كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 

سابق

>>

01

02

03

04

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
حوارات عن النقد السينمائي

حاورهم: صلاح سرميني

 
 
إسراء إمام
 
 
 
 
 

سيرة

 
 

إسراء إمام - مصر

خريجة إعلام القاهرة 2010، بدأت بكتابة النقد السينمائي فى مواقع إلكترونية عديدة: البداية (قبل إغلاقه)، مجلة مصري، أهل البلد، عين على السينما، وفي صحفٍ مثل: جريدة القاهرة، والحياة اللندنية.

 

 

   
 

عناوين الحوار (مانشيت)

 
 

النقد هو القدرة على التعامل مع العمل الفنيّ برؤيةٍ تحمل موهبة يجعلها تستشعر نقاط قوته، وضعفه، وتوضح بعض مواضعه المُلتبسة

 

نوعية الفيلم هي التي تحكم نوع المقال (تحليلي ـ تفسيري/نقدي، أو تمييزي)

 

الناقد ليس مطالب أن يتوجه إلى كلّ الجمهور، تماماً مثل الفيلم السينمائي

 
 
 
 
 
 

المشاركون

 

 

الأمير أباظة

 

إسراء إمام

 

أحمد القاسمي

 

أحمد ثامر جهاد

 

أحمد حسونة

 

أحمد شوقي

 

أحمد عبد الرحيم

 

أحمد فايق

 

أمل الجمل

 

ديانا جبور

 

رامي عبد الرازق

 

رانيا يوسف

 

ساسية مسادي

 

صفاء الليثي

 

طارق الشناوي

 

طاهر حوشي

 

عائشة الدوري

 

عبد الكريم قادري

 

عبد المحسن المطيري

 

عدنان حسين أحمد

 

عز الدين الوافي

 

علا الشافعي

 

علاء المفرجي

 

فراس الشاروط

 

مجدي الطيب

 

محمد بو غلاب

 

محمد اشويكة

 

محمد بنعزيز

 

محمد رضا

 

محمود الغيطاني

 

محمود قاسم

 

ناجح حسن

 

ندى الأزهري

 

نزار شهيد فدعم

 

نضال قوشحة

 

هاشم النحاس

 

هدى جعفر

 
 

الحوارات تتواصل

 
 

تفاصيل الحوار

 
 

·        إسراء، قرأتُ لك كتاباتٍ نقدية عن السينما، المسرح، والتلفزيون، أين تموقعين نفسكِ، هل أنتِ ناقدة سينمائية، أو فنية، ماهو الجانب الذي يشدكِ أكثر ؟

ـ أحبّ الفنّ بشكلٍ عام، وأقدر على تذوقه، ولهذا، ليس لديّ مشكلة في الكتابة عن أنواعه، ولكن السينما هي إنتمائي الأول، والأخير، والأولوية الفوقية لكلّ شيئ.

·        لاحظتُ بأنك تنهي كتاباتك بعنوان فرعيّ (آخر كلمتين)، وأجدها وسيلة أسلوبية للتحايل على نسيان بعض الملاحظات التي لم تكتبيها في النصّ؟

ـ "آخر كلمتين" ليست تحايلاً على نسيان الملحوظات الصغيرة، ولكنها المكان الأنسب لتوظيفها، ولا ألجأ إلى هذه التفصيلة بغرض تميزي كما يعتقد البعض، وإنما لأنني دوماً أجد مشقة في توظيف بعض الملحوظات التى لا تتعدى سطراً، أو سطرين، بين فقرات المقال، أو فى ذيلها .

·        في العادة، يعمد بعض نقاد السينما العرب إلى إجراء حواراتٍ مع ممثلين، ومخرجين، ولكن، لم نتعوّد أن يتحاور ناقدان، لماذا لم يفكر النقاد بهذه المُناظرات الفكرية ؟.

