كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 

سابق

>>

29

30

31

32

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
حوارات عن النقد السينمائي

حاورهم: صلاح سرميني

 
 
محمود الغيطاني
 
 
 
 
 

سيرة

 
 

محمود الغيطاني - مصر

محمود الغيطاني، روائيّ، قاصّ، وناقدٌ سينمائيّ، بدأ نشاطه النقدي في مجال النقد السينمائي في عام 2000 مع مجلة الفنّ السابع، جريدة الأهالي، مجلة أدب، ونقد، الهلال، المحيط الثقافي، الثقافة الجديدة، وغيرها من الدوريات، والمواقع الإلكترونية المُتخصصة.
في عام 20077 شارك مع عددٍ النقاد في تحرير كتاب "سينما الطريق" الذي صدر عن "مسابقة أفلام من الإمارات" في أبو ظبي، وفي عام 2010 صدر له كتاب "السينما النظيفة".
وفي مجال الأدب، : "كائن العزلة"/2006، "لحظات صالحة للقتل"/2008، "كادرات بصرية" /2011
في عام 20077 فاز الغيطاني بجائزة النقد السينمائي للنقاد الشباب، ويعمل حالياً على مراجعة روايته الجديدة، وإكمال كتابه النقديّ عن مسيرة المخرج المصري "شريف عرفة
".

 

   
 

عناوين الحوار (مانشيت)

 
 

النقد السينمائي في طريقه للموت لعدم الإهتمام به، ولعدم جدية من يحاول تناوله

 

النقد هو المُرادف الحقيقي للإبداع، بمعني، الناقد يبدع إبداعاً آخر موازياُ لإبداع المخرج

 

إذا كنت ترى أن الحياة بدون سينما سوف تتوقف، ستستطيع تقديم الكثير جداً لها

 
 
 
 
 
 

المشاركون

 

 

الأمير أباظة

 

إسراء إمام

 

أحمد القاسمي

 

أحمد ثامر جهاد

 

أحمد حسونة

 

أحمد شوقي

 

أحمد عبد الرحيم

 

أحمد فايق

 

أمل الجمل

 

ديانا جبور

 

رامي عبد الرازق

 

رانيا يوسف

 

ساسية مسادي

 

صفاء الليثي

 

طارق الشناوي

 

طاهر حوشي

 

عائشة الدوري

 

عبد الكريم قادري

 

عبد المحسن المطيري

 

عدنان حسين أحمد

 

عز الدين الوافي

 

علا الشافعي

 

علاء المفرجي

 

فراس الشاروط

 

مجدي الطيب

 

محمد بو غلاب

 

محمد اشويكة

 

محمد بنعزيز

 

محمد رضا

 

محمود الغيطاني

 

محمود قاسم

 

ناجح حسن

 

ندى الأزهري

 

نزار شهيد فدعم

 

نضال قوشحة

 

هاشم النحاس

 

هدى جعفر

 
 

الحوارات تتواصل

 
 

تفاصيل الحوار

 
 

·        بدأت انطلاقتكَ الأولى مع النقد السينمائي، ومن ثم تطوّرت إلى كتابة القصة، والرواية، كيف حدث هذا التحوّل؟

ـ هذا ما حدث ظاهرياً، وليس الحقيقة كاملةً، لأني أكتب القصة القصيرة منذ المرحلة الإعدادية تقريباً، بالتأكيد، لم تكن ناضجة في تلك الفترة، ولكني كنت مستمراً في الكتابة الأدبية، ومداوماً عليها، وكنت أحتفظ بها لنفسي، رُبما لأنني لم أكن أعرف طريق النشر، وفي أواخر عام 1999 كنت أتابع بشغفٍ كبير مجلة "الفن السابع"، وفيها قرأتُ خبراً يدعو النقاد الشباب للكتابة، يومها لم أهتمّ، وفي العدد التالي أكدوا على ذلك، حينها كنت أشاهد فيلم المخرج الراحل يوسف شاهين "الآخر"، وكنت قد كتبت عنه، وكانت المرة الأولى التي أكتب فيها نقداً سينمائياً، ولم أكن أعرف ماذا سأفعل بما كتبته، بالتأكيد، كنت سأحتفظ به لنفسي مثلما أفعل مع قصصي، إلا أني أرسلت المقال للمجلة، وصدر العدد تلوّ الآخر، ولم أجد ما كتبته على صفحاتها، وأصبتُ بالكثير من الإحباط، وفكرت بأني فاشل في النقد، وما أكتبه لا قيمة له، وبعد مرور أربعة أعداد تقريباً فوجئت بمقال عن فيلم "الآخر"، يومها قلت في نفسي : هل هناك من يكتب عن هذا الفيلم الذي شبع نقداً، ولكن، عندما نظرت إلى أسفل الصفحة، وجدت إسمي، وما حدث أن رئيس التحرير غيّر العنوان الأصلي، كنت فرحاً جداً، وبدأت أثق بكتابتي، فكتبت بعدها عن فيلم "النمس"/ 2000 للمخرج "علي عبد الخالق"، ثم "جنة الشياطين" /2000 للمخرج "أسامة فوزي"، و"أرض الخوف"/ 2000 للمخرج "داود عبد السيد"، ونُشرت جميعها، ثم تتالت مقالاتي فيما بعد في العديد من الدوريات، وبدأ الوسط الثقافي يعرفني كناقد، وليس روائياً، أو كاتب قصة، وحين أصدرتُ روايتي الأولى، اندهش أحد الأصدقاء الصحفيين، وقال : أنت ناقد سينمائي، ما الذي جعلك تتجه إلى الرواية ؟

·        هناك رواية جديدة في حالة مراجعة، وكتابٌ نقديّ، رُبما يحظى الجانبان بنفس الاهتمام من طرفك؟

ـ بالفعل، حققت منجزاً مهماً في مجال الرواية، ومازال لديّ الكثير، ورُبما فوز روايتي الأخيرة بجائزة "ساويرس" كأفضل عمل روائي، أعطاني المزيد من المسئولية تجاه ما أكتبه في الأدب، ولعلك لاحظت بأن كتابتي الروائية تخلط دائماً بين الأدبي، والسينمائي بشكلٍ متعمد، وتعمل على استخدام جميع مفردات الصورة السينمائية، مما حدا ببعض النقاد بتوصيف روايتي الأخيرة، بأنها رواية سينمائية، وأني بدأت اتجاهاً جديداً في الكتابة الروائية، ولكني لا أنكر أن اهتمامي بالسينما يفوق الأدب، وسبق أن قلت في أحد الحوارات :  لو طُلب مني الاختيار بين الكتابة الأدبية، والنقد السينمائي، سوف ترجح كفة النقد السينمائي بلا منازع، وبدون تردد على الإطلاق.

