداع هو إيجاد الجديد، والنقد المُبدع هو القادر على إيجاد الجديد فى العمل الفنىّ، وإلقاء الضوء عليه، لإعادة النظر فيه من قِبل الجمهور، وأحياناً من قِبل صُناع الفيلم نفسه، لكن هذا يحدث لو توافرت قيمة الوعىّ عند الفنان، أو الناقد، بحيث يتوّفر عند الفنان "بُعداً ثانياً مقصوداً"، أو يتمكن الناقد من إكتشاف هذا البعد. النقد المبدع يمكن أن يتجسد من خلال اللغة أيضاً، وليس الفكر، بمعنى أن تتحوّل المقالة النقدية لعملٍ فنىّ قائم بذاته، يُمتع القارىء، ويُشبع ذائقته، ويُضيف لتميز، أو شعبية كاتبه. وأخيراً – فى عالمنا العربى – توافر الفكر، وجمال الأسلوب أمرٌ نادر.

·        معظم نقاد السينما لم يمارسوا العمل السينمائى عملياً، هل يحقّ لهم الحكم على أعمال آخرين ؟.

ـ رُبما تصدمكَ إجابتى، لكنى أؤمن بأنه من حقّ كلّ إنسان الحكم على العمل الفنى، وفى ذلك – على نحوّ شديد التجريد – شىء من النكهة الأصلية للحقيقة. أتذكر أن أستاذى فى معهد السينما، د. أشرف توفيق، دعانا مرة لمشاهدة الفيلم المصرى : الرجل الأبيض المتوسط (2002) للمخرج شريف مندور، كى نُميّز خطأ ما فى السيناريو، وأخذت أتعمّق فى الرؤية، وأذهب لإتجاهاتٍ منها كون الفيلم مقتبس من عمل أمريكى، وغيره، ولكن فى محادثة مع صديق لى (دراسته وعمله يتعلقان بمجال الكومبيوتر، ولم يقرأ فى حياته كتاباً، أو رُبما مقالة عن النقد، أو السيناريو) أخبرنى أن الخطأ الموجود فى سيناريو الفيلم، هو :"عندما أعطى اللصوص لأحمد آدم، بطل الفيلم الذى يعمل مخترعاً، مطواة كى يسرق... ذهب ببساطة ليسرق". وإتضح لاحقاً، أن هذا عينه ما كان يبحث عنه أستاذى، ويطالبنا برصده. لقد تمكن صديقى، غير الدارس، وغير المثقف، من إصطياد الخطأ المطلوب. مرة آخرى، عندما سألت خالى (صاحب مكتبة متخصصة فى الكتب القانونية) عن رأيه فى فيلم اللمبى (2002) للمخرج وائل إحسان، عقب مشاهدته فى دار عرض، أجابنى : "ضِحك كتير، قصة مفيش"، وهو ما أعتبره حتى الآن التلخيص الأروع لهذا الفيلم. يتكرر الأمر بصورٍ مختلفة، أرى أنها فى مجملها تؤكد فطرية سليمة، وتؤكد بأنّ كل متلقى مبدع بطريقته، الفاصل فى المقالة النقدية، هو درجة الوعى، القدرة الأكبر على الإكتشاف، المجهود المبذول فى التقصى، ورقىّ أسلوب العرض. لذا، أرى بأنّ النقد من حقّ الجميع، صحيح تتفاوت مستويات التفكير، والكتابة فى عدد كبير من المقالات، ولكن كل الأراء مطلوبة، ولك أن تفضِّل أىّ مقالة عن آخرى. بالنسبة لى كقارىء فى موقع مثل IMDb، أقرأ لكل النقاد، الدارس، وغير الدارس، من يكتب 1000 كلمة، ومن يكتب 10 سطور، من إلتفت إلى اللغة البصرية للمخرج، ومن إلتفت إلى جمال عينىّ البطلة !

·        هل يمكن إعتبار كل من يُخرج فيلماً مُبدعاً ؟

ـ بالتأكيد، ولكن تقييمه – وُفقاً لإبداعه هذا – هو الذى يجعل منه إما مخرجاً قديراً، أو متوسطاً، أو زهيد الموهبة،.. إلخ. يقول المثل المصرى : "مش كلّ من ركب الحصان.. خيّال"، والنقد، فى هذه الحالة، هو من يُحدد.  

·        هل تتوّجه الكتابة النقدية إلى صانع العمل، أم الجمهور ؟

ـ للإثنين طبعاً. فى كلّ مقالة أكتبها، حتى لو كانت عن فيلم هوليوودىّ، فأنا أقصد جمهوره، وصانعيه. الناقد واحد من الجمهور، يتلقى العمل الفنى، ويقول رأيه فيه لبقية الجمهور، على نحو يحاول أن يكون أكثر دقة وعدالة. وهو ضمير جديد، يُضاف إلى ضمير صنّاع الفيلم، كعين آخرى تطالعه بتمعن، وتخبرهم أين كانت ميزاتهم وعيوبهم. وأخيراً الناقد عليه أن يحادث الكلّ، بصفته مُصدّراً عاماً للوعىّ، لا يشترط من يكون متلقيه. والنقد محاولة للقبض على الحقيقة، وهو أمر لابد أن يهم الجميع؛ الجمهور وصناع العمل والنقاد أنفسهم.  

·        يبدو لى بأن معظم النقاد العرب يهتمّون بالمضمون، ويُولون الشكل حيزاً بسيطاً من كتاباتهم، ولهذا لايقتربون من الأفلام التجريبية، وأكثر من أفلام التحريك.. ؟.

ـ يتوقف الأمر على ثقافة الناقد، وقدرته على تقبل الجديد، وإيمانه بأنّ الفن حرية، وتجدد، وإكتشاف. لا شك أن الأفلام التجريبية – مثلاً – تجربة مختلفة، وأتذكر فى حوارى مع المخرج الفرنسى Jonathan Soler، (مخرج فيلم Aru manazashi أو نظرة، سنة2011، ثم Phantom أو شبح سنة 2013) جملته أن الفيلم التجريبىّ "مُقلق" للفنان، حيث لا تنطبق عليه قواعد التقييم التقليدية، والحقّ أنه مقلقٌ بذات الدرجة للناقد، لكنه – إذا توافرت الشروط التى ذكرتها آنفاً – يكون قلق لذيذ، وتقارب مبدع، كأن تقابل فتاة لا تعرفها من قبل، غموض التعامل مع إنسانة مجهولة بالنسبة لك قد يكون له متعته، وإكتشاف أنها قد تحمل سماتٍ جمالية لم تألفها، يضيف لمخزون خبراتك، وقد يكسبك حبيبة جديدة ! مشاهدة الأفلام نوعٌ من الحبّ، المطلوب أن نبحث عن "الطرف الآخر"، ونتقبل إختلافه، بل ورُبما نبحث عن إختلافه هذا.