ـ تجنح الطبيعة البشرية في العام إلى الإهتمام بظواهر الأمور، وإن تملصت المجتمعات الأجنبية من أعراض هذا الداء، فإنه يسكن قلب المجتمعات العربية، فالظواهر هي جُل ما بات يُوجه أحكامنا، وإنطباعاتنا، وأولوياتنا، والناقد، على الرغم من إنتمائه إلى شريحةٍ أخرى مُتنحية عن تلك الأفكار، يظلّ يحمل، ولو بعض ملامح المنظومة التي يعيش فيها، فتراه في مواضع معينة يفكر بنفس الطريقة المُعتادة في موقفٍ مُشابهٍ لما طرحته في سؤالكَ، وتظلّ، بالنسبة له، عملية الحوار مع صانع الفيلم أكثر ألقاً، ...والحقيقة، يمكن الحصول على حوارٍ أكثر ثراءً مع مُشاهدِ متميز جداً، وليس فقط مع ناقد.

·        وأنتِ الناقدة السينمائية الشابة (جداً)، .... تُشير الأجواء الحالية إلى مزايداتٍ على موضوع الشباب من الطرفين، الشباب، والأقلّ شباباً، وهذه ظاهرةٌ لا تخصّ السينما وحدها، وإنما كلّ مجالات الحياة، وتدعمها الخطابات الثورية التي سوف تصبح لاحقاً مصيدةً يقع فيها الشباب أنفسهم.

ـ الشباب في قدرتكَ على أن تكون نفسكَ، تحتفظ بفكركَ طازجاً، وتدع سطوركَ مُكتنزةً، وحيوية، فهو لا يرتبط بالمرحلة العمرية، وإنما بإمكانية الشخص على إستيعابه لذاته، والتعبير عنها، كلما تغيّمت صورتكَ الحقيقية أمام ذاتكَ، بدت أفكاركَ عجوزة، لأنها تحمل من الإدعاء ما يشيّب وقعها على الآخرين، وكلما توافقت مع مكنونكَ، كلما أنعشتَ بأفكاركَ مَن حولكَ، وإحتفظتَ للصبا بمكانٍ أبديّ في عقلكَ، لذا، يختلف معياري عن كلمة شابٍّ، وبالتالي، هذه الأنواع من الإشكاليات لا تُثير إهتمامي.

·        ولكنني أقرأ خطاباتٍ تدعو، وبطريقةٍ "تحقيرية"، إلى إزاحة جيل الكبار بحجة أنهم كانوا جاثمين لعقودٍ طويلة، وفي أول إمتحان للبعض من هؤلاء الشباب، أجدهم غارقين في أفكارٍ ضبابية، وعديمي الخبرة تماماً في مجال عملهم، وهنا أتساءل : كيف يمكن لهم قيادة مؤسّسات سينمائية كبرى ؟.

ـ هذه النظرة التعميمية لمفهوم الكبار، والشباب تجسّد المتن الأساسي لحالة الإرتباك، إذا توقف طرفا الصراع عن توصيف أنفسهم، والبحث جماعياً عن الأجدر، لإنتهينا من هذا الجدال، ولكن، تحولَ اللغط الأكبر لـ "خناقة" من أجل إثبات جدارة اللقب ذاته، وغاب مفهوم الحكم على مهارات أحدهم بشكلٍ مستقل،.. أيّ شخص فى مكان غير جدير به يستحق أن يُنحى لحساب من يفوقه فاعليةً بعيداً عن المُسميات، والفئات، والتصنفيات التى تُشوّش على الإختيار، وتمنح الوضع بعداً آخر لا يمّت بصلةٍ لخدمة القضية الأساسية، من الجائر أن تُصنف صدأ فئة عمرية متقدمة بأكملها لمجرد الحكم المُطلق، وكذلك أيضاً تتهم الشباب بالضبابية، هنا تكمن المأساة !، يُذكرني بمثالٍ طريف يشتبك فيه الزوج، والزوجة فى عراكٍ على إسم طفل لم يُولد من الأساس.

·        حسناً، دعينا نتوجه في منحى أخر، تنظيريّ إن صحّ التعبير، ونتحدث عن النقد، وهي تبدو كلمةٌٌٌٌٌٌ مزعجة، تُثير المشاكل، والخصومات بين النقاد، والمخرجين (ورُبما بين النقاد أنفسهم)، مرتبطةً غالباً بالكشف عن الخلل، العيوب، والسلبيات، ..ماذا يعني "النقد السينمائي" بالضبط ؟ وهل يمكن إستبدالها بكلمةٍ أخرى أكثر رقة، لطفاً، ورحمة، ..