·        ماهي أسباب اختياركَ البحث في مسيرة المخرج المصري "شريف عرفة"؟

ـ "شريف عرفة" من المخرجين المتميزين جداً في السينما المصرية، وهو لا يشبه أحداً، بل يمثل ذاته فقط، في بداياته الأولى، قال عنه النقاد أنه امتداد لرواد السينما الجديدة من المخرجين، ولكنه أثبت للجميع أنه لم يكن امتدادا لأحد، بل كان نفسه فقط، واستطاع أن يمرّ بالعديد من المراحل المهمة، ومنها الأولى التي أسميها مرحلة المغامرة التي خاضها مع السيناريست "ماهر عواد"، كان الاثنان يمثلان مرحلة الجنون الفني الحقيقي، ثم انتقل بعدها إلى مرحلته الثانية مع "وحيد حامد"، وأثبت من خلالها أنه مخرج متمكن من أدواته السينمائية، بل محترف يستطيع أن يقدم ما هو جادّ بالفعل، وسينمائيّ حقيقي، لا أستطيع هنا القول بأنه يمتلك رؤية سينمائية، بمعنى لا يمكن القول "سينما شريف عرفة"، هذا الوصف قد أُطلقه على "داود عبد السيد"، لأنها سينما لها رؤية، وفلسفة، وأيضاً "عاطف الطيب"، و"رأفت الميهي"، أما "شريف عرفة"، فإنني أبحث في مسيرة السينمائية، لأنها ليست سينما ذات فلسفة، لكنها جادة، هو مخرج يمتلك أدواته بحرفية عالية جداً، ويجبرنا أن نحترمه، بالرغم من سقطاته المدوّية مع كاتب السيناريو (تجاوزاً) "أحمد عبد الله"، وأفلام "الناظر"/2000، "عبود على الحدود"/ 1999، "ابن عز"/" 2001، ثم سقطته الكبرى مع فيلمه الذي لا معنى له "فول الصين العظيم"/ 2004، ولكن ليس معنى هذه السقطات أن نتناسى تاريخه المُشرف جداً.

·        أشرتَ إلى حصولكَ في عام 2007 على جائزة النقد السينمائي للنقاد الشباب، من هي الجهة التي منحتكَ تلك الجائزة؟

ـ كانت مسابقة نظمّها "قصر السينما" بالتعاون مع "الهيئة العامة لقصور الثقافة" التابعة لوزارة الثقافة المصرية، قدمت لها، وكنتُ واثقاً من الفوز.

·        يبدو لي بأنك سعيدٌ بوصفكَ "الناقد الشاب"، وأكثر، لأنّ ناقداً أقلّ شباباً يُحاوركَ (عمرها ما حصلت في الثقافة السينمائية العربية)؟

ـ لقد قلتها أنتَ، يحاوركَ ناقدٌ أقلّ شباباً، إذن، لمَ لا أكون سعيداً بهذا الوصف؟ بالفعل أشعر بأنني ناقدٌ شاب، وسوف أظلّ ما حييت، بالفعل، ما زلت أرى نفسي في الثامنة عشرة من عمري، وليس في الثامنة، والثلاثين، ورُبما لن يؤثر في شبابنا مرور السنوات، لأننا نكتب دائماً بروح شابة.

·        لقد بدأتُ بهذا الموضوع، لأنني لاحظتُ بأنّ الأجواء "الربيعيّة" العربية تزايد على موضوع الشباب من الطرفين، الشباب أنفسهم، والأقلّ شباباً، وهي ظاهرة لا تخصّ السينما وحدها، وإنما كلّ مجالات الحياة، وتدعمها الخطابات الثورية التي سوف تصبح مصيدةً يقع فيها الشباب أنفسهم لاحقاً.

ـ بالفعل، هناك مزايدات على موضوع الشباب، سواءً عند الشباب الفعليين (مثلي)، أو الافتراضيين، في مجال السينما، أو الحياة الواقعية، أتذكر العديد من الأفلام التي تاجرت بهذا الموضوع، وبدأت تلعب على هذه التيمة، وكأنه الموضوع الوحيد الذي يمكن معالجته سينمائياً، مما أدى إلى قتله، واستهلاكه تماماً، فرأينا أفلاماً مثل "أوقات فراغ"/2006 للمخرج "محمد مصطفى"، و"عائلة ميكي"/2010 للمخرج "أكرم فريد"، وغيرها من الأفلام التي حاولت التركيز على مشاكل الشباب، أو فلنقل، تخبطهم في الحياة، ورؤيتهم لها، ولكن، مشكلة الصناعة السينمائية هنا، أنها قدمت الشباب، ومشاكلهم باعتبارهم ضائعين تماماً، فاقدين أيّ اتجاه، أو بوصلة، شديدي التأزم، وكأنّه النموذج الوحيد، والفعلي لهم، ورُبما الخطابات الثورية تساهم في ذلك أحياناً، فرأينا من يتاجر بالثورة المصرية، وبأنها انطلقت من الشباب، فقدمها مثلاً "يسري نصر الله" بشكلٍ مُقحم، وسيءٍ في فيلمه الأخير "بعد الموقعة/"2012 ، لابد أن نعالج مشاكل الشباب، ولكن، في شكلٍ جادّ، والاهتمام الحقيقي بآمالهم، وانتكاساتهم.

·        كنتُ أقصد الظاهرة الفاقعة التي شعرتُ بها منذ بداية أحداث الربيع العربي، المُتاجرة بفكرة الشباب في كلّ تفاصيل المجتمع، هؤلاء الذين ظهروا فجأةً، وكأنّ التاريخ بدأ عند أعمارهم الحالية، وهم ضحايا، حتى وصلت الحالة إلى قراءة خطاباتٍ مُهينة تطال الأقل شباباً، والمُسنين، ولكن، في إجابتكَ أثرتَ نقطة مهمة جداً تتعلق بموضوعات السينما المصرية نفسها، واقتصارها على الشباب تحديداً، وإهمالها لأيّ فئاتٍ عمرية أخرى، والأكثر طرافة، تمثيل أدوار الشباب من طرف ممثلين تجاوزوا بسنواتٍ أعمار أدوارهم.

