كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 

سابق

>>

01

02

03

04

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
حوارات عن النقد السينمائي

حاورهم: صلاح سرميني

 
 
أحمد القاسمي
 
 
 
 
 

سيرة

 
 

أحمد القاسمي - تونس

أستاذ سيميائيات الأدب، والسينما بكلية الآداب، والفنون، والإنسانيات (منوبة ـ تونس)، يهتم بالقصّ الأدبي، والسينمائي نقداً، وإنشاءً، يكتب السيناريو التلفزي.

ناقش أطروحة دكتوراه بالجامعة التونسية بعنوان "التقبل السينمائي للقصّ الأدبي" واشتغل على اقتباس السينما للقاهرة الجديدة، والخبز الحافي،..

صدر له zapping (رواية)، مسافرون (نصّ مسرحي)، وجمالية الحكي بين الصياغة الأدبية، والمعالجة السينمائيّة (أثر نقدي)، وأخرج للسينما الفيلمين القصيرين : "تقريب أزواج"، و"سرور" .

 

   
 

عناوين الحوار (مانشيت)

 
 

يتوالد المعنى في الصورة السينمائيّة عبر تداعي الأفكار

 

السينما تقع في صميم التفاعل الحضاري.. يعهد إليها أن تحصّننا حضاريّاً، أقصد أن ترصد صورة أمينة لذواتنا بمحاسنها، وعيوبها

 
 
 
 
 
 

المشاركون

 

 

الأمير أباظة

 

إسراء إمام

 

أحمد القاسمي

 

أحمد ثامر جهاد

 

أحمد حسونة

 

أحمد شوقي

 

أحمد عبد الرحيم

 

أحمد فايق

 

أمل الجمل

 

ديانا جبور

 

رامي عبد الرازق

 

رانيا يوسف

 

ساسية مسادي

 

صفاء الليثي

 

طارق الشناوي

 

طاهر حوشي

 

عائشة الدوري

 

عبد الكريم قادري

 

عبد المحسن المطيري

 

عدنان حسين أحمد

 

عز الدين الوافي

 

علا الشافعي

 

علاء المفرجي

 

فراس الشاروط

 

مجدي الطيب

 

محمد بو غلاب

 

محمد اشويكة

 

محمد بنعزيز

 

محمد رضا

 

محمود الغيطاني

 

محمود قاسم

 

ناجح حسن

 

ندى الأزهري

 

نزار شهيد فدعم

 

نضال قوشحة

 

هاشم النحاس

 

هدى جعفر

 
 

الحوارات تتواصل

 
 

تفاصيل الحوار

 
 

·        د. أحمد، الناقد الحقيقي الجادّ يتعامل مع الأفلام بمنطقٍ محدد له معاييره العلمية، هل هناك معايير علمية للتعامل مع الافلام؟ كما يكتب أحدنا "آليات النقد السينمائي"، "أسّس النقد السينمائي"، "الشروط الحقيقية للنقد"، هل فعلاً هناك آليات، وأسّس، وشروط؟

- هل تتوقع أن أصادق على أن النّقد علمٌ صحيحٌ ينتهي إلى نتائج قطعيّة ثابتة؟ أنت تخاطر، فلو فعلتُ ذلك، لن يبذل قارئ واحد وقته الثمين ليتابع هذا الحوار،.. لا يعدو ما ينتهي إليه النقد بشأن فيلم مّا أن يكون وجهة نظر، وتأويلاً مشروطيّن بخلفيات النّاقد النظريّة، والجماليّة، والثّقافية، و"إمبرتو إيكو" يؤكّد ألمعيّته النادرة حينما يقدّر أنّنا نعرف بكلّ تأكيد أنّ تأويلا مّا رديء، ولكنّنا لا نعرف مطلقاً كيف نثبت أنّ تأويلا مّا جيّد، أو صحيح، والحديث عن آليات، وأسس، يتعلّق في تقديري بالمنهج الذي يجب أن يكون علميّاً : أقصد، كيفيّة وصف الأثر السينمائي، وتأويله، وكيفيّة الاستدلال على النتائج انطلاقاً من المقدمات، والمصادرات حتى نرتقي بالنقد، ونبتعد عن الكتابة المزاجية التي تعشق، فتجامل، أو تكره، فتُعادي، وفي الحالين تظلم الفيلم.. 