ـ النقد هو القدرة على التعامل مع العمل الفنيّ برؤيةٍ تحمل موهبة يجعلها تستشعر نقاط قوته، وضعفه، وتوضح بعض مواضعه المُلتبسة، وترى أطروحته بعينٍ ثاقبة أكثر من المشاهد العادي، وتُعيد صياغة ذلك مجتمعاً مع مخزون فكريّ يمتلكه صاحب هذه الرؤية، والذي قد يمكنه من الوصول مع القارئ، أو المشاهد إلى إشكالية جديدة على مستوى التلقي، أو صناعة الفيلم بشكلٍ عام.

ولأنّ كلّ هذا يندرج تحت أكثر من مستوى لا يتوقف عند مسألة التقييم، وكفى، يمكن أن نجد مصطلحاتٍ كثيرة تعبر عن مفهومه، لا يُشترط أن تكون أكثر رقة، ولكن، المهم أن تكون على قدرٍ من إستيعاب، وتعبيرية عن هذه العملية المُعقدة.

·        طيب، سوف أتمادى أكثر في المُشاكسةِ، هل كلمة "تميّيز" مناسبة، وهكذا نقول "التميّيز السينمائي"، "إسراء إمام" تعمل "مُميزة سينمائية"،...أو "تحليل"، فتصبحين "محللة سينمائية"، أو رُبما، كما يُقال : "فهم العمل"، أو "تفسيره"، وهنا، نطلق عليكِ صفة "فاهمة سينمائية"، أو "مفسّرة سينمائية"...؟

ـ نوعية الفيلم هي التي تحكم نوع المقال (تحليلي ـ تفسيري/نقدي، أو تمييزي)، ثمة أفلام لا تتضمن بُعداً يُعوّل عليه في التحليل، وبالتالي، يكون الجزء الأغلب من المقال نقديّ، على العكس من أفلامٍ أخرى قادرة على إستفزاز الناقد في الكشف عن ما ورائيتها، لأنها بالفعل تملك أكثر مما يبدو، وهنا يميل المقال للكتابة التحليلية التي أحبذها دوماُ، وأرى فيها الناقد أكثر من إنشغاله بإبراز نقاط الضعف، والقوة، وتفنيد الإيجابيات، والسلبيات، فالقارئ يحتاج أكثر إلى ما يُحفزّ مخيلته، وإدراكه البصريّ، وعملية تلقيه بالإرتقاء بذائقته، وقول "المشهد الفلاني بديع" لا يكفي فضول المتفرج المُحبّ للسينما، ولا يجعل القارئ العادي فضوليّاً، وإنما تفسير "لماذا كان المشهد الفلاني بديعاً" يفيد الشخصين على حدٍّ سواء، وقد يخلق منهما صانعيّ أفلام.

·        في الوسط الفني، والسينمائي تحديداً، نسمع، ونقرأ أحدنا يكتب عن النقد "البنّاء"، أو "الهدّام"، متى يكون النقد "بناءً"، أو "هداماً" ؟

ـ يكون النقد هداماً عندما يتجنى على الفيلم بجهل كاتبه، قوامها عدمية الإمتاع، وهو جزءٌ لا يتجزأ من العملية الإبداعية، ولكنه، في حدّ ذاته، شعورٌ نسبيّ يختلف من شخصٍ لآخر، وهذا ما يؤكد عليه "جوزيف.م.بوجز" في كتابه (فنّ الفرجة على الأفلام)، وبالتالي، قد يكون الإمتاع حقّ للمشاهد العادي في تقييم الفيلم، إنما لابدّ أن يتجاوزه الناقد عندما يرغب الكتابة عن فيلم لم يُمتعه، الإفتقار إلى هذا الشعور يكون مدخلاً للأحكام العامة على الفيلم بأكمله، ويُظلم جمالياته، وقيمته الكامنة، هذا إلى جانب عملية الخلط، والإنطباع المُسبق، أحياناً يكتب الناقد عن الفيلم الفلاني، وهو يضعه بشكلٍ، أو بآخر في حالة مقارنة بالمعنى الحرفي مع أصله الأدبي مثلاً، أو يحتفظ بإنطباعه السلبيّ عن عمل مخرج ما حينما يكتب عن آخر أفلامه، وأيضاً، ليس بالضرورة أن أكتب مقالاً كي أنحاز للفيلم الفلاني، أو ضدّه، وإنما لابد أن تحمل الرؤية التي أقدمها عن الفيلم للقارئ شيئاً من التوازن، والموضوعية حتى، وإن إنتهى رأييّ المُجمل بالإيجاب، أو السلب.