ـ هل تذكر الفيلم الجيد " قصّ، ولصق" للمخرجة المُبدعة "هالة خليل" /2007، هذا الفيلم البديع يكاد يكون الوحيد في السينما المصرية (حديثاً) الذي أراه يتحدث عن مشكلات الشباب بحق وبصدق، لأنه قدم شباباً ليسوا منبتي الصلة بالواقع، بل صورةً صادقة، وحية، وماثلة أمام أعيننا، ومشاكل حقيقية يعانون منها، وبالتالي، كان من أهم الأفلام التي تحدثت عن مشكلاتهم، ومعاناتهم الحقيقية، ولكن، لأنّ السينما المصرية صارت فقيرة في موضوعاتها، ولم تعد تمتلك كتاباً مبدعين، تحول الأمر إلى محاولات الاستسهال، والعزف على وتر النغمات السائدة، وكأننا في سوق نحاول رؤية التجارة الرائجة لنظل نستنزفها حتى الرمق الأخير، مما يؤدي إلى افتقاد الموضوع جاذبيته، وأهميته، هذا هو حال السينما المصرية الآن، لم نعد نمتلك بشير الديك، رأفت الميهي، وحيد حامد، وغيرهم في مجال السيناريو، كما لم نعد نمتلك خيري بشارة، عاطف الطيب، محمد خان، داود عبد السيد،... في مجال الإخراج، من بقي منهم على قيد الحياة صار إنتاجه نادراً لظروف السوق السينمائي المصري الذي يتجه نحو الضحالة بسرعة الصاروخ، كما أن اختيارات الفنانين في أداء أدوار الشباب تفتقر إلى الدقة، فكيف نأتي بـ"شريف منير" ليؤدي دور شاب في مقتبل الحياة في فيلم "قصّ، ولصق" مثلاً ؟ وكيف نأتي بـ"فاروق الفيشاوي" ليؤدي دوره في فيلم "ألوان السما السبعة" للمخرج "سعد هنداوي"، مع أنني اقتنعت بأدائه، ولكن، كان من الأفضل أن نأتي بمن يناسب المرحلة العمرية، وهذا ما يُقال أيضاً عن "ليلى علوي" في نفس الفيلم.

المشكلة الحقيقية، أنّ صناع السينما انتبهوا فجأة إلى فئة عمرية (الشباب)، وانطلقوا بالعزف على أوتارها.

·        طيب، طالما ما زلتً ناقداً شاباً، ما هو المقصود بكبار النقاد؟

ـ لا أعتقد أن هناك ما يُسمى بكبار النقاد، لو سلمنا بالكلمة، يعني هناك صغار النقاد، وهنا لابدّ أن نتساءل: هل هم الكبار في العمر؟ أم الذين يكتبون منذ فترة طويلة بالقياس إلى غيرهم؟ وماذا لو كان هناك ناقد يكتب منذ فترةٍ قصيرة جداً، ولكن كتابته تحمل من العمق، والبصيرة أكثر بمراحل مما يكتب غيره منذ عشرات السنين؟ أليس هذا الناقد الذي يكتب منذ فترةٍ قصيرة أكبر من غيره من كبار النقاد؟ الناقد الحقّ الذي يؤصل لثقافةٍ سينمائية حقيقية، وعميقة هو الناقد الكبير، الجادّ في عمله، بينما الذي لا يفعل أكثر من سرد قصة الفيلم، أو تلخيصها، ويجهل آليات النقد، والتكنيك، والعمل السينمائي هو ناقد صغير حتى ولو كان يكتب منذ آلاف السنين، ويملأ جميع صفحات المطبوعات، ووسائل الإعلام.

·        أنا لم أخترع هذا الوصف، ولكن، كما تعرف، نقرأ، ونسمع أحدنا يقول "الناقد الكبير"، طيب، من وجهة نظرهم، من هم هؤلاء النقاد الكبار بغضّ النظر عن أعمارهم، وسنوات ممارستهم للنقد السينمائي؟

ـ كثيراً ما نرى المذيعات، ومقدمات البرامج يقلن بغنج لا معنى له : مع "الناقد الكبير" فلان الفلاني، هذا التوصيف، في حدّ ذاته، نوعٌ من تضخيم ذات الناقد الذي أمامها، في حين هو (رقابة ذاتية من المُحَاور) في عالم الثقافة السينمائية، ووسائل الإعلام تضخم الأمور، وأعتقد بأنه طالما يظهر كثيراً في وسائل الإعلام، ويسوّد الكثير من صفحات الجرائد(رقابة)، فهو، من وجهة نظرها ناقدٌ أكبر من السماء، وهو، في الحقيقة، ليس أكثر من صحفي فاشل يحاول تلخيص قصة الفيلم بدون آلياتٍ نقدية، أو وجهة نظر، أو حتى نقداً انطباعياً، للأسف، وسائل الإعلام قادرة على صناعة الأكذوبة، وهذا "الناقد الكبير" إحداها.

·        ولكن، هناك نقادٌ كبار يا محمود؟

ـ نقاد كبار من وجهة نظر مَن؟ أنتَ، أم الناقد نفسه، أم القارئ؟ لا تهمني مسميات لا معنى لها، لأنه لو أطلق علي أحدهم هذه الصفة، وأنا لست أكثر من كاتب تافه، فلن تجعل مني كبيراً، أو مهماً، الناقد، ناقد، وكفى، كذلك الروائي، روائي، نحن مرضى بهذه الألقاب ؟!

·        في العادة، يعمدُ بعض نقاد السينما العرب إلى إجراء حواراتٍ مع ممثلين، ومخرجين، ولكن، لم نتعوّد بأن يتحاور ناقدان ؟

ـ أجد هذه الحوارات أكثر أهميةً من الحوار مع فنان، أو مخرج، لأنك تتحاور على مستوى الثقافة السينمائية الحقيقية، إذا لم يكن الناقد السينمائي مثقفاً شاملاً، عليه أن يترك النقد وشأنه لمن يعرفه، الناقد السينمائي هنا مخرج، كاتب سيناريو، مونتير، مصور، ممثل، وكلّ عناصر الفيلم السينمائي، وفوق هذا كله، مثقف في مجالات الفلسفة، التشكيل، الاجتماع، والأدب، وإذا لم يلتزم بهذه الأمور حق الالتزام، فهو "ناقد ناقص"، لابدّ أن يكون ملماً بآليات صناعة السينما، وليس مجرد صحفياً في صفحة فنية وجد نفسه بين ليلة، وضحاها يتحدث عن ملخص فيلم ما فأصبح ناقداً، وصدق نفسه، الحوار بين ناقدين سينمائيين هو حوار سينمائي حقيقي، ينقل وجهات النظر السينمائية، والنقدية، ويتحاور حول المشاكل الحقيقية التي تعترض طريق هذا الفن الخالد، والساحر، هل تعتقد بأن الحوار مع ممثل ما مجدياً ؟ بالطبع لا، لأن معظم ممثلي السينما في المنطقة العربية (ولا أقول كلهم) ليس لديهم القدر الكافي من الثقافة، وهذا لا يُعيبهم إلى حدٍ كبير، لأنهم كما قال "ألفريد هيتشكوك" مجرد أداة في يد المخرج، يحركهم كما يحرك أي عنصر فنيّ داخل الكادر، وبالتالي، لن تخرج من حواركَ مع الممثل سوى أنه يحب كذا، وكذا، وأن هوايته كذا، فهل هذا مفيد سينمائياً؟