·        تعتقد إذاً بأنه يتوجب على الناقد أن يرتدي صدرية بيضاء قبل أن يشاهد فيلماً، معوّلا على هذه الأسس، والمعطيات المحدّدة؟

- نعم يرتدي صدرية بيضاء، هل أضيف أنه يعتمد مشرطاً، وحقناً أحياناً، أنت تعلم أنّ التشريح العلمي للآثار الفنيّة لم يوجد إلاّ في أذهان بعض الحالمين زماناً،.. ولكن ذلك لا يعفينا من "معطيات محدّدة" منها الثقافة السينمائيّة العميقة: ما تعلّق منها بتطوّر جماليات الإبداع السينمائي من حقبةٍ إلى أخرى، ومن مدرسة إلى أخرى، ومن جنس إلى آخر،.. وما اتصل منها بمعرفة التقنيات السينمائيّة كخصائص البناء الدرامي، وسلم اللّقطات، وحركة الكاميرا، وما كان على علاقة بعناصر قائمة خارج النصّ الفيلمي مأتاها وحدات الناقد الثقافيّة، وخبراته الاجتماعيّة، وتذوقه الشخصي أحياناً،.. هذا يعني أنّ النقد السّينمائي مسألة جديّة تقتضي نّقاداً جادين، ولكن، بالمقابل، لابد أن نكون على بيّنة من أمر، فمن الخطأ أن نتحدّث عن نقد سينمائي مطلقاً، فنضع مختلف مستوياته في سلة واحدة، فثمّة الخبر الصحفي السريع الذي يتعلق بالحيني، وثمة التغطية النقدية في المجلات المختصّة التي تتطلب من صاحبها مواكبة مختلف الأفلام، والمهرجانات، وثمّة القراءات المتأنية التي تبحث في الفيلم باعتباره خطاباً فتعمل على الوقوع على القوانين الناظمة للفن السينمائي عامّة، أو لمدرسة ما، أو تعمل على رصد المؤثرات الفاعلة في تشكيل فيلم بعينه، وسبب هذا الاختلاف يعود إلى طبيعة الوسيط المعتمد في نشر هذا النّقد، كـأن يكون جريدة يومية عامّة، أو ملحقاً فنياً، أو مجلّة مختصّة، أو بحثاً أكاديمياً كما يعود إلى طبيعة المتقبل، وانتظاره، فقد يكون قارئاً مستعجلاً ينشد الخبر، أو باحثاً متأنياً ينشد الإفادة المعرفيّة مما يقرأ، أو المجادلة، ودفع الرأي بالرأي النقيض.

·        شخصياً، لا أفهم هذا الربط بين التذوّق الشخصي، والكتابة الذاتية المرتكزة على حصيلة عامة من الخبرات المعرفية المتحررة من أي أسّس، وقواعد، ومعطيات، وبين التحليل العلمي الذي يُحيلني مباشرة إلى مراكز البحوث، والمختبرات.