·        يكتب أحدنا "آليات النقد"، "أسّس النقد"، "الشروط الحقيقية للنقد"، هل هناك فعلاً آليات، وأسّس، وشروط ؟

ـ السينما عمليةٌ إبداعية، ولهذا أعترض دوماً على إستخدام كلماتٍ مثل : "يجب"، "لا بدّ"، أو "المُعتاد" عند الحديث عنها كمُنتج نهائيّ، أو أثناء مرحلة الصناعة، ولهذا، وبالتبعية، يتصف النقد بنفس السمة، لأنّ الكتابة، والفكر هما عموده الفقري، وكلاهما يحمل صفة الإبداع، ومن الغباء أن أدعو إلى مدرسةٍ ما في النقد تحمل عدداً من الأسّس، أو الشروط، واُلزم الآخرين بإتباعها، ولو إلتزم كل مُبدع بالشروط لظلت الفنون في مكانها لا تتقدم خطوةً واحدة، في كّل يوم تحمل لنا السينما جديداً، تثورعلى السائد، وتحطم المعايير، والبديهيات التي قامت عليها الصناعة، والناقد الذي يعتمد على الشروط، والأسّس، سيقف قلمه، وإستيعابه مذهولاً أمام كل ذلك، فالناقد الجيد من الأساس هو من يُشبه ذاته، ولايستقي خبرة من سبقوه إلاّ ماهو مفيدٌ لإنفتاح شخصيته، لا تقييدها، ويضع عليها شروطاُ وُفقاً لوجهة نظر شخصيات الأسلاف، بينما تعدّ مدرسته الأولى، والأخيرة هي كمية، وكيفية مشاهداته للأفلام، وموهبته في هضمها، والتعبير عنها بما يليق.

·        هناك من يمنح النقد "وظيفةً إبداعية"، هل النقد فعلاً "إبداع" ؟

ـ بالطبع، الناقد الجيد موهوبٌ بالأساس، سواء على مستوي التذوّق ـ وهو مصطلحٌ يحمل في جوفه الكثير من المعاني ـ أو الكتابة، وإن تضافرت في المقال القدرة على إبراز الجانبين حمل الصفة الإبداعية، وأصبح عملاً إبداعياً في حدّ ذاته، يُمتع حسّ القارئ، ويحمّي ملاحظته، ودرجة تعاطيه مع العمل الفني، وإلى جانب هذا كله، يلمس مشاعره، وعقله، ويخلف في نفسه حالةً مستقلة توازي أثر أيّ عملٍ إبداعيّ.

·        يبدو للبعض بأنه كلما كتب عن الأفلام العظيمة، سوف يصبح بدوره عظيماً، وكأنّ عظمة الفيلم سوف ترفع من شأن الناقد ؟

ـ خطأ يقع فيه البعض، وهو التحيّز لنوعيةٍ معينة من الأفلام، وإعتبارها الممثل الأول، والأخير لفنّ السينما، وبالتالي، تصبح هذه النوعيات في صدارة كلّ شيء، المشاهدة، والكتابة، والحكم على الناقد الذي يشاهد،  ويهتم بالكتابة عن غيرها، هذه النظرة الدونية للنوع تدفع إلى التشكيك في قدرة صاحبها في الأساس على التعاطي مع الجماليات، وعلى تمييزها بعيداً عن تلك النظرة التي تمّ توارثها كإنطباع مُسبق، ومتداول، وإذا تمعنت في الأمر، ستُرجع سببه إلى عاملين :

الأول : تقديس منهاج السلف لدرجة التبعية، وتحوّل مفضلات النقاد السابقين إلى أحكامٍ عامة، يرى فيها الجيل التالي شيئاً من الوجاهة، فيتبناها.