·        أجد بأنكَ تُبالغ كثيراً، وخاصةً عندما تقول، بأنّ الناقد هو في نفس الوقت (مخرج، كاتب سيناريو، مونتير، مصور، ممثل، وكلّ عناصر الفيلم السينمائي، وفوق هذا كله، مثقف في مجالات الفلسفة، التشكيل، الاجتماع، والأدب). يا رجل، حرام عليك، ما رأيك إذاً بفكرة الناقد الذي فشل بأن يكون مخرجاً (فقط)، فتحوّل إلى النقد، وأصبح عالةً على المخرجين، وُربما عبئاً على السينما نفسها، فكيف يكون (كلّ عناصر الفيلم السينمائي)، أقترح بأن توضح فكرتك كي لا يتهمّك أحدهم بالغرور، ولا يتحامل عليكَ المخرجون، إحنا مش ناقصين.

ـ لا أبالغ حينما أقول بأن الناقد لابد أن يكون كلّ هذا، فكيف تطلب مني أثناء كتابتي النقدية عن فيلم أن أتحدث عن الإخراج مثلاً، وأنا أجهل آليات الاخراج؟ هل أستطيع الحديث بوعيّ، أم سأتخبط؟ وهذا الحديث سينسحب بالضرورة على باقي عناصر الفيلم السينمائي من سيناريو، وتصوير، ومونتاج، وغيره، هل نجهل مثلاً أن مكوّنات الكادر السينمائي عبارة عن لوحة تشكيلية، وأن الديكور الذي يشرف عليه المخرج هو أيضا من أساسيات الكادر؟ إذن، فلنفترض أني أجهل الفن التشكيلي، ولم أقرأ عنه من قبل، كيف أستطيع الحديث عن مكوّنات الصورة هنا؟ بالتأكيد، سأفشل، وأقول مجموعة من العبارات الجاهزة التي لا تدل سوى على الجهل، والبلاهة، كما نرى عند الكثيرين ممن يدعون النقد مثل "كانت حركة الكاميرا جيدة"،... وما إلى ذلك من العبارات، إذن، الناقد مثقف موسوعيّ، ولابد أن يكون كذلك، أما عن إتهام الآخرين لي بالغرور فدعكَ منهم، لأني لا ألتفت إلى هذه الصغائر، وأما عن تحامل المخرجين، فأنا أرى المخرج الفاشل فقط هو الذي قد يتحامل.

·        حسناً، أين درستَ النقد السينمائي، أو على الأقل، كيف تعلمتَه؟

ـ لم أدرس النقد السينمائي في أيّ مؤسسة تعليمية، ولم أنتسب إلى أكاديمية الفنون، أو معهد النقد الفني، فأنا خريج كلية دار العلوم (ليسانس اللغة العربية، والعلوم الإسلامية) من جامعة القاهرة، وبدأت منذ فترة مبكرة بعد تخرجي من الجامعة عام 1998 أشاهد الأفلام برؤية مختلفة، ومتأملة، ومن ثم وجدت نفسي أعيد مشاهدة الفيلم، أو مشهداً  محدداً مرة أخرى، لأتأمله، وأعيد تركيبه، وبدأ اهتمامي الفعلي بصناعة السينما، وبدأت أقرأ بنهم غريب لمدة عامين كل ما كتب عن السينما، وكل ما يقع بين يديّ له علاقة بالسينما، ومن هنا تعلمت السينما (يقصد النقد)، بالتأكيد، لو كنت تعلمتها أكاديمياً، كنت سأختصر الكثير من الوقت، ولكانت قراءاتي أكثر تركيزاً، ولكن هذه الفوضى الثقافية التي وقعت فيها، وتعلمت من خلالها النقد السينمائي أفضل بكثيرٍ من الدراسة الأكاديمية، لم تكن لتعطيني كلّ هذا الزخم الثقافي في مجال السينما الذي اكتسبته، وبدأت الكتابة بشكل منتظم عام 2000 ليتم تدريس دراسات كتبتها في بعض الأماكن التي تقوم بتدريس السينما، ولجأ بعض طلبة الماجستير إلى كتاباتي، ثم قمت بتدريس النقد السينمائي، وديناميكية صناعة الفيلم في بعض الورش الفنية بالقاهرة بالتعاون مع الناقد "عصام زكريا"، والغريب، وجدت بعض الطلاب يخبروني بأنه سبق لهم الدراسة في معهد النقد الفني، ولكن استفادتهم معي أهمّ، وأعمق أثراً.

·        إذاً، أصبح النقد السينمائي بالنسبة لكَ مهنة، كتابةً، وتدريساً؟ لديّ إحساسٌ سوداويّ بأنها سوف تنقرض يوماً، أقصد مهنة النقد السينمائي؟

ـ أحياناً، النقد السينمائي في العالم العربي مهنة مرتزقة، بمعنى، مهنة من لا مهنة له، يظن أنه من خلال ما يكتبه، يستطيع الحصول على نفوذ، وعلاقات، من جهة أخرى، النقد السينمائي، وخاصة في مصر، يمرّ بظروف صعبة جداً، وصار من يتمسك بضميره، كمن يهرب من الرمضاء إلى النار، لأن الاستسهال، والفبركة صارت هي السمة الغالبة، ولأن الجمهور لا يمتلك الثقافة السينمائية الكافية، ويراها ترفاً لا داعي له، وبالتالي، أيّ هراءٍ يُكتب من السهل أن نطلق عليه نقداً سينمائياً، النقد السينمائي في طريقه للموت لعدم الاهتمام به، ولعدم جدية من يحاول تناوله، أصبح الأمر مكانة اجتماعية يحاول البعض اكتسابها مع أنها مهنة شاقة، وتحتاج إلى ضمير فنيّ.

·        ماهي الدوافع التي تشجع المرتزقة، ـ كما تقول ـ أو "من لا مهنة له" على الكتابة عن السينما، وعلى حدّ علمي، هي ليست مهنة مربحة، وكيف يمكن أن يحصل على نفوذ، وعلاقات، وما الفائدة منها؟ 

ـ بالفعل، هي مهنة غير مربحة للناقد الحقيقي الذي يعتبر الثقافة السينمائية رسالة، وهمّاً كبيراً يحمله على عاتقه، لكنها مربحة جداً لمن يزوّر الحقائق، ويقلبها كي يكون مجرد (....) تحت مسمّى ناقد لشركة إنتاج معينة، أو لمخرج بعينه، أو ممثل بعينه، وبالتالي، يبدأ في مداهنة هؤلاء، والكذب على الجميع، وقول ما يتعارض مع الحقائق، هنا ينفتح الباب للمجاملات، والكذب، والبزنس أيضاً، ثم تكوين العلاقات المشبوهة، والنفوذ الكبير من خلال الشركة التي تستخدمه، أو المخرج .