- لا أعتقد أنّ النّقد السينمائي ينتمي إلى برزخ خاص معلقاً بين السماء، والأرض..  إنه وليد محصلتنا من المعارف المتراكمة، فقد مرت المباحث النقدية الفنيّة عامة من التّذوق الشّخصي إلى النقد المدّعي للعلميّة تأثرا بمنجز الفلسفة الوضعيّة إلى أوهام البنيويّة التي تعمل على التركيز على النصّ بإعتباره بنية مغلقة،.. ولكن الفكر الإنساني يتطور بالإفادة من أخطائه، وما انتهت إليه المراجعات العميقة اليوم أن قراءة الأثر تفاعلٌ بين عناصر مختلفة: ما يحفّ بعمليّة الإنشاء، وتتأثر بخلفيات المبدع، ووجهات نظره الجمالية، والفكرية، وظروفه المادية، وما يتعلّق بالمتقبّل، وخبراته الجمالية، ومعارفه، وما له صلة بالنصّ ذاته، وكما ترى إذن، فقراءة فيلم مّا على صلة في آن، بالتّذوّق الشّخصي، وتراكم الخبرات المعرفيّة، ومراكز البحوث، والمختبرات، وهذا وجه الإبداع فيها،.. وتغليب عنصر على آخر يتعلّق بثقافة الناقد، أو بطبيعة الوسيط الحامل للنص النقدي، وإنتظارات المتقبل كما كنت قد أسلفت الذّكر،.. أنا شخصيّاً، باعتباري باحثاً في سيميائيات الأدب، والسينما، أميل إلى القراءة المتأنية التي  تصدر عن "أسس"، وآليات"، و"شروط" وُفق تعبيرك،.. ولست معنيّاً بالإطلاع على كل ما يُنجز في أوانه بقدر ما أنا مأخوذ بالقوانين العامة الناظمة للإبداع السينمائي عامّة.

·        تتحدّث عن وجه الإبداع في النّقد؟ كيف يمكن أن يكون النقد "إبداعياً؟

- يدّعي الناقد أنه يعرض معنى الفيلم،.. ولكن إلى أيّ حدٍّ يمكننا أن نصادر على أن الفكرة (ص) هي المعنى الحقيقي لهذا الأثر، لأفصلْ أكثر: يتوالد المعنى في الصورة السينمائيّة عبر تداعي الأفكار، وتجاورها، ويتقبلها ذهن المتفرّج كما يتقبل المعنى في الكناية، أو المجاز المرسل أساساً، لنعرض شيئاً من فيلم "صمت القصور" لبسط فكرتي: يبدأ الفيلم بصور من راهن "علياء" مدارها على ذهابها إلى القصر للتعزية إثر موت (سيدي علي)، ثم ينصرف إلى صور مفترضة منشؤها ذاكرة الشّخصية، ومدارها على ماضي طفولتها، ومراهقتها في القصر نفسه بين عالم الخدم حيث تعيش أمها في الطّابق السّفلي، والإضاءة الداكنة، والأسمال البالية، وعالم السّادة حيث يعيش "سيدي علي" والدها من علاقة خارج أطر الزّواج، عالم الإضاءة الفاقعة، والبهرج، فتتخذ الحكاية اتجاهاً عكسيّاً، وبدل أن تمدّد خطيّاً، وتتجه إلى الأمام متبعة سهم الزمن، تلتفّ حول نفسها، وتلج أكثر فأكثر داخل أعماق الشخصية، وتجعلنا نرى من خلالها تقابلاً بين عالم الخارج المرجعيّ (الواقع التونسي في نهاية النصف الأول من القرن الماضي)،  وعالم الباطن النفسي، والذهني (حالة القلق الوجودي الذي تعيشه "علياء" نتيجة لاضطهاد المرأة، واستباحة الرجل لجسدها، ونتيجة لما تعانيه من تمييز اقتصادي، وغيره)، وتقابلاً بين عالم الأعلى حيث السادة الذين يعيشون حياة مترفة منعّمة تلهيهم عن حالة البلاد، وعالم الأسفل في الأقبية حيث الكادحين المنشغلين بالشأن السياسي، وبمقاومة المستعمر، وتقابلاً ثالثاً بين عالم الماضي، زمن الطفولة البريئة، وعالم الحاضر، زمن الوعي الشقيّ، فإذا الفيلم لا يعرض مغامرة في نهايتها يتزوّج البطلان، ولا يستمد قيمته منها بقدر ما يأخذنا إلى إنعكاس هذا العالم المعقّد على نفسية "علياء"، إلى حيرتها، وإرباكها، وآلامها، ويأخذنا بالنتيجة إلى الإنساني فيها الذي يختزل مأساة المرأة العربيّة عموماً، لا يصرّح الفيلم بشيءٍ منها هذا، وإنمّا يظل يحفّز إدراك المتفرّج الضمني باستمرار لينحو هذا المنحى في الفهم، والتأويل، موظّفا الحيل الفنيّة المبتكرة، فيورد أفكاره في شكل احتمالات كامنة طيّ اللقطات، بعضها ينفلت عن وعيّ المخرجة نفسها.  وهذا ما يجعلنا نتحدث عن احتمالات للمعنى تختلف من متقبلٍ إلى أخر، ومن ناقدٍ إلى آخر بالنتيحة،.. وما يجعلنا نتحدث عن نقدٍ إبداعي.