والثاني : داء الحكم بالظواهر.

·        هذا يدعوني إلى سؤالكِ : لماذا يتعفف معظم النقاد العرب الكتابة عن نوعياتٍ من الأفلام بعينها : الهلع، الرعب، رعاة البقر، الأفلام الهندية، الجماهيرية،.... ؟

وأيضاً، تتشابه مُدوّناتهم في تناولها للشأن السينمائي العام، بينما نجد مدونة فرنسية مختصة بأفلام الرعب، وأخرى بأفلام الكابوي، وثالثة بتاريخ صالات السينما، ورابعة بالمجلات السينمائية، وخامسة بالسينما الآسيوية، وسادسة بأفلام المبارزة...بالإضافة إلى مواقع خاصة بالمؤسّسات السينمائية الكبرى التي تُعتبر كنوزاً حقيقية للثقافة السينمائية..... فى إعتقادي بسبب العامليّن سابقيّ الذكر.

·        هل تتوّجه الكتابة النقدية إلى صانع العمل، أم إلى الجمهور ؟

ـ إلى كلّ منهما، يتوق الأول (صانع العمل) إلى من يقرأ فيلمه قراءةً متأنيةً قد تُطري عليه من جهة، وتشير بأنه أجاد التعبير عن ما أراده، وقد تجعله يُعيد قراءة مخيلته بطريقةٍ مختلفة، تضيف، وتثبت أن فيلمه يحمل أكثر من بعد، ولا يسعه براحٌ واحدٌ للفكر، ورُبما يُلفت إنتباهه إلى مواضع تغافل عنها، ويمكن أن يتفاداها في المرات المُقبلة، أما الثاني (الجمهور)، يمثل النقد بالنسبة له قيمة مختلفة تتباين مع إختلاف شرائحه، هناك جمهور يعتمد على النقد كدليل مشاهدة، وآخر يعتبره هوايةً معرفية مُكمّلة للقراءة، والسينما، وآخر يجده من أساسيات عملية المُشاهدة ذاتها، وعادةً، النوع الأخير من الجمهور دؤوبٌ لا يتوقف عند حدّ المتابعة، وإنما قد ينضمّ إلى النقاد، أو صُناع الأفلام فيما بعد.

·        في إحدى كتاباته، يقول الناقد اللبناني "محمد رضاً" بأنّ أحداً لم يعدّ يتحمّـل النقد، معظم المخرجين العرب واثقون بأنهم وُلدوا بلا أخطاء، وأنهم ينجزون تحفاً تحيا للأبد...

ـ من حقّ أيّ شخصٍ التشبث بفكره، ومن حقّ الآخر أن يرفضه، في النهاية تنبٌع عملية التغيير من داخل الشخص ذاته، وخاب من يعتقد بأنه وصيّ على غيره، وأنه بمقالٍ نقديّ قد يُعيد إليه صوابه، من حقّ كل مخرج الإعتقاد بأنه أخرج تحفةً فنية حتى ولو كان فيلمه شديد الرداءة ـ طالما هو صادقٌ مع نفسه بعيداً عن الكبر، والمُغالاة، والمصالح، والزيف ـ ومن حقي كناقدٍ أن أستمر في الرفض، وبين معاودته المحاولة، ومعاودتي رفضه، سيكتشف نفسه، ويعمل عليها، فكلّ منا أصدق ناقد لذاته، بينما الخلط بين النقد، وخلخلة إيمانيات الشخص بنفسه أمرٌ مقيت، ومهنتي هي رفض المُنَتج الذي يقدمه الشخص ـ إن لم يُجيد ـ دون السخرية من الكيفية التي يؤمن فيها بنفسه.