·        ألا تعتقد بأنّ الثقافة السينمائية العربية تحتاج إلى نقادٍ جدد، ماذا عليه أن يفعل شخص ما كي يصبح ناقداً؟

ـ المُثابرة، والنفس الطويل جداً في مجال الثقافة السينمائية الحقيقية والحرص على اكتسابها، وهضمها جيداً قبل أن يُقبل على مغامرة النقد السينمائي، لأنّ كل ما يكتبه سوف يُحسب عليه، ولأنه، مع مرور الوقت، سيكون أكثر نضجاً، ورُبما يبدو فيما بعد متناقضاً مع ما كتبه من نقدٍ سابق، إذن، عليه التريث جيداً، والمُداومة الفعلية على متابعة الصناعة السينمائية بشكل جادّ، والقراءة الدائمة، والواعية في مجاله، لابدّ أن يستفيد الناقد، ويتعلم من غيره، فأنا تعلمت كثيراً من "أحمد يوسف"، وأدين له بالكثير من الفضل، وغيره من نقاد السينما، ليس هذا عيباً، أو نقصاً كما يظن البعض منهم.

·        هناك الكثير من العرب الحاصلين على درجاتٍ علمية عُليا، ماذا قدموا للثقافة السينمائية العربية؟

ـ هناك من حاول أن يقدم شيئاً، وكان مجاملاً فقط للآخرين، وكأنه لا يريد أن يُغضب أحداً، وأذكر هنا وزير الثقافة المصري السابق "علاء عبد العزيز"، ماذا قدم للثقافة السينمائية؟ لا شيء، بينما كان الراحل "رفيق الصبان" أستاذاً أكاديمياً لا يشقّ له غبار، وأحترمه كثيراً في مجال التدريس، والإشراف على رسائل مهمة، ولكن للأسف، كان يجامل من لا يستحقون المجاملة، وفي الاتجاه الآخر، هناك من كرسوا حياتهم لخدمة الثقافة السينمائية فقط، مثل الراحل "سامي السلاموني" الذي لن نعوضه بسهولة، يتوقف الأمر على من يعتبر السينما أسلوب حياة، وهواء يتنفسه، إذا كنت ترى أن الحياة بدون سينما سوف تتوقف، ستستطيع تقديم الكثير جداً لها.

·        أتصوّر بأنّ الناقد يطمح إلى الإخراج، هل تفكر بإخراج الأفلام؟

ـ في الحقيقة، أتمنى بالفعل، ولكن، أفلام تخصني وحدي، ومفهومي للسينما، حتى وإن كانت غرائبية، وغير معهودة، ومستساغة لدى المتذوق العادي، أحلم بإخراج رواياتي التي كتبتها، لأني على يقين بأن أحداً لن يستطيع تنفيذها كما رأيتها في خيالي، وسيعمل على تشويهها تبعاً لرؤيته السينمائية، أريد أن أخرج مشروعاً مختلفاً، ومتميزاً.

·        هل بالإمكان الجمع بين النقد، والإخراج؟

ـ لا أرى أيّ تناقض، المخرج الناقد سيكون أكثر عمقاً، ونضجاً، لأنه أكثر ثقافة، ولكن سيكون طريقه أكثر صعوبة، لأنه كلما ازدادت المعرفة قلّ الإبداع، أو صار أكثر تقيداً، وبالتالي، سيكون هذا المخرج ناقداً قاسياً لنفسه، وسيعمل وقتاً أطول بكثير في المونتاج لدرجة قد تؤدي إلى تشويه فيلمه في النهاية إذا استمر في نقد عمله.

·        في المشهد السينمائي العربي، ومع استثناءاتٍ قليلة (المخرج المصري "يسري نصر الله" مثلاً)، أثبتت الفكرة فشلها.

ـ هذا وارد، وحقيقي، قلت بأن الأمر صعب، لأنه سيكون ناقدا قاسياً على نفسه؟ إذن التجربة تثبت نجاحها من خلال قلة، وسوف يكون الفشل من نصيب النسبة الأكبر، "يسري نصر الله" مخرج حقيقي، ومتميز، ويمتلك رؤيته الخاصة، وهو امتداد حقيقي ليوسف شاهين، ودعنا لا ننساق خلف أكذوبة أن "خالد يوسف" هو امتداد "يوسف شاهين"، لأن "يسري" هو الأقرب، والأكثر إخلاصاً.

·        يبدو من خلال متابعتي للمشهد السينمائيّ النقدي العربي، أنّ النقاد يعيشون أجواء ضبابية، وباردة فيما بينهم، ماهو تفسيركَ ؟.

ـ تدل على عدم التحقق، وهذا الناقد الذي يتصدى لهذه التفاهات، لا يصدق بينه، وبين نفسه، أنه قد فعل شيئاً ذا قيمة، أو أسهم اسهاماً محترماً في الثقافة السينمائية، الناقد الحقيقي ليس لديه الوقت كي يتعارك مع غيره، ولا يكون مهموماً سوى بالسينما، مشاكلها، معضلاتها، والعوائق التي تتعرض لها، وكيفية إيجاد الحلول، هؤلاء النقاد، أياً كانت أسماءهم، أو حتى مكانتهم، لا شيء، أو أنهم كزبد البحر، سرعان ما يزول، وكأنه لم يكن، لأنهم لم يضعوا السينما في المقام الأول، بقدر ما وضعوا تفاهتهم، ومعاركهم الصبيانية في المقدمة، إذا أردت أن تكون ناقداً يُحترم بالفعل، عليك أن تتعمق أكثر في السينما كي تضيف المزيد من الإسهام في ثقافتها، أو بمعنى آخر، الانكباب على عملك، ولا تنتبه إلى غيرك، أما أن تتصيد للآخرين الأخطاء، وتفتعل معهم المعارك، فأنت غير مخلص لعملك، تفسيري لمثل هذه الأجواء نتيجة للرغبة في أكل العيش، وهنا أرى أن هذا الناقد ليس بناقد بقدر ما هو شخص أجير يحاول أن ينتهز أيّ فرصة كي يأخذ مكان غيره بالتسفيه منه، والتقليل من شأنه.