أستطيع الآن أن أعرّف النقد، بأنه تلك القراءة التي تلتقط احتمالات المعاني الكامنة، والمنفلتة عن الفرجة الهادئة المطمئنّة المكتفيّة برصد السطوح،.. فيها يتحوّل النّاقد إلى شريك للمبدع، فيسهم إسهاماً فاعلاً في تحديد خارطة المعنى في لحظةٍ مّا،.. على أن هذه الخارطة لا تكفّ عن التّحول، فتُشكل عند ناقدٍ ثان من احتمالات مغايرة للأولى، وربّما مناقضة تماماً.. ولكنها تظل مقبولة طالما حازت شرط الاتساق، والتناغم، بحيث يكون الفيلم دعوة مفتوحة إلى عقد شراكاتٍ متعدّدة تتجدّد مع كلّ قراءة جديدة.

·        هذا يجعلني أستدعي قول المخرج الفرنسي "فرانسوا تروفو" : كلّ واحدٍ لديه مهنتان، مهنته الأصلية، وناقد سينمائي، ما هي المهنة الأصلية للناقد السينمائي ؟

- هل تنتظر أن أقول لك إنّ مهنة الناقد تمييز الجيّد من الرديء كما في غربال نعيمة؟ هل تريدني أن أمدح دوره التربوي، وإسهامه في تثقيف المتفرّجين، وتهذيب أذواقهم.. هل تريدني أن أمنحه دور مدرّس الصفّ الابتدائي الذي يساعد المتفرّج على الفهم؟ هذه التصنيفات مغرية في ظاهرها ترضي نرجسيّة البعض، وتجعلهم من كبار المتفرجين الذين يشاهدون الأفلام نيابة عن الجمهور العريض، وأقيس تسميتي هذه على كبار الناخبين في سباق الوصول إلى البيت الأبيض،.. على العكس تماماً، فأنا أميل إلى القطع مع كلّ تصوّر يقصر النّقد على دور الحانوتيّ الذي يصل بين حلقة للإنتاج، وأخرى للاستهلاك مقابل هامش ربح، أو الصيرفي الذي يميّز القطع الأصليّة من المزيّفة، ويقدّر قيمتها،.. وأنا أقرب إلى منح الناقد منزلة الشريك الكامل في عمليّة الإبداع بما يثوّر من احتمالات المعاني التي تبقى كامنة، وما يبعث من نشاطٍ في "خلايا الفيلم النائمة"، بل أذهب إلى ما هوّ أبعد من ذلك: أن الفرجة نزهة في أدغال الصور، ولعبة مسلية تحاول الإمساك بإحتمالات معانيها، وبالمقابل، يكون النص لعوباً مخاتلاً يشاهد المتفرّج بقدر ما يشاهده هذا المتفرّج: فيتوقّع مسارات عمله الذهني، وردود أفعاله، ويستدرجه إلى الانخراط العاطفيّ مع بعض المواقف، أو يخيّب توقعه ليفاجئه بما لم يدر بخلده.. وكثيراً ما تساءلت: من يتسلى بالآخر، الفيلم، أو المتفرّج؟