·        ماهى المُحفزات المضمونية، والشكلية التى تجعل الناقد يكتب عن فيلمٍ دون غيره ؟

ـ يعتقد البعض أننى أكتب عن كلّ ما أشاهده، لكنهم لا يعلمون السرّ الرهيب، وهو أنى أكتب– تقريباً – عن واحدٍ من كلّ أربعة أفلام أشاهدها. الحق أنى سألت نفسى هذا السؤال : لماذا لا نكتب عن "كلّ" ما نراه ؟ أعتقد أن هناك نقاد محترفون، أو حرفجية !، يتمكنون من هذا بسهولة، وربما كان لذلك إيجابياته، كأن تُسجّل وجهة نظرك فى كلّ ما تتعرّض له، سواء أضافت جديداً، أم لا، لكن الأمر هكذا سيتحول إلى ما يشبه كتابة اليوميات. أنا مثلاً أكتب عن فيلم إذا وجدت عندى ما يمكن أن يُقال، وبطريقةٍ جذابة، غير ذلك، لا أستطيع. لأن هناك أفلام تثير تساؤلاتٍ كثيرة، لذا، يكون لزاماً علىّ البحث عن إجاباتها فى مقالاتٍ آخرى، أو مشاهداتٍ متجددة لنفس الفيلم، فى هذه الحالة، لو كتبت، سيكون مقالى عنواناً للحيرة، وليس نقداً سينمائياً ! فى أحيان أخرى، يكون الفيلم سهل للغاية، كوميديا تقليدية لـAdam Sandler مثلاً، وهنا، قد لا أجد الجديد الذى أقوله، أو المفيد الذى سأبلغه، وإن كتبت، فلابدّ ان أجد Theme للمقالة، تجدد شبابه، وتجعله مشوّقاً للقارىء، لاسيما وإن تكرر كلام مقالة الفيلم السابق لـSandler ! وفى بعض المرات يكون العمل رائعاً لدرجة مبهرة تلجم اللسان، وأجد نفسى أتهرّب من الكتابة، لأنى أريد إحصاء كلّ شىء أعجبنى، وسوف تكون – هنا – عملية شاقة، وطويلة، أو أتهرب خوفاً من أن تخالف مقالتى الموضوعية، وتبدو ملتصقة بإنبهارها، مرددة لكلّ إيجابىّ، متعامية عن أىّ سلبى. لذلك، لا صلة بدوافعى بأىّ شكل، أو مضمون، وإنما هى – دوماً – متصلة بتوافر كلام موضوعى، أو وجهة نظر متماسكة، يمكن عرضها بشكلٍ جذاب.

·        هل يتوّجب على الناقد الكتابة عن الأفلام الجيدة، وإهمال الرديئة ؟

ـ خطأ كبير، يؤدى إلى نتائج قد تتجاوز النتائج السيئة للعمل الفنى الردىء بملايين السنوات الضوئية ! أولاً، العمل السيىء هو سيىء من وجهة نظر معينة، قد لا تكون بالضرورة وجهة نظرى (مثلاً، قرأت مقالة أمريكية على الإنترنت تصف فيلم Psycho  أو معقد نفسياً "المعروف بنفوس معقدة" (1960) للمخرج Alfred Hitchcock، بأنه شنيع، ولا يستحق المشاهدة!)، لذا، لابد من مشاهدة العمل الفنى، وعدم تجاهله، أو ترديد وجهة نظر غيرية عنه كالببغاوات، فربما يتضمن العمل السيىء، أو الذى نكتشف عنه ذلك، سمات إمتاع معينة، أو عناصر جودة خفية (أعترف بحبى لبعض الجمل الكوميدية فى الفيلم المصرى شارع الهرم (2011) للمخرج محمد الشورى). ثانياً، تجاهل العمل الردىء نوع من الإستعلاء المثقف البغيض، أو خيانة لمهنة النقد، أو مجرد كسل مرفوض، وفى المجمل، يؤدى هذا إلى عدم وجود صدى نقدى للعمل الفنى، وهو ما لا أتصور أن يرفضه أىّ فنان، ومن ثم يصبح الفيلم وليداً مشوّهاً، لأن نقد العمل الفنى يُكمله عضوياً. وثالثاً، على صعيد أكثر خطورة، يؤدى هذا إلى تغييب الوعى الفنىّ عند الجمهور، والفنان، مما يترك أثراً مرعباً، قد لا يندمل بسهولة، وأؤكد بأن عدداً لا يُستهان به من صُناع الأفلام الرديئة، لم يتح لهم فرصة نقدية موضوعية، كانت لها أن تصلح من حالهم، أو تضيف إليهم المفيد. ورابعاً، هذا الإهمال يترك لك ميراثاً مزيفاً، بمعنى أنه عند مراجعة التاريخ النقدى لسينما ما، وإفتقاد الحديث عن كمّ وفير من أفلامها بحجة أنها رديئة، تضيع النظرة الموضوعية لعددٍ كبير من فنانيها، ويبدو فى النهاية أن أفلامها "الفنية" فقط هى العظيمة ! بهذا الشكل – للأسف الشديد – ضاع التقييم الفنى لمخرجين كبار أمثال حسن الأمام، أو نيازى مصطفى، فى وقتهم، لمجرد إندماجهم فى صناعة أفلام لها سمة تجارية، يتعالى عليها النقاد، أو يلفظونها كلية، مع أن هناك أفلام لنيازى مصطفى قدمت أموراً مثيرة، ومتقنة كالكوميديا المخلصة للسينما الصامتة (فى مطاردات فيلم شباب مجنون جداً (1967))، أو السخرية من السينما الأمريكية (فى فيلم أخطر رجل فى العالم (1967))، وغيرها من الأفلام التى لم يتوقف عندها نقاد وجدوا فيها تفاهة مغرقة، وإبتعاداً عن قضايا المجتمع !! من القلة النادرة التى لم تتجاهل هذه النوعية، كان الناقد العظيم الراحل "سامى السلامونى"، والذى لم يوفر جهداً فى مشاهدتها، أو يستنكف الكتابة الطويلة أحياناً عنها، أو يخجل من تقدير عناصر فيها.