·        هل تعتقد بأنّ هناك صراعاتٍ مُماثلة عند النقاد الأجانب؟

ـ يهتم النقاد الأجانب بعملهم أكثر مما يهتمون بالصراعات، ولا يجب أن نتناسى كوننا مجتمع مريض، نعاني من أخطاء في التربية، والنشأة أدت إلى أمراض اجتماعية خطيرة، تؤدي إلى كراهية الكثيرين رؤية غيرهم في نجاح، وتقدم دائم مما يؤدي بالآخرين إلى محاولة عرقلتهم، وتعكير صفو حياتهم، وتقدمهم.

·        هل حققت المواقع، والمُدوناتٍ السينمائية العربية أغراضها؟

ـ لجأ بعض النقاد إلى إنشاء مدوناتهم الشخصية نتيجة لضيق المساحة الإعلامية المخصصة للنقد السينمائي الذي لا تهتمّ به الجرائد، وهناك الكثير منها ألغت صفحات الفن، والسينما باعتبارها ثقافة لا معنى لها، أو أن القارئ لا يقبل عليها، ومن ثم، فهي تمثل عبئاً على الجريدة، كما أن بعض الجرائد التي لم تزل تحافظ على صفحات السينما، قامت بتقليص مساحتها إلى درجةٍ كبيرة، وبالتالي، بات على الناقد أن يكتب كلمتين فقط ثم يمسك عن الكلام، لأنّ مساحته المخصصة له قد انتهت، ومن جهةٍ أخرى، المجلات السينمائية التي تهتم اهتماماً جاداً بالثقافة السينمائية لا تصمد، ولعلنا رأينا الكثير من تلك التجارب التي توقفت تماماً بالرغم من أهميتها القصوى، مثل "الفن السابع" التي كان ينفق عليها الفنان "محمود حميدة"، وتكبده الكثير من الخسائر، للأسف الشديد، توقفت تلك المطبوعة المهمة، وأعتبرها مرجعاً سينمائياً، وأرشيفاً لا غنى عنه، كما توقفت مجلة "سينما" التي كانت تصدر في فرنسا برئاسة الناقد الراحل "قصي صالح درويش"، وكنت أعتبرها امتداداً لمجلة "الفن السابع"، كما توقفت مجلة "عالم الفيلم" التي كانت تصدر عن "جمعية نقاد، وكتاب السينما المصريين"(يقصد جمعية نقاد السينما المصريين)، ولم يعد هناك مجلة متخصصة في مجال الثقافة السينمائية سوى "أبيض، وأسود" الصادرة عن قصر السينما بالقاهرة، وهي مجلة بائسة، وسطحية، وفقيرة في ثقافتها، وتنظيمها، والإنفاق عليها، وأخجل النشر فيها، من هنا جاءت فكرة المدونات، لاسيما، أننا نكتب كتابةً مسهبة في إحدى القضايا السينمائية، أو عن الأفلام المهمة، فأين نذهب بهذه الكتابات ؟ هل نحرقها، أم نمزقها، أم نتوقف عن الكتابة؟ كان لابد من هذا الحل البديل، والسحري لنا، ولمن يقبلون على الثقافة السينمائية، ولازلت أتذكر مدونتك "سحر السينما"، وبدايتها الأولى، ونقاشنا حولها منذ سنوات، ثم تحولت فيما بعد إلى موقع سينمائي مهم يقدم ثقافة سينمائية دسمة، وهناك الفلسطيني "عنان بركات"، ومدونته "سينما الجدل"، والمصري "صلاح هاشم"، ومدونته "سينما إيزيس"، والبحريني "حسن حداد" وموقعه السينمائي الضخم "سينماتك"، والمصري "أمير العمري"، وغيرهم من النقاد، ..

هذه المدونات، والمواقع المهمة ضرورية، ولا غنى عنها لتأصيل، ونشر الثقافة السينمائية، ونحن في حاجة ماسة، وحقيقية إليها، حققت هذه المدونات، والمواقع الكثير جداً من أهدافها في نشر الثقافة السينمائية.

·        لاحظتُ بأنّ حرية التعبير التي منحتها هذه المواقع الشخصية، والمدونات (بالإضافة إلى وسائل التواصل المختلفة) تجاوزت كلّ الحدود الإنسانية، الاجتماعية والأخلاقية التي كنا نستهجنها سابقاً، وأردنا تغييرها، وهناك من يستخدمها لأغراض أخرى باسم الديمقراطية، وحرية التعبير.

ـ بالفعل، أدت هذه المدونات إلى خلق الكثير من الخلافات، ولكنها ليست بسبب المدونات نفسها، وإنما ضحالة الثقافة العربية التي نشأنا عليها، الحقد، الكراهية، والحسد التي ترعرعت داخلنا، نحن مجتمع لم ينشأ على تقبل نجاح الآخر، بل على رفضه، للأسف، دع المدونات تسير في طريقها، فهي صادقة، ودع النقاد يتشاجرون، لأنهم كاذبون.

·        من هو الناقد الحقيقي، والناقد المُزيف، هل هناك حقيقيّ، ومزيفٌ في النقد السينمائي؟

ـ في الوسط النقدي السينمائي المصري، على سبيل المثال، هناك الكثير جداً من المزيفين يطلقون على أنفسهم لقب "ناقد سينمائي" مع أنّ كتاباتهم في السينما مجرد كلام لا معنى له، بل مجرد هراء،.. وهم محرري صفحاتٍ فنية، وصحفيين لا يعون آلية العملية النقدية، ولا يفقهون عنها شيئاً، بل لا يعرفون كيفية صيرورة عملية صناعة السينما من أساسها، ولكنهم (ولست أدري لماذا) يبتهجون كثيراً حينما يطلقون على أنفسهم لقب ناقد، أو يطلق عليهم الناس هذا اللقب، وكأنه من الأهمية بمكان مما يجعلهم متمسكين به، وهناك بالفعل الناقد الحقيقي الذي يعي جيداً ما يكتبه، آليات النقد السينمائي، ومفهوم اللقطة، والكادر، والمشهد، وتاريخ السينما، وغيره، تنتابني هذه الغيرة كثيراً حينما أقرأ هراءً مكتوباً في صفحات الجرائد باعتباره نقداً، أو أرى أحدهم على إحدى الفضائيات يتحدث في الشأن السينمائي، وكأنه عالم ببواطن الأمور.

·        عندما تقول (مجرد كلام غثّ لا معنى له، بل مجرد هراء)، من بحدد المعايير في الكتابة النقدية، أجد بأن الناقد هنا تحول من ناقد أفلام إلى ناقد كتابات نقدية، والاتهامات متبادلة بين جميع الأطراف، وأعتقد بأنك بعد هذا الحوار سوف تنال قسطاً منها، ...يا بختك. ما هي المعايير التي تجعلكَ تعتقد بأنّ هذا حقيقي، والآخر مزيف، وكيف تشعر بالحقيقة، أو الزيف؟

ـ يمكن التعرّف على الناقد الحقيقي من المزيف بسهولة من خلال حديثه، أو كتابته، سوف يتبين مدى جهله بصناعة السينما، وتاريخها، من خلال كلامه المفكك الذي لا يوجد بينه رابط يربطه في وحدة موضوعية، فتجلس أمامه، وكأنك لا تفقه شيئاً، وغير قادر على فهم، أو استيعاب أي شيء من الخطل الذي يتحدث عنه.