خذّ نموذجاً لمكر الأفلام، ولؤمها: في الرّجل صاحب الكاميرا (L’homme à la caméra ) يبدو "فرتوف" متغنيّاً بالصّورة الغيريّة للإنسان، فيُذيب الفرد في الجماعة، ويجعل الخلاص الفرديّ رهين التّكافل الاجتماعي، ولكن خلف هذا السّطح الظّاهر من الفيلم تبيّن القراءة المتأملة طبقة ثاوية عميقة تسكنها الأنا، فتعلن عن ذاتها متعاليّة متضخّمة في نرجسيّة، عاملة على صرف الأنظار إليها دوناً عن سائر الجماعة متباهيّة بفضلها، وتميّزها، فالرّبط العضويّ بين الرّجل، والكاميرا يحوّل مركز الثقل فجأة من التّغني بالصّيرورة الجماعيّة التي عليها مدار شرعية النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وقتها، إلى مدح ممتهن السّينما الذي يرى بفضل الكاميرا ما لا يراه الآخرون، وتمكّنه عينه الميكانيكيّة الصّافيّة من خرق الحجب، وإدراك بعد من الثورة البولشيفية غير متاح لغيره، فلولا الكاميرا التي يحمل لظل نجاحها خفيّا، لا يُدرك، ومن ثمّة يقدّم الفيلم هذا السّينمائيَ (فرتوف ضمناً) ناطقاً رسميّاً باسمها، ويجعله فنانها الذي يلهب حماسة الجماهير منتزعاً دوراً طالما لعبه الأدب، متهماً إياه بالعجز عن تجاوز المحليّة الضيقة مقارنة بالبعد العالميّ للسينما...

يتسلى المتفرّج بالفيلم ما في ذلك شك،.. ويتسلى الفيلم بالمتفرّج، وهو يسلب إرادته، ويوجّه تأويله الوجهة التي يريد، ولكنّ قراءة الفيلم تضحي مصدراً لغبطة النّاقد السينمائي الذاتية، فهي تتيح له أن يتسلى برصد الصراع العاتي بين المبدع، والمتقبّل، المتخفي تحت سطح التواصل، والفرجة الممتعة، ويكشف لؤم هذا، وذاك، والمكائد التي يدبّرها كلّ طرف إلى الآخر: أقصد أنه يرصد ما يبذله الفيلم من جهد لتوجيه إدراك المتفرّج الضمني إلى تأويلاتٍ يريدها هو موظفاً الحيل المبتكرة، ويتوّقع ممانعة المتفرّج المشروط بذائقته، وثقافته السينمائيّة، ووحداته الثقافية، ويقدّر ما يمكن أن ينتهي إليه من الاحتمالات،.. ولكن، والناقد يتسلى بلعبته هذه، إنما هو يمنح الفيلم حياة جديدة،.. ألم نقل إنه شريك كامل في العمليّة الإبداعيّة؟

·        من يمنح الناقد حق النقد؟ ومن يمنحه الحق في هذه الشراكة، ويسمح له بأن يتسلى بهذا الصّراع بين المبدع، والمتقبّل؟

- يستمدّ الناقد هذا الحق في قيمة ما يكتب، ثم نبحث عن هذه الجدارة ثانياً في قيمة المؤسسة التي يعمل بها، فلا شكّ أن جريدة (....) لا تقبل أن يعمل بها ناقد مفتقر للعمق، والنباهة، إن عزّ وجود هذا الحق في الجهتين، فيمكننا وقتها فقط أن نبحث له عن شرعيّة في الشهائد التي يحمل..