·        زيادةً على ذلك، يتعففّ النقاد العرب من الكتابة عن نوعياتٍ أفلام بعينها : الهلع، الرعب، رعاة البقر، الأفلام الهندية، الجماهيرية،.... ؟

ـ لا أعلم ما السبب فعلاً، "السينما الأنواعية" مرتبطة بهوليوود، فهل السبب ميراث إشتراكى قديم، يرى فى كل ما هو أمريكىّ شىء إستعمارى، أو نفعىّ ربحى، أو على الأقل تافه، ومنحطّ فكرياً ! هل هو ميراث حالى متطرف دينياً، يرى فى كل ما هو أمريكى شىء شيطانىّ منحلّ ! هل هو إحساس وطنى، ووازع قومىّ متأصل، غرضه أن السينما فن جاد، ذو قضية، وإبتعاده عن التسلية هو المطلوب، لاسيما فى مجتمعاتٍ نامية، تريد التأكيد على جذورها، ومناقشة مشاكلها ! (وكأنّ هذه المجتمعات ذاتها لا تنتج تسلية خاصة بها، أو عاجزة عن مناقشة مشاكلها من خلال فيلم كوميدى مثلاً!). كلّ الحكاية إما إستعلاء، أو إنغلاق، أو فهم خاطىء. التسلية هى روح السينما، بل أساسها الذى بُنيت عليه، ودائماً ما أردد أنه بدون الأفلام التجارية لم تكن لتظهر السينما الفنية، أو الذهنية، لأنها فى حالة مثل هذه لم تكن لتملك ما تتمرد عليه. والحق أن النوعين مطلوبين، لكن تجاهل نوع لحساب نوع آخر هو ما أرفضه، لأن صانعيه فنانين لا يقلوا أهمية، ولأننى أحب أن أتسلى، وأشاهد هذه النوعية، وأكتب عنها، ولأن "السينما الأنواعية" لها إحترام، ودور، وتاريخ يتطور لابد أن ننتبه إليه إذ أنه يعكس تطوراً فى صناعة السينما، وفى المجتمع ذاته. أضف لذلك أن العظمة الفنية، أو الفكرية، ليست حكراً على الأفلام اللاأنواعية وحدها، بالنسبة لى، أفلام مثل الإستعراضى The Band Wagon أو عربة الفرقة (1953) للمخرج Vincente Minnelli، الكوميدى Play It Again, Sam أو إلعبها ثانية يا سام (1972) للمخرج Herbert Ross، التشويقى The China Syndrome أو الأعراض الصينية (1979) للمخرج James Bridges، أو الفانتازى Groundhog Day أو يوم الجراوندهوج (1993) للمخرج Harold Ramis، أفلام عظيمة، بمعنى الكلمة. بشكلٍ عام، مخطىء جداً من يتخصص فى مشاهدة نوع واحد من الأفلام، لأنه يظلم نفسه قبل أن يظلم بقية الأفلام.

·        تقول "السينما الأنواعية" مرتبطة بهوليوود، ولكن تعرف بأنّ الميلودرامات الجماهيرية مرتبطة بالهند، وأفلام رعاة البقر، والهلع، والرعب من إختصاص الولايات المتحدة، إيطاليا، وإسبانيا، والأفلام الملحمية كانت من إختصاص إيطاليا، ...منذ فترة شاهدت "بين القصرين" لحسن الإمام، ووجدته فيلماً عظيماً على عكس الفكرة التى ترسخت فى ذهنى عن هذا المخرج...من جهة أخرى، شاهدت منذ فترة أبعد فيلم "اللمبى"، وأيضاً وجدت بأن "محمد سعد" يمتلك طاقات تمثلية كبيرة إستخدمها فى إتجاه واحد.....

ـ أنا كنت أتحدث بشكل عمومى، وربما قصدت أن السينما الأنواعية مرتبطة بهوليوود من حيث المنشأ، أو الشهرة. والسينما الأمريكية ليست "أنواعية بالكامل" طبعاً. فهناك السينما المستقلة، أو السينما التجريبية،.. إلى آخر ما يحاول أن يقدم ما هو غير مألوف على مستوى النوع. بل أن "الأنواع" نفسها تتطور؛ ليظهر فيلم يمزج بين أكثر من نوع، أو فيلم يحاول التجديد داخل النوع نفسه. إذا كان العلم بحره واسع، فالفن بحره أوسع، لذلك يبقى ربط كل سينما أو فنان بإطار معين أمر فيه ضيق أفق. المخرج الأمريكى Blake Edwards إرتبط بأفلام الكوميديا وسلسلة الفهد الوردى، فهل ينسينا هذا إخراجه لفيلم درامى جاد يخلع القلوب مثل Days of Wine and Roses أو أيام النبيذ والزهور (1962)، أو عمل رومانسى رقيق مثل Breakfast at Tiffany's أو إفطار فى تيفانى (1961) ؟ الفنان محمود المليجى قدم طيف واسع من الشخصيات التى كشفت عن أبعاد جميلة وكثيفة فيه، فهل يصح وصفه بعد ذلك بـ"ممثل أدوار الشر" فقط ؟! بعض هذه "التصنيفات" غير منصفة، وأعتقد أن منشأها عدد من العاملين بالصحافة والإعلام، والذين يعشقون إطلاق المسميات الفاقعة من ناحية، وتسهيل تناول الأفلام أو الشخصيات من ناحية أخرى. أما لو إرتبط فنان معين – فعلاً – بنوع معين، بينما هو يملك المزيد، كمثال محمد سعد الذى ذكرته حضرتك، فهذه مأساة تختلف أسبابها، تحرمه من إستكشاف مواهبه وتلوين تراثه، وتحرمنا من الإستمتاع بذلك أيضاً.