·        الحديث عن الناقد الحقيقي، والمزيف يذكرني بناقدٌ أنشأ يوماً مدونةً متخصصة كان هدفها كشف السرقات في مجال الثقافة السينمائية، هل أثمرت جهوده في التقليل منها؟

ـ بالفعل، في إحدى زياراته للقاهرة، تناقشتُ معه، وأوضحتُ بأن محاولته هدف نبيل جداً، وغيرة حقيقية على الثقافة السينمائية، ولكن، في ذات الوقت، حذرته بأن البعض من النقاد سوف يتهمونه بالغيرة، ومحاولة صنع ضجيج لا داعي له، أحد النقاد المصريين الذين تمّت سرقتهم من طرف ناقد سوريّ، اصطدم مع الناقد الذي أنشأ المدونة، بالرغم من أنه يحاول الدفاع عن الناقد المصري، وحفظ حقه، على أيّ حال، للأسف، لم تتوقف السرقات النقدية، وما زال هناك الكثير ممن يدعون كتابة النقد يسرقون أعمال غيرهم.

·        في تلك الفترة، كتب البعض، بأنها ليست وظيفته الكشف عن سرقات الآخرين، ولم تكن مبادرته أكثر من تصفية حسابات، بعد تلك المُواجهات، توقفت المدونة؟

ـ بالفعل، هاجم الكثيرون ذاك الناقد الذي أنشأ المدونة، واتهمه البعض كما سبق أن حذرته، بتصفية حسابات حتى توقفت المدونة، الناقد الحقيقي يعرفه الجميع، والمزيف، يعرفه الجميع كذلك، والسارق لا يجهله أحد، إذن، فلا بد أن نتفرغ لكتابتنا، والقارئ سرعان ما سيكشف هؤلاء.

·        هناك ازدواجيةً في شخصية بعض النقاد العرب، كيف يكون ناقداً، ولا يتقبل النقد؟

ـ يرجع هذا الأمر إلى الثقافة الحقيقية، ومدى عمقها، وصدقها، فإذا كنت ناقداً حقيقياً، ومثقفاً، وصادقاً مع نفسك، فأنت بالتأكيد ستتقبل ما يُقال لكَ من نقد، لأن النقد ليس كما قد يتصوره البعض مجرد الهدم، وإظهار العيوب، والثغرات، هو لا يعني الهدم بقدر ما يعني البناء، والتعديل، والتهذيب، وإظهار الجماليات، المفهوم الخاطئ عن النقد في مخيلة الآخرين هو الذي يؤدي إلى ذلك، وهذا يدهشني، إذا كان الناقد يفهم النقد بمثل هذا المفهوم الخاطئ، فكيف يتعاطى النقد أساساً؟ الأمر يشبه تماماً المفهوم الشائع عن الشيوعية باعتبارها كفراً، وهي في الحقيقة لا علاقة لها بالأديان، بل هي منهج اقتصادي في المقام الأول.

·        عندما عمد ثلاثة إلى تأسيس "اتحاد دوليّ لنقاد السينما العرب" من أجل تجميع النقاد في كيانٍ مؤسّساتي، والدفاع عن مصالحهم، وتطوير المشهد النقدي السينمائي العربي، ظهرت عوائق، وإشكالياتٍ، واعتراضاتٍ حتى على التسمية نفسها "دولي"، والأكثر طرافةً، لماذا يتأسّس من طرف نقاد المهجر، واتهاماتٍ بأنهم يؤسّسون ذاك الاتحاد لأغراضٍ شخصية، ومصالح، ومنفعة، ومن ثمّ توقف المشروع تماماً؟

ـ كانت تجربةً مشكورة، أعتقد بأن أول من تحدث عنها الفلسطيني "عنان بركات"، كما تحدثتَ أنتَ عنها، وإذا لم تخونني الذاكرة، الناقد اللبناني "محمد رضا" أيضاً، بدا لنا الأمر حلماً على وشك التحقق، ولكن، للأسف، بعض النقاد المصريين اعترضوا على الأمر، وكأنهم يرغبون أن يكونوا في الصدارة، وأن يتولوا الأمر بعيداً عن نقاد المهجر، ومن هنا نشأت الكثير من الاتهامات، منها المصالح الشخصية، وغيرها، حتى أني لم أستبعد حينها أن يتهمهم البعض بالعمالة لصالح مخابرات دولة أخرى، يمتلئ مجتمعنا بالكثير من الأمراض، والحقد، مع أنّ المثقف، والناقد لابد أن يكون منزّهاً عن ذلك، ولكنه لا يستطيع الفكاك من نشأته في أعماق المستنقعات الاجتماعية، وللأسف، توقفت تلك التجربة الرائدة التي أتمنى أن يتمّ بعثها مرة أخرى، وليشترك فيها من يرغب، وليذهب إلى الجحيم من يعترض.

·        ماهو تقييمك للمهرجانات السينمائية العربية، تلك التي تنعقد في بلدان الخليج تحديدا؟

ـ الكثير من المهرجانات السينمائية العربية المُنعقدة في دول الخليج لا يمكن التعويل عليها، أنا أراها، وكأنها لم تكن، ...مهرجانات دول الخليج كلها تقريباً مجرد رغبة في الظهور، والإنفاق ببذخ ليس من أجل عيون السينما، والثقافة السينمائية، بل من أجل التباهي، والظهور بأنها دول راعية للثقافة، والفن، ولست أدري منذ متى يرعون الفن السينمائي، ومنذ متى يفهمون في آلياته، ومتى قامت مثل هذه البلدان في الأساس بممارسة صناعة السينما كي تجئ اليوم لترعاها، وتهتم بها؟ من الممكن أن نطلق على هذه المهرجانات بأنها زائفة، فكما يوجد الناقد الزائف، والناقد الحقيقي، لابد أن يوجد المهرجان الزائف (الخليجي)، والمهرجان الحقيقي (المصري، المغربي، الجزائري، والتونسي)، للأسف، هذه المهرجانات مجرد فقاعة كبيرة لا معنى لها سينمائياً، وإن كان هناك إقبال من بعض صناع السينما، ومنهم المصريين، فهو من أجل حصد الأموال المقدمة في صورة جوائز فقط، والموائد الوفيرة، والسهرات، والمتعة، والنزهة، وتغيير الجو.