·        هنا أتوقف عند أجزاءٍ من هذه الإجابة، طبعاً (من حقّ كل مخرج الإعتقاد بأنه أخرج تحفةً فنية حتى ولو كان فيلمه شديد الرداءة ـ طالما هو صادقٌ مع نفسه بعيداً عن الكبر، والمُغالاة، والمصالح، والزيف)..من يحدد بأنّ هذا المخرج (صادقٌ مع نفسه، وبعيدٌ عن الكبر، والمُغالاة، والمصالح، والزيف) ؟

ـ لا يوجد معيارٌ حقيقيّ يمكن أن تُثبت ذلك على أحدهم، ولهذا، أنفر دوماً من نبرة الجزم التى يتحدث بها شخص على آخر، وكأنه دخل فى غيبياته مع نفسه، ولهذا، يظل مَن أمامي له الحق في أن يكون صادقاً فى إيمانه بنفسه، طالما لم يكن هناك مواقف صريحة تنافي إدعاءاتٍ اُخذت عليه.

·        هنا، أتذكر ندوة حضرتها في "معهد العالم العربي" بباريس، وبعد عرض أحد الأفلام المصرية، نهض صحفيّ، وقال للمخرج : أنا برفض فيلمك، وجاءه الردّ سريعاً، وأنا كمان برفضك.. في نفس إجابتكِ السابقة، هناك مفرداتٌ أجدها بعيدة عن مفهوم النقد، أهدافه، وغاياته، وهي حكاية التشبث، والرفض،...هل "النقد السينمائي" رفض، أم كشف، وتحليل ؟ هذا الرفض المُتبادل حالة تدميرية للطرفين، حيث لا توجد حقيقة مطلقة..

ـ دعنا نتفق بأنّ جدالنا ينطلق من الإفتراض بأن المخرج لم يُجيد، إذا جاء الرفض بناءً على ما عرّفتُ به معنى النقد فى حديثي السابق، أيّ بعد "لماذا أرفض؟؟" .. كما أنه من حقي التشبث برفضي، لأنني أمتلك أسباباً وجيهة ذكرتها فى مقالتي قائمة على التحليل، هكذا، ومن حقي التشبث بالدفاع عن فيلم فى مقالة ترتكز على نفس الأساس، إذاً، أرى بأنه لا يتنافى الرفض، أو التشبث مع مفهوم النقد.

·        أيضاً، في إحدى كتابات "محمد رضا" يقول : هناك دائماً مسألةٌ سقيمة، ودافعاً ماكراً وراء هذا الفعل، أو سواه، كما لو أنه ممنوع علينا أن نخرج من الصندوق، وأن نفكّـر، وأن نمارس حريّـة التعبير التي نطالب بها كمثقّفين، والمشكلة هي أن هؤلاء "المثقّـفون" هم من سيتصدّى لتلك الحريّـة، رُبما لأنه إعتاد فقدانها. (وأرجو أن لا تغضبي مني ، كما فعل الناقد المصري "مجدي الطيب" ـ لأنني أستعير كثيراً من كتابات "محمد رضا").

ـ تكمن المشكلة من الأساس في مفردة "مثقفين"، والمعنى المُتعارف عليه للثقافة، هذه تعبتر قضية فضفاضة جداً للمناقشة، يتحدث الكلّ عن الثقافة، وينتقي شطراً واحداً من معادلتها، وهو كمّ المعلومات، والإطلاعات، ويتحدث الكلّ عن الحرية، ويحتكرها حقاً لذاته فقط، ورغم إدعاءاته بأنه يتقبل غيره، تجده في أول منحى سلبَ من أمامه حتى حقّ الإعتقاد، فلا هذه هي الثقافة، ولا تلك هي الحرية، ...الثقافة، من وجهة نظري، تتجسّد في قدرة المجتمع بأكمله على تأهيل شخص، بدايةً من منزله، وحتى مَن حوله، كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يتعامل مع أدقّ تفاصيل بيئته، كيف يحترم خصوصية غيره قبل أن ينادي بالحرية في مظاهرة، كيف يشعر بخالقه قبل أن يؤمن به، وكيف ينأى بنفسه عن ربط زيادة حرمانية الفعل، وعيبيته بندرة مشاعه بين الناس،..  وأن يكف عن إستخدام الحياة الشخصية كمتن أساسيّ للحكم الأخلاقي، وهكذا .. الثقاقة، والحرية مفهومان أكبر من إمكانية أن توصف بها شخصاً في المجتمعات العربية مهما إتسعت درجة وعيه، وتفرده، فكلنا، وإن حاولنا الخروج من البوتقة، سيظل جزءاً فينا أسيرها.  