·        هناك ناقدٌ (مُفترض) أحتاج إلى قراءة ما يكتبه مرةً، ومرتين، وثلاثة كى أفهم، وأحياناً لا أفهم، كيف يفهمه جمهورٌ متفاوتٌ فى الثقافة ؟

ـ إذا كان هذا هو أسلوبه المؤمن به، لا أيأس من متابعته، فقد أكتشف شيئاً جديداً يقدمه، هناك ناقد يكتب فى IMDb تحت اسم tedg، وإسمه الحقيقى "Ted Goranson"، أظنه يعيش فى جنوب أفريقيا، هو مشاهدٌ نهم، وناقد مجتهد للغاية، وله حوالى 4000 مقالة، لكنه يكتب بلغةٍ مستغلقة أحياناً، تفشل معها كل محاولاتى للفهم، رغم الإستعانة بأكبر، وأحدث قواميس اللغة الإنجليزية ! والغريب، أننى عندما أراسله، وأسأله عما يقصده هنا، أو هناك، يجيب على كلّ شىء، إلاّ هذه النوعية من الإستفسارات، إما لأنه يشعر بالإهانة، أو يريد أن يشعرنى بالإهانة (أو رُبما هو نفسه لا يفهم ما يكتبه أحياناً !)، لكن، أياً ما يكون، أنا أقرأ له، وأتابعه بحرارة، وأتفكّر فيما يقول، لعلى أجد نافعاً، والحق أنى أجد. الأمر أشبه بتواصل مع "آخر"، وفيه، إما أن تتقبله متجاوزاً العديد من الأمور، أو تتمسك بفرديتك، ولا تقبل إلا نفسكَ، أو –  فى أحسن الحالات – من يشبهها !

·        عادة، يكتب الناقد عن العمل السينمائى، هل يحقّ له أن يكتب عن ناقدٍ آخر، ينتقده ؟

ـ هذا جائزٌ، لأن الفيلم، والناقد، هما "آخر" نتواصل معهما، ونتحدث عنهما، وعن ملامحهما، إتفاقاً، أو إختلافاً. لكن، من المؤكد أن هذا – فى حالة الناقد – أمرٌ غير دبلوماسى بالمرة، كما أنه يخرج عن مسمّى العمل : "النقد السينمائى"، محوّلا إياه إلى "نقد كاتبى النقد السينمائى". لكن، على أىّ حال، أتذكر أننى فى نهاية التسعينيات، إحترفت كتابة مقالات محاكاة كوميدية "Parody" عن عدد من كبار نقادنا، أمثال أحمد رأفت بهجت، د. رفيق الصبان، مصطفى درويش، وغيرهم.. وكنت أتخيل فيلماً لا وجود له، وزاوية دخول كلّ من هؤلاء الأساتذة له، وتعبيراتهم المميزة، فى سخرية لا تخلو من نقدٍ لتطرف البعض فى وجهة نظر ما، ومحاولة فرضها على الفيلم، أو فى إفراطهم إستخدام أسلوب معين، أو كلماتٍ بعينها. صحيح أضحكنى، وأصدقائى ما كنت أكتبه، ووجدوا وسط تهكمه صدقاً ما، لكنى لم أسعَ أبداً لنشره، ليس لما يملكه هؤلاء النقاد من قامة عامة، وقيمة شخصية لى وحسب (د. رفيق الصبان – رحمه الله – كان أستاذى فى معهد السينما، والأستاذ أحمد رأفت بهجت يعلو قائمة النقاد المفضلين عندى)، وإنما لأنى كنت أصغر وقتها من فعل ذلك، ولو حدث ذلك الأمر كان سيندرج ساعتها تحت عنوان "الكتابة الساخرة".

·        يهتمّ بعض النقاد بالقشور السطحية، ويتحوّلون إلى معسكراتٍ قبائلية، طائفية، أو قومية ؟

ـ ولِمَ لا ؟ هذا جائزٌ إذا سلّمنا بتدخل الذاتية (الأكيد أحياناً)، الأهم هنا إذا لم تتدخل الموضوعية فى الكتابة، فعليها أن تتدخل فى القراءة، والأمر يحتاج لوعىّ عند القرّاء. أعطيك مثالاً، مرة سنة 1995 كتب الأستاذ "محمود على" مقالة فى "مجلة الإذاعة والتلفزيون" المصرية بخصوص فيلم Wyatt Earp أو وايت إيرب (1994) للمخرج Lawrence Kasdan، يقول فيها أنّ كلّ ميزانية الفيلم الضخمة التى تجاوزت ملايين الدولارات تمّ إنفاقها لإنجاز فيلم بطله متزوج من إمرأة "يهودية" (علماً بأن هذه الشخصية هامشية تماماً فى الفيلم، وربما معدومة الأثر !). مرة أخرى سنة 1998، كتبت ناقدة مصرية (عذراً أنى لا أتذكر اسمها) فى نفس المجلة عن فيلم Sphere أو الجسم الكروى (1998) للمخرج Barry Levinson، وأخذت تُحيل اللغز الذى يقدمه الفيلم، بل رُبما تدنى مستواه، إلى السياسة الإستعمارية للولايات المتحدة، وتهديدها الحربى للدول العربية، لدرجة أننى لم أجد حديثاً عن شىء بالفيلم بقدر ما وجدت حديثاً عن أشياء خارجه ! مثالٌ ثالث، من بضع سنوات قرأت للأستاذ "كمال رمزى" فى كتابه (من مقاعد الترسو : مطالعات فى السينما الأمريكية)، مقالة صبّت جام الغضب على فيلم  Nighthawks أو صقور الليل (1981) للمخرجين Bruce Malmuth و Gary Nelson بسبب معلومة مذكورة عن شرير الأحداث بإعتباره تعاون مرة مع من أسماهم الفيلم "إرهابيىّ منظمة التحرير الفلسطينية"، وإمتدت المقالة لصفحات تناقش هذا الأمر، متجاهلة أسباب رداءة عديدة كانت موجودة بالفيلم فعلاً ! طبعاً، مع كامل تقديرى للأستاذين "محمود على"، و"كمال رمزى"، لدورهما، وتاريخهما، ولتعلّمى منهما الكثير أيضاً، إلا أن ذلك لم، ولا يمنعنى أن أختلف معهما، ومع الكاتبة التى لا أتذكر إسمها، بخصوص هذه المقالات، وكونها مجحفة للعمل الفنى (رغم أن سنى لم يتجاوز العشرين وقت قراءة المقالة الأولى والثانية)، فكون كل هذه الأفلام أمريكية، وأن هؤلاء النقاد لهم توجه محدد ضد السياسات الأمريكية، لا يعطيهم الحق فى تجاهل العمل الفنى، جيداً أو رديئاً، وإحالة المقالة النقدية لخطبة سياسية لا صلة لها بالفيلم موضع الحديث. إذاً، فى حالاتٍ مشابهه، يكون المطلوب وعىّ، وموضوعية، عند القارىء.