·        يا إلهي، إجابة خطيرة جداً، ظالمة، وقاسية، وحتى لا تستند على معلوماتٍ حقيقية، سوف أتركك تتحمل نتائجها مع أنني أتمنى أن يدعوك أحد هذه المهرجانات كي تتعرّف عليها عن قرب.

ـ أتحمل مسئولية الإجابة على هذا السؤال، لم تهتم بلدان الخليج من قبل بالثقافة السينمائية، وفجأة وجدناها تقيم مهرجانات باذخة من أجل رعاية السينما، هنا أتساءل بدهشة: منذ متى، ولم الآن، وأين تاريخ الصناعة، وإرهاصاته الأولى، لا أنكر أن الكويت سبق أن قدمت عام 1971 فيلماً بديعاً، وهو "بس يا بحر" للمخرج "خالد الصديق"، ولكن، قل لي أنتَ: أين السينما الكويتية، والإماراتية، والقطرية، والسعودية، وغيرها؟ السينما في مصر، ودول المغرب العربي، ولبنان وليست في الخليج.

·        محمود، .. أنصحكَ بأن تراجع معلوماتك عما يحدث في هذه المنطقة منذ 17 سنة، ...نسيتَ أن تتحدث عن المهرجانات العربية، والمصرية تحديداً.

ـ  مهرجان القاهرة السينمائي الدولي من أهم المهرجانات في المنطقة العربية، ولا أقول ذلك تحيزاً باعتباري مصري، ولكنها الحقيقة التي لا ينكرها أحد، ربما صادفته في العديد من الدورات الأخيرة الكثير من الصعوبات، والعراقيل، ولكن، السبب في ذلك الكثير من المشاكل الاقتصادية، والسياسية التي تمر بها مصر في الفترة الأخيرة، هذا فضلاً عن الفساد الإداري، وسوء التنظيم، حينما كان "سعد الدين وهبة" مسؤولا عنه، كانت فترته الذهبية، إذن فالأمر يحتاج إلى شخص مهموم بالسينما في المقام الأول، ولابد أن يكون جاداً فيما يفعله، بالإضافة إلى توفير الظروف الجيدة له .

·        لو كنتَ في لجنة تحكيم، وأردتَ أن تمنح جائزةَ لناقدٍ سينمائيّ عربيّ، من هو، وماهي مبرراتكَ ؟

ـ سوف أكون مضطراً لتقسيم الجائزة إلى قسمين، واحدة تخصّ النقاد المصريين باعتبارهم أكبر تجمع نقديّ سينمائي، والثانية لناقدٍ عربي، أما بالنسبة للناقد المصري، أجد بأنها من حق "عصام زكريا"، لأنه من النقاد الحقيقيين، ومثقف سينمائي يستطيع التنظير في مجال الثقافة السينمائية، والتطبيق على تنظيراته، ومن أكثر المخلصين للعملية النقدية من خلال وجهة نظر تخصه هو وحده، أما الناقد السينمائي العربي فهو اللبناني "محمد رضا"، نظراً لاهتمامه الحقيقيّ بالنقد السينمائي، وغيرته الواضحة على السينما، وإسهاماته العميقة في مجال الثقافة السينمائية.

·        دعنا نفترض بأنّ أحد المهرجانات العربية اعتمد جائزةً سنويةً لناقدٍ عربي، ماهي المواصفات التي يجب على إدارة المهرجان، أو لجنة التحكيم أن تأخذها بعين الاعتبار لمنح هذه الجائزة إلى هذا الناقد، أو غيره؟

ـ أن يمتلكَ إسهاماً حقيقياً في الحركة النقدية، وإثراء الثقافة السينمائية من خلال متابعته لكل ما هو جديد في عالم السينما، هناك من يكتب غثاً لا معنى له، ويعتبر نفسه ناقداَ، أما الناقد الحقيقي هو الدؤوب دائماً على كل ما تتم صناعته في المجال السينمائي، هو الناقد الذي ينقد الأعمال الفنية، ويستطيع كذلك التنظير في مجال الفن السينمائي.

·        أحد المُغرضين أفشى لي معلوماتٍ خطيرة عنك، قال لي حرفياً، بأنك تتابع الكثير من المهرجانات السينمائية، ولا تشاهد أفلاماً، وتقضي وقتك كله في غرفتك، وعلى شاطئ البحر، أو في مسبح الفندق، والأخطر بأنك طوال الوقت تجلس خلف الكمبيوتر تثرثر مع أصحابك عن طريق الفيس بوك، وتسخر من هذا، أو تلك.

ـ يا له من حاقد، هذا الفعل الذي تتحدث عنه يفعله أغلب نقاد السينما العرب، منهم من يذهب للمهرجان من أجل الفسحة، والأكل في الموائد العامرة، والسكر بأفخر أنواع النبيذ، وهو بالفعل لا يشاهد أيّ عرض من العروض، بل يكتب عن الأفلام من خلال بطاقة الفيلم التي تحكي ملخصه، هذا الناقد الفاشل هو أنموذج للعديد من النقاد، ولكنه في النهاية فاشل سرعان ما سيتلاشى من الوسط الثقافي السينمائي، وليجعل ثرثرته على الفيس بوك عن هذا، وتلك تبني له تاريخه الزائل الذي مسحه بيده، أما أنا، فلم أفعل هذا من قبل، بل أذكر أني اعتذرت عن الذهاب إلى أحد المهرجانات لأنهم لم يؤكدوا لي دعوتهم قبلها بفترةٍ كافية كي أكتب لهم مداخلتي التي دعوني من أجلها، إذن، فانا ناقد أحترم كتابتي، وجمهوري قبل اللهث خلف المهرجانات.

·        بعد هذه الأسئلة، هل تعضّ أصابعك ندماً لأنك قبلتَ أن نتحاور، ألا يستحق الأمر بأن نعلن الحرب بيننا، ألا تعتقد أيضاً بأنّ هذا الحوار ثرثرةً لا معنى لها نستحق عليه العقاب بدل المكافأة؟ كما حاولتُ استفزازك بقدر الإمكان، ولكن، يبدو بأنني فشلت، ماهو السؤال الذي يمكن أن يستفزك؟

ـ بعد هذه الأسئلة، أشعر بأني كنت في نزهة سينمائية جميلة بصحبتكَ، لا أنكر بأنك حاولت أن تكون مستفزاً أحياناً، ولكني أحب دائماً الصدامات، والأسئلة الاستفزازية، ولذلك كنت أشعر بالكثير من المتعة حينما كنت أحاول الإجابة على أسئلتك الثرية، ولذلك يستحق الأمر لقاءنا قريباً، وليس الصدام بيننا.

 
 
 

سابق

>>

29

30

31

32

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)