·        معظم النقاد العرب اعتادوا على اعتبار الفيلم نصّـاً، ويبحرون في المنظور السهل: الحكاية، ومواقف أبطالها، وكيف صاغها المخرج، وما يطرحه خلالها من مواقف، وما هو موقفه منها، وبعض الكتبة يُبحرون في سرد النصّ كما لو كانوا يقرأون كتاباً، وليس فيلماً. أنت أيضا تعتمد مصطلح النص الفيلمي بكثرة.

- أنتَ محقّ في ذلك، فأنا أعتبر الفيلم نصّاً، ولكن، لا أعتقد أنني ألتقي مع هؤلاء الذين عينتهم من جهة المقاربة،.. أقدّر أنّك تغمز إلى أولئك الذين ينصرفون إلى تلخيص أحداث الفيلم، فيعرضون قصّة أدبيّة قريبة مما بات يصطلح عليه اليوم بالتقصيص (La Novellisation) التي تعمل على تحويل الأفلام إلى حكايات أدبية بعد نجاحها، وهي الحركة المُعاكسة لتحويل القص الأدبي إلى السينما المعروف بالاقتباس (L’adaptation)، هذا التلخيص يتغاضى عن سمة معيّنة من السينما، وهي أنها خطاب بصريّ أساساً يستمدّ عبقريته من تشكيل الصوّر، وبناء الحبكات، وأساليب المونتاج،.. أنا أعتبر الفيلم نصّاً من منطلق منهجيّ مغاير تماماً، فهو كذلك، لأنه بنية داخلية مترابطة ذات إمتداد معيّن، ووحدة كلية على قدر كبير من التشفير المتكتّم على خلفيات جماليّة، وفكريّة، وهذا ما يُوكل إلى النّاقد فكّ شفراته بناءً على معارف مختلفة، منها الفلسفي، ومنها الحضاري، والفني، والتاريخي، والنفسي، والاجتماعي، والنقد السينمائي بتبنيه لمفهوم النص السينمائي هذا، ومن هذا المنطلق وحده، يدخل دائرة تحليل الخطاب.

·        لا يمكننا أن نتحدث عن النّقد دون أنّ نتحدّث عمّا ننقد، هل تعتقد أنّ السينما العربية بخير؟

- هل تريدني أن أقول إنها بخير، أو أن أعلن احتضارها، وأستعدّ لمراسم جنازتها؟.. اعذر عجزي عن الإجابة المباشرة المختزلة، دعنا نذكّر بأنّ السينما مزدوجة الهوية، فهي فن، واستثمار في آن،.. هذا ما شكّل نقطة قوتها عند الغرب، ومنحها استقلالها، ومكانتها،.. ولكن، للأسف، مثّل هذا المعطى، عندنا، مقتلها الذي يعلمه أعداؤها جيّداً. فتكلفتها المرتفعة، وحاجتها إلى الدعم يجعلانها، غالباً، مستطيعة بغيرها في تبعيّة لجهات مموّلة تريد منها ما لا يريده الفنّ، والتجارب التي حاولت أن تتخلّص من هذه المعضلة كثيراً ما ارتمت في محظور آخر، هو السقوط المدوّي في دائرة السهولة، أقصد الميلودراما المثيرة التي تورّط المشاهد المتعطش للمغامرات في الأثر عاطفيّاً، وتوفّر له فرجة آمنة، واستهلاكاً لذيذاً بدل أن تكون مصدر إزعاج، وطرحاً للأسئلة الحارقة المنفّرة أحياناً، فنحن الآن أمام معادلة عجز المنجز السينمائي إلى كسرها: سينما طلائعيّة، وجمهور مختص قليل العدد، وعجز مادي بالمقابل، أو سينما استهلاكية سطحية المعالجة، وجمهور أعرض..