·        النقد السينمائى منحدر، لأنه بات كلاماً عامّـاً، يمكن لأىّ ملم فى الصف الثانوى أن يأتى بمثله، وهو لم يعد يُـثير الإهتمام، لأنه لا يُضيف معرفة، بل يُثقل من الرأىّ.

ـ سوف تتعجب من رأيىّ فى هذا الأمر. بالنسبة لى، أرحب بالجميع؛ الدارس، وغير الدارس. كلّ الأراء مفيدة، متعمّقة كانت، أو سطحية. فى النقد، لا يوجد وجه واحد للحقيقة. لكن المؤسف أن يعتبر كل هؤلاء الكتّاب أنفسهم نقاداً، منهم من هو مجرد صحفى، أو كاتب ساخر، ومنهم كاتب متواضع الثقافة والأسلوب. المهم عند هؤلاء الكتّاب، وغيرهم، أن تتوافر قيمة الضمير، بمعنى أن يحاول كل من يعمل بالنقد تحسين أدواته، وتثقيف نفسه، والإجتهاد فى المشاهدة، والقراءة، والكتابة. هل تتصور أنه فى تحقيق صحفى قديم، عند سؤال "سامى السلامونى" عن سمات الناقد السينمائى، قال : لابد أن يكون الناقد دارساً لعلم الجمال، وغيرها من العلوم المتخصصة، وبناءاً على ذلك، لا يرى نفسه ناقداًَ ! هذا الضمير الذى جعل واحداً من أكبر نقادنا لا يرى نفسه ناقداً، ويعترف بالنقصان فيه، غائب عند الكثير، وليس البعض، من العاملين بحقل النقد السينمائى.

·        كم واحد يكتب فى السينما اليوم، ولا يقدم أىّ إضافة جديدة لقاريءٍ يستطيع أن يستغنى عن الناقد بسهولة لسببين معه حق فيهما : الأول، لو أراد الرأىّ وحده لإكتفى برأيه الخاص، والثانى، لو أراد القصّـة لإكتفى بمشاهدتها على الشاشة.

ـ لا شكّ أن عدداً كبيراً دخل دنيا النقد السينمائى من الأبواب الخلفية، والشبابيك أيضاً ! ورغم أن القاعدة تقول بأن العملة الجيدة تطرد الرديئة، إلا أن ظروف غياب الوعى فى عالمنا العربى، تجعل العملات الرديئة متواجدة بكثرة، وقوة، فى الجرائد، المجلات، التلفزيون، والإنترنت، وتجد إستجابةً عند الجمهور التائه بين القنوات المختلفة، والذى لم يتلقى تعليماً حقيقياً، أو تثقيفاً طيباً، مما يؤدى للطامة الكبرى، وهى تفضيل العملة الرديئة. الوعى معركتنا الأولى، لماذا لا تستضيف المدراس نقاد سينما فى لقاءاتٍ مع طلابها ؟ أتذكر أن مدرستى الإعدادية لم تكن تستضيف إلا رجل دين، لذا، من الطبيعى أن ينشأ الأطفال، كآباء وأمهات، أو مسئولين فى المجتمع، وهم لا يميزون بين الناقد الجيد، والردىء، أو يدركون دوراً له قيمة للنقد من الأساس. عموماً، أنا متفاءل، ومؤمن بأن الغث يتلاشى كزبد البحر، والصالح يبقى أبد الدهر.

·        هل السينما العربية بخير ؟

ـ لم تكن السينما العربية أبداً بخير! ولا أظن أن هناك سينما فى العالم بخير. تضخمت السينما الهندية، وصارت تنتج 1200 فيلم سنوياً، وذلك على حساب الأصالة، وعبر سرقة قصص كثيرة، وتقديم إنتاج متشابه. حتى السينما الأمريكية تعانى من نقد صارخ لنزوعها إلى التسلية المحضة، وأيضاً غياب الأصالة، وتكرر إعادات الأفلام، أو الأجزاء الثانية. هناك طبعاً سينما مستقلة، تحاول أن تختلف، وتجرّب، لكنها هى الأخرى، قد تقع فى فخّ الإغتراب، أو تتوه فى سراديب التوزيع، وفرص العرض النادرة. ناهيك أننا فى دولنا العربية نعانى إقتصادياً، وسياسياً، وأوضاعنا نفسها "ليست بخير" !! لكن الصورة ليست بهذه القتامة المخيفة. ما أريد قوله أن السينما لها مشاكلها، فى كلّ مكان، وزمان. لكن العناد، والإصرار، والإجتهاد هو الحل لصناعة أىّ فيلم، وإنهاء أىّ مشكلة. وفى رأيىّ، كلما تنوّعت أفلامنا، كلما صارت سينمانا بخير، من فترة كتبت لحساب المجلة المصرية (أبيض، وأسود) عن "سينما نهاية العالم"، وتحدثت عن أفلام نهاية العالم الأمريكية التى راجت فترة نهاية التسعينيات، ولكنى لاحظت أنه رغم توحد الموضوع فى هذه الأفلام إلا أنها كانت متنوعة ما بين الخيال العلمى، الفانتازيا، الأكشن، الكوميديا السوداء، والدراما. هذا التنوع مفتقد عندنا، لدرجة أن أفلام المواسم المصرية السابقة كانت إما كوميديا سيئة، أو كوميديا أقلّ سوءاً، هذه هى سينما "نهاية العالم" بحقّ، وسأسعد جداً إذا ما ضَعُف هذا فى الأيام التالية.