·        هناك ناقدٌ (مُفترض) أحتاج إلى قراءة ما يكتبه مرةً، ومرتين، وثلاثة كي أفهم ما يكتبه، وأحياناً لا أفهم، وهنا أتساءل : كيف يفهمه جمهورٌ متفاوت الثقافة ؟

ـ الناقد ليس مطالب أن يتوجه إلى كلّ الجمهور، تماماً مثل الفيلم السينمائي، وللحقّ، هذه الآراء التي تطالب الإثنين بأن يتناسبا مع كلّ الجمهور تظلم الجمهور في حدّ ذاته، وتنمّي عنده فكرة التقاعس، وسوف يهمل الفيلم الذي لا يستعذب أسلوبه، ويُسقطه من أولوياته، ويرتكن دوماً إلى طاقته المُعتادة في التلقي، ولا يبذل جهداً في التعاطي مع ما يُقدم له حتى يتأكد من طبيعة حكمه، وبالتالي، يرتقي بشكل فُرجته، وإستيعابه، هكذا مع المقال الدسم المُختلف في لغته، فبدلاً من محاولة التعرّف على معنى جديد، وأسلوب مغاير، يهرب، ويلجأ للمعتاد، ومع تبني نفس النظرة في معظم أماكن النشر، تعمّ طريقة الكتابة، وتتبسط أحياناً إلى درجة البلاهة، وعلى قدر تعرّض القارىء للمادة المقروءة المقدمة له، تتوّلد كيفية خبرته فى هضمها، كيف إذاً تنشر مادة ثقافية هزيلة، وتربي القارئ عليها، وبعدها تتهمه بأنه لن يستوعب نقيضها !.

·        وكيف نفسّر الإزدواجيةً في شخصية بعض النقاد العرب، كيف يكون أحدنا ناقداً، ولا يتقبل النقد؟

ـ بالتأكيد، لابدّ للناقد أن يتقبل النقد، بل، ولابدّ لأيّ شخص أن يتقبل النقد، ولكن، هناك فارقٌ بين النقد، ومحاولة الآخرين أن يجعلوا منكَ نسخة تُشبه مُفضلاتهم بشكلٍ مُبطن مُسماه نقد، ولأننا في مجتمعاتنا العربية إعتدنا خلط الأمور، ومُسمياتها على حسب ما تُمليه علينا أغراضنا، أحياناً يتعدى أحدهم على خصوصية فكركَ، ويعمل على تعديله وُفقاً لصورةٍ يُحبذها، ومن ثمّ يقول لكَ : "إزايّ إنت ناقد، ولا تتقبل النقد؟"، عندما أختلف معكَ، هذا يعني بالضرورة إحترام مجهودكَ، وبعدها أملي عليكَ تحفظاتي التي تخصني، ولا تٌلزمُك، ولكن، ما يحدث من طرف شخصين يختلفان الآن يُنافي كلّ هذا، لقد أصبح معنى الإختلاف نفسه مشوّباً، ومشتبهاً به، وبالنسبة للناقد، فإن السؤال التهكميّ المعتاد الذي ذكرته هو أول وسيلة لدفاع أيّ شخص يتعدى على خصوصية، وتركيبة فكره بإسم النقد، أما النقد عندما يبتعد عن تلك النقاط المُلتبسة هو حقّ عينٍ لابد أن يقبله أيّ شخص، وليس الناقد فقط.

·        إسراء، في إجابةٍ سابقة (خدي الأسانسير، وطلعي لحدّ السؤال السابع)، أثار إنتباهي جملةٌ أفرحتني (أعترض دوماً على إستخدام كلماتٍ مثل "يجب"، و"لا بدّ")، حتى وصلتُ إلى إجابتكِ الأخيرة، ولاحظتُ إستخدامكِ كلمة "لا بدّ" التي تكرهينها، وهنا أصابتبي بعض الخيبة..من الكلمة طبعاً...