مشكلة السينما العربيّة تنحدر من جهة الإنشاء أيضاً، فكثيراً ما تكشف الأفلام أنّ سينمائيينا تقنيون أكثر مما هم مبدعون، أو فلاسفة يحاكون المنجز السينمائي العالمي دون معرفة بالخلفيات الجمالية، والفكرية، وبدل أن تكون وظيفة هذا المبدع الخلق، والابتكار، تتحول إلى المسخ، والنسخ، هل أوسع إجابتي لأتحدث عن كيفية منح الدعم، وطبيعة التظاهرات السينمائيّة ؟ ما ذكرته يمثّل مشكلات بسيطة مقارنة بما في تصوّرنا لهذا الفنّ نفسه من القصور، فما يغيب عنّا اليوم، أن السينما كفّت عن كونها أداة للتسلية كما كانت زمانا حينما خوّلت للأخوين لوميير عرض أفلام في مقاهي باريس أمام عدد محدود من الجماهير،.. لقد أضحت بالمقابل أداة لخلق الوعي الجماهيري، ولتشكيل تصورات الوجود،. نعلم جيّدا أنّ الإنسان لا يدرك الوجود الخارجي مباشرة، وإنما من خلال وساطة العلامات، والأنظمة الرّمزية،.. وفي البدء كانت الكلمة كما يُعلن الكتاب المقدس، أمّا الآن فالكون للصورة، لذلك نقدّر أنّ التآمر على السينما اليوم من قبل السلطات، أو المؤسسات المالية الربحية، أو من قبل الخلفيات الرجعيّة التي تجد فيها ترفاً فكرياً تحول دونها دقة المرحلة، والحاجة إلى توفير لقمة العيش، ومروقاً أخلاقيّاً انسحابٌ من المعركة الثقافية، والحضاريّة يمنح الآخر الفرصة ليشكل وعي ناشئتنا بما يريد هو.

وتكون استجابة الشّاب في هذه الحالة بالانبهار بالآخر، والحلم بالتماهي معه، فيتغاضى عمّا بينهما من الاختلاف الثقافي، وهذا يؤدي إلى رفضه لواقعه، وإلى اغترابه في المكان، أو يعرض عن الدعوة كلّياً، فيرفض الآخر رفضاً مطلقاً، ويحلم باستعادة عهود غابرة، فيًسقط على ماضيه أحلامه، ورغباته، ويصوّره عالم الخير المحض، والسلف الصالح، والمدينة الفاضلة، وهذا يؤدي إلى رفضه لراهنه، وإلى اغترابه في الزمان.

نحتاج اليوم بأن تعي مختلف النّخب أنّ السينما تقع في صميم التفاعل الحضاري.. يعهد إليها أن تحصّننا حضاريّاً، أقصد أن ترصد صورة أمينة لذواتنا بمحاسنها، وعيوبها، وتدفعنا إلى التسليم بها أوّلاً، وإلى العمل على تجاوز نقائصها لتقترب ممّا نقدّر أنه المثالي،..  كذلك هو الفنّ يحفر فيما يبدو ساكناً منتظماً ليكشف ما يوجد تحت السطوح من الفوضى، والهنات، ويحلم بالكمال دون أن يدركه، هذا ما سيجعل السينما العربية بخير، وحتى نختم، أذكّر أنّني لا أعتقد مطلقاً أن قتل يد الغدر، والإرهاب لمن عمل على تغيير صورة العرب، والمسلمين عند المتفرّج الغربيّ من خلال رائعتيه "الرسالة"، و"عمر المختار" مجردّ مصادفة،.. إنها رسالة تبعث بها السماء كما في التراجيديات الإغريقيّة لتحذرنا من نهاية مأساوية محتملة للسينما العربيّة، ولكن حتى لا أغرق في التشاؤم، وحتى لا أحبط عزائم من يكابدون من أجل "سينما عربيّة مناضلة" دعني أقل، أنّ وجود أفلام عربيّة طلائعيّة اليوم يعدّ في حد ذاته إنجازاً يستحق التّنويه، والإشادة.

 

 
 
 
 

سابق

>>

01

02

03

04

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)