·        فى كثير من الحالات، وعندما أقرأ إنطباعاتٍ عن فيلم ما، يبدو لى بأنّ الناقد لا يتحدث عن الفيلم كما شاهده على الشاشة، ولكن، يريد من المخرج أن ينجزه وُفق رؤيته، أىّ يأخذ مكانه.. مثلاً : كتب ناقد (مفترض) بأن الفيلم يعانى من مشكلة، ويعيب على المخرج بأنه لم يتابع الخطوط الرئيسية المهمة كما ينبغى، ولم يتوقف أمامها، ويتيح لها مساحة كافية...ولم يتمكن من التوقف أمام هذه الظاهرة فى عمقها، وعلاقتها الوثيقة بالحالة الاجتماعية الهامشية ....... هنا، يريد الناقد توجيه مسارات الفيلم الدرامية كما يأمل أن تكون، متناسياً أهداف المخرج الأساسية، والتى رُبما تتعارض مع الغايات الإفتراضية للناقد الذى يطمح فى لاوعيه أن يأخذ مكان المخرج...؟

ـ أكيد، وكثيراً ما يحدث هذا مع الناقد دارس السيناريو، أو الإخراج، ولطالما سألت نفسى، هل هذا صحيح، أم خطأ ؟ ضمن مقالة لى عن الفيلم الهندى  Rotiأو رغيف الخبز (1974) للمخرج Manmohan Desai، وهو المقال الذى أعتزّ به لأسباب منها أنه أدى إلى تعارفنا، وجدت نفسى أعرض طريقة أخرى لترتيب أحداث بداية الفيلم، حسناً، هل هذا يجوز؟ هل من حقى التدخل فى عمل المؤلف ؟ هل سيتمّ إعتبار الأمر مجرد تفريغ كبت كاتب لا يمارس التأليف السينمائى ؟ هممم، بعد تفكير طويل، إكتشفت أن هذا ليس خطأ فى أغلب الأحيان، إذا كان يجوز فى النقد رصد الأخطاء، فدعنا نعتبر أن هذا الفعل يندرج تحت هذا المُسمى، أنا لا أصحِّح للكاتب كتابته، أنا ألفت نظره لخطأه بشكلٍ آخر، لأنّ الفيلم ببساطة تمّ صناعته، وعليه لن يصبح لهذا الأمر قيمة إلا فيما يختص برصد الخطأ، ومحاولة تجنبه، أو إصلاحه فى الفيلم القادم. مرة فى فيلم هندىّ آخر هو  Kabhi Kabhie - Love Is Life أو أحياناً – الحب هو الحياة (1976) للمخرج Yash Chopra، وجدتنى أعرض 5 نهايات أفضل من النهاية المعروضة، وكان ذلك من قبيل السخرية التى – مجدداً – تقوم بذات الفعل، وتشير لخطأ معين. عموماً، تظل الموضوعية أروع المقاييس، وإذا قرأنا مثل هذه الأمور، التى ترصد الخطأ عبر تعديل له، فعلينا أن نحكم عليها ليس بجودتها فى ذاتها، وإنما فى إشارتها العامة لإختلال إبداعىّ موجود فى الفيلم. وإذا ما تمّ إتهام كاتب مثل هذه الملحوظات بأنه يريد مكان المؤلف، أو المخرج، فهذا محكوم بمدى صدق رؤيته، وهل كان بالفعل هناك خطأ فى العمل الفنى، أم أن الناقد يفرّغ كبته وخلاص !

·        ناقدٌ آخر يستخدم كلمات فضفاضة فى معناها، مثل :  *مادة بصرية، وصوتية ثرية،... * يفتقد البناء المُتماسك ... إنطباعات كهذه، تعنى يأن الناقد يطلب من المخرج إعادة مونتاج الفيلم، ورُبما إنجاز فيلم آخر، ولو قدمنا هذه "المادة البصرية، والصوتية الثرية" للناقد لن يتمكن من إنجاز مشهد واحد،.. نقرأ أيضاً "لا يريد المخرج تحليل الظاهرة، ونقاشها فى إطار الحراك الإجتماعى".. طيب، وما أدرانا، ربما المخرج نفسه لا يريد طوعياً أن يحلل الظاهرة، ويضعها فى أىّ إطار ما.. ضمنياً، توحى هذه الكتابات، بأنّ الناقد يطمح أن ينجز المخرج فيلماً آخر، أو رُبما يريد إنجاز الفيلم بدلاً من المخرج نفسه....؟

ـ أتفق معكَ، ورُبما رصدتُ نفسى مرةً، أو مرتين أفعل نفس الشىء، وأحياناً كثيرة يصيبنى فيلم بالإكتئاب لأنّ مصير أبطاله لم يتوافق مع المصير الذى أردته، أو أنه يروِّج لقيمةٍ أبغضها ! طبعاً تحتمّ الموضوعية أن نبتعد عن هذه المشاعر شديدة الشخصية، لكن، من يستطيع أن يفعل ذلك طوال الوقت ؟! الذاتية تفرض نفسها، وإلا لن نكون بشر، أحترم جداً من يحاول تقليص "ذاتيته" فى شئونٍ كهذه، ولكنى لا أجرّم وجودها مرةً هنا، ومرةً هناك، لأنه أمرٌ يتماهى مع إنسانية كاتبه. متى يحدث الرفض الكامل من جهتى ؟ عندما تصبح المشكلة كبيرة، ويصير الفعل مشيناً، ويتغافل الناقد عن ذاتية الفنان/صانع الفيلم، متناسياً حريته الكاملة فى صناعة عمله، أو عندما تتكرر نغمة : "كنت أريد أن يصنع المخرج كذا، وكذا"، وتعلو صاخبة، وهو ما يدعونى لهجران بعض الكتّاب عند إصرارهم عليه.