ـ  ثمة عدد من الـ "لا بدّ" أؤمن بها، تلك التى تدفعك أن تكون على مبعدةٍ من عددٍ آخر من "لا بدّ"  تأكل من نفسكَ، وإحساسك بذاتك، مثلا لابدّ أن لا تتعالى على من يتحدث إليكَ حتى يُمكنك النظر إلى المرآه بصورةٍ واضحة، وأنت ترى نفسك بدون كذب، وإدعاء، ولكن، تظهر لكَ هنا "لابدّ" أخرى شرطية، هى التي تٌحتم عليك أولاً التفريق بين حديث يتوائم مع نفسك، ويُعيد إكتشافها معكَ، وبين آخر يحطّ من معنوياتها حتى وبدون قصد، وكُل منهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها إن فعلته بمهارة، وهى أنك شخص أمين مع حالك قادر على فهم ما يلائمها، وبالتالي، لكَ الحق، وكلّ الحق فى الإعراض عن حديث، والإقبال على آخر، دون أن يخلط أحدهم هنا بين تعاليكَ، ودرجة إستيعابكَ للأمر برُمته، المثالين الذين ذكرتهما عن "لابدّ" فى النهاية يجعلوكَ حراَ على أرضية صلبة، وعلى معنى حقيقى للحرية.

وبعيداً عن كلّ هذا، أحيّيك على حِدة ملاحظتكَ، وأضيف أيضاً بأنني أحياناً ـ ولا أنفي هذا ـ أتفوّه بـ "لابدّ" فى مواضع أخرى لا يمكنني حتى الدفاع عن نفسي فيها، ولا أنتبه إلاّ على ذاتي، وقد وقعتُ فى نفس الشرك الذي أحاول التملص منه، وسرعان ما أتراجع، وأقاوم هذه الآثار القابعة ـ رغماً عني ـ  فى تركيبتي المُنغمسة فى واقع يُحاصرني، وكما قلت لكَ من قبل، كُلنا نحاول الخروج من البوتقة، ولكن، يظلّ جزء منا أسيرها حتى ولو بنسبٍ متفاوتة، المهم أن نعترف بذلاتنا أمام أنفسنا إن وعَينا لها حتى يمكننا معالجتها، وإعتراف المرء بذلاته أمام نفسه "لابد" أخرى أرى وجوبها، وإن لاحظت، كلّ الـ "لابدّ" التى أؤمن بها نابعة من داخل الشخص، وليس من خارجه، وهو ما يتسق مع المفهوم الذى ذكرته بكوّن التغيير ينبع من داخل الفرد، ونفسه أولاً.

·        ماهو تقيّيمك للمهرجانات السينمائية العربية، تلك التي تنعقد في بلدان الخليج تحديداً ؟

ـ يكفيهم فقط الإيمان بأنّ السينما مظهر، ومضمون حضاريّ، وأنا على يقينٍ بأنهم إذا إستمروا في دعم مهرجاناتهم بهذا الشكل المُتفاني، حتى ولو هناك عدد من التحفظات الآن، ستشمل بلادهم فيما بعد طفرة هائلة في تطور الصناعة على كلّ المستويات، إن رغبتَ في شيءٍ بشدة، وسعيتَ إليه، يأتيكَ، وهم يفعلوها، ومن الجائز أن تنقلب معادلات الإنتاج، والريادة السينمائية في وقتٍ قادم بعيد، أو قريب.

·        ماهي هذه التحفظات يا إسراء ؟

ـ أكبرها، من وجهة نظري، الإعتماد على الشكل، وعوامل الإبهار، وإستخدامها أحياناً بشكلٍ مُفتعل فى الترويج للمهرجان تعويضاً عن قيمة الأصالة التى يفتقر إليها، فلا عيب أن تُسخى على مهرجانكَ، ولكن، لا تنجرف فى المنافسة بشكلٍ كبير بداية من هذا المنطلق الذي رغم أنه يُثير تحفظي