·        كيف يمكن أن نُحدد بأنّ هذه الكتابة موضوعية، أو غير موضوعية ؟

ـ صعب جداً، لأننا وكتّاب هذه المقالات نفتقد للموضوعية المطلقة التى ستمكِّننا من الحكم على ذلك أصلاً!! وأظن بأنه كلما نزعت الكتابة النقدية للتخلص من الأهواء الشخصية، والميول الفنية، والتعصبات السياسية، أو الدينية، ربما سيخرج نقد خالص فى علميته، مخلص فى رسالته. لكن، بالنسبة لى، عملية إعدام الذاتية هذه ظالمة للغاية، وتنتج عملاً – على قيمته العلمية – لا يمتلك إثارة بقية المقالات، التحليل العلمى له إمتاعه، لـJohn Hess دراسة عبقرية عن فيلم The Godfather Part II (1974) للمخرج Francis Ford Coppola، بعنوان "A deal Coppola couldn't refuse" أو "صفقة لم يستطع كوبولا أن يرفضها"، ترجمة الأستاذ "حسين بيومى"، لكنى مع إقرارى بعبقريتها، أستمتع أكثر بقراءة ناقد مثل Peter Nicholls فى كتابه (Fantastic Cinema) أو (السينما الخيالية)، ترجمة الأستاذ "مدحت محفوظ"، حيث ينقد ما يقارب 700 فيلم بطريقة سريعة تجمع بين البساطة والعمق. لذلك، القضية ليست هل هذا موضوعى، أم لا ؟.. القضية هل نحن موضوعيين، أم لا ؟، وهذا – كما أوردتُ فى البداية – صعب، وليس مستحيلاً.

·        فى مقالةٍ عن أحد الأفلام المصرية، وبعد سرد، وشرح، وتفسير الأحداث، كتب الناقد: هناك تميّز فى عناصر مثل الديكور، الموسيقى التصويرية، الملابس، الصورة، وأداء الممثلين...

ـ هذه سذاجة، وقصور فى الفكر، أو الثقافة، ومن يسمح بنشر هذا الكلام يعانى من ذات الأمر. وأنا فى عمر 14 سنة، كتبت ما أعتبره أول، وأسوأ، مقالة نقد سينمائى فى حياتى. كان موضوعها الفيلم الأمريكى Doctor Dolittle أو دكتور دوليتل (1967) للمخرج Richard Fleischer، حيث رددت كلمات من نوعية : "كانت الملابس جميلة" مع عدم توضيح سرّ جمالها بالضبط (هل التوافق مع العصر؟، هل الإبهار اللونى ؟، هل التعبير عن الشخصيات ؟)، و"أن هذا الممثل قام الدور على نحو يجعل من الصعوبة الإقتناع بأنّ أىّ ممثل أخر كان سينجح فيه"، علماً بأننى لم أشهد أىّ ممثل أخر فى نفس الدور ؟؟!! هذه التعبيرات لصيقة بالمُراهقة، وكلما إبتعدنا عنها، وعن دلالاتها الفكرية، كلما زاد نضجنا. أما المقال الذى لا يزال صاحبه يحكى الفيلم ثم يقول فى آخر سطر أن هذا عمل جيد، أو سيىء؛ فهو مقال فقير، ومثير للشفقة، ولا أظن أحداً سوف يستفيد منه إلاّ كاتبه الذى يفرح بنشره، وصاحب مساحة النشر لأنه ملأها !

·        لقد تحوّل بعض النقاد إلى مُتربصين، وقناصى أخطاء المخرجين فى أفلامهم، وحتى أخطاء آخرين من النقاد....؟

ـ إذا كان الخطأ ينال من قيمة العمل، أو رسالته، وإذا كانت الأخطاء ورادة فى سياقٍ يحاول أن يُبدى الصالح، والطالح، فلا غبار على المقالة، أو كاتبها. أحياناً يكون تصيّد الأخطاء موهبة، لكن المبالغة فيها وحدها أمر بعيد عن الإنصاف، وممل جداً، ويحوّل الكاتب لشخصية أحمد رجب، ومصطفى حسين الكاريكاتورية القديمة "قاسم السمّاوى"؛ والذى يغضبه كلّ شىء، ولا يصدِّر للآخرين إلا سمّاً !

·        أقدم هنا نموذجاً لمقالةٍ عن فيلم ما كتبها ناقد، وتتكوّن ـ بدون العنوان ـ من 1927 كلمة، يحكى فيها خطوط الحكاية، ويلخصها، وفى آخرها يقدم ملاحظاتٍ إنطباعية عن الفيلم نفسه فى فقرتين من 119 كلمة،... هل نسمّى هذا نقداً ؟

ـ سوف أحاول أن أكون إيجابياً (ورُبما رجل خير !) : إذا حملت الـ119 كلمة القليل من الموضوعية، أو الثقافة السينمائية، أو أىّ كلام يضيف للقارىء جديداً، أو يبنى رأياً على أساس علمىّ ما، فمرحباً بالمقال فى عالم النقد السينمائى عملاً مملاً. أما لو كانت الـ119 كلمة بعيدة عن كل ذلك، فمرحباً بالمقال فى عالم الملل، وتضييع الوقت !

·        لم يعد أحد يتحمّـل النقد، معظم المخرجين العرب واثقون بأنهم وُلدوا بلا أخطاء، وأنهم ينجزون تحفاً تحيا للأبد..

ـ هذا صحيح لحدٍ كبير، لدرجة أننى أحياناً أرى كلمة مخرج مرادفة للغرور !  رأيت تواضعاً، وثقافة حقيقية من مخرج فرنسى شاب تحاورت معه مؤخراً، لم أرهما من دارسى إخراج لم يبدعوا فى حياتهم أىّ شىء ! فما بالك لو تحولوا لمخرجين ؟! هناك غرور، وهناك تضخم للكرامة أحياناً، بمعنى رفض تقبل النقد، ولكن هذا يؤخر الفنان، أو أىّ أحد مصاب به. غاندى قال يوماً : "الغرور مدفنة المواهب"، وكل مخرج تحوّل فى ذاته، وفى ذات الملتفين حوله، إلى وثن، تجمد، وهدم نفسه بنفسه. يُضاف لذلك مخرج لديه قابلية للنقد، لكنه غير مثقف، أو يحيط نفسه بأشخاص غير مثقفين، فلا يسعى لقراءة أىّ نقد، وبالتالى، لا يدرى مناطق تفرده ليجوِّدها، أو أخطائه ليصلحها. ولكن الأمر ليس مطلقاً، وأنا قابلت مخرجين متواضعين، أو على الأقل يستمعون لآراء الغير.

·        هل فعلاً الوسط الصحفى فى مصر تسيطر عليه عصابات فكر، وتتحكم فيه الشللية، ودوائر العلاقات العامة ؟

ـ حالياً، أكتب فى موقع IMDb، وعدد من المواقع المصرية مثل "الكتابة"، ومجلاتٍ مصرية مثل "أبيض وأسود"، وكلها جهات متخصصة، لكن منذ 18 سنة مررت بتجارب مع جرائد، ومجلات عادية كادت تدفعنى إما للجنون، أو الإنتحار ! مثلاً، فى جريدة ما، قدمت عدداً من أعمالى، فأخبرونى ألا أتحدث بسوءٍ عن النجمة الفلانية،.. ليه ؟ لأنها صديقة لنا ! طيب، فقررت أن أكتب عن أفلام أجنبية، فأخبرونى ألا أتحدث بسوء عن هذا الفيلم،... ليه ؟؟ هو "بروس ويليس" صاحبكم راخر ؟!! فكانت الأجابة : لأ، وإنما الشركة التى توزع الفيلم لها إعلانات فى الجريدة، ونحن لا نريد أن نكون فى وضع حرج، وعليه، تم تخييرى إما أن أكتب "كلام كويس"، أو أبتعد عن النقد تماماً، وأتفرغ لكتابة ملخصاتٍ دعائية للأفلام ! طبعاً، خلّصتهم من أىّ حرج، وخرجت ولم أعد ! فى نفس الوقت بإحدى المجلات، تمّ رفض نقدى لأنه يتضمن وجهة نظر سياسية ! وفى مجلة آخرى، رفضت السيدة رئيسة التحرير أن أكتب نقداً، وطالبتنى بـ"أكتوالتيه"، وهو ما ظننته ساعتها نوعاً من أدوية البواسير، وإكتشفت لاحقاً أنها كانت تطلب أخباراً فنية وليس نقداً !! وفى مجلة ثالثة، منحتنى مساحة كبيرة، وكل الحرية الممكنة، ولكن المجلة توقفت، ولم تصدر. وفى مجلة رابعة، كتبت تحقيقاً كبيراً أذهل رئيس التحرير، ثم طلب بعض الصور، وهو ما أهلكنى لأنى كنت أتحدث عن مشاهد بعينها فى السينما المصرية، وبرامج الكومبيوتر، بل الكومبيوتر نفسه، لم يكن فى الإمكان أيامها، للحصول على الأفلام، وتثبيت ثم طبع كادراتها، ولكنى بعد جمع الصور المطلوبة بمجهودٍ مضنى، فوجئت به يخبرنى أن العمل سيصدر فى صفحات القراء، لأن سنى (21 سنة وقتها) كفيل بإثارة غضب النقاد الكبار لأننا لم نطلب مشاركتهم فى موضوع كهذا ؟؟؟؟ (علماً بأن أحداً منهم، حتى الآن، لم يكتب مثله !). لذلك،هذا الكاتب يقول عصابات فكر، أو عصابات بلا فكر... جائز، هذا ما قابلته. لكن تظل المسألة فى باب الإستثناءات، فالأمر بالطبع ليس مطلقاً.

·        هل يمكن أن يكون الناقد حقيقياً، أو مزيفاً، ما هى المعايير التى تجعلكَ تعتقد بأنّ هذا حقيقى، والآخر مزيف، وكيف تشعر بالحقيقة، أو الزيف ؟

ـ لكلّ واحد منا طريقته فى الكشف عن الناقد المزيف. أنا مثلاً، أعرفهم من خلال المعلومات البسيطة؛ كأن يقول أحدهم فى جريدة مصرية سنة 2001، أن الفيلم الأمريكى Moulin Rouge! أو مولان روج! للمخرج Baz Luhrmann هو أول أفلام النجمة الأوسترالية "Kylie Minogue"، ويظل يردد عباراتٍ من نوعية "مرحباً بكايلى فى عالم السينما، وحظ سعيد فى أفلامها التالية"، بينما هذا الفيلم المذكور هو سادس أفلامها، ويعود فيلمها الأول لما قبل ذلك التاريخ بـ12 سنة !! واحد غيره، قرأت له فى مجلة مصرية سنة 2004، مقالة عن الفيلم المصرى تيتو (2004) للمخرج طارق العريان، وعبّر فيها عن كراهيته الشديدة لسرقة فكرة الفيلم بالكامل من الفيلم الفرنسى Leon : The Professional أو ليون : المحترف (1994) للمخرج Luc Besson وهو أمر غير صحيح ! أو – ما هو أطرف – أن يقول ناقد فى جريدة مصرية عريقة سنة 2001، أن فيلم سكوت ح نصور (2001) للمخرج يوسف شاهين "طبعاً مُقتبَس"، ولا يذكر أبداً أصل الإقتباس ! هؤلاء مدّعون، أو حمقى، أو كسالى، وكلهم درجاتٍ من الناقد المزيف، الذى يقدم معلوماتٍ إما مختلقة، مغلوطة، أو منقوصة.   

·        هناك إزدواجيةً فى شخصية بعض النقاد العرب، كيف يكون ناقداً، ولا يتقبل النقد ؟

ـ يُفترض أن يكون الناقد أول من يتقبل النقد، ولـ"Woody Allen" جملة أعشقها من فيلمه Anything Else  أو أى شئ آخر (2003) يقول فيها : "إستمع إلى نصائح الجميع، وأشكرهم عليها، ولكن لا تنفّذ إلا ما تقتنع به فقط". عن نفسى، أحاول أن أجوّد من أدائى قدر المستطاع، وأن أستمع جيداً لكلّ ناصح (إلا قارىء راسلنى بخصوص مقالة لى لم تعجبه، عن المسلسل الألمانى The Old Fox أو الثعلب العجوز، ناصحاً إياى بتفجير نفسى بالديناميت !)، لكن هناك طبعاً الناقد المغرور الذى يرى فى نفسه الكمال، وهناك الناقد معدوم الطموح الذى ركن إلى أسلوب محدد إستراح إليه، ولا يريد تغييره، أو الإنصات لإعتراضاتٍ عليه، وهناك ناقد جهول لا يعرف أساساً أن نصائح الغير مفيدة له. النقاد كائنات بشرية أيضاً يا أستاذ صلاح، وعيوب البشر – بكلّ أنواعها – موجودة فيهم !  

 
 
 

سابق

>>

05

06

07

08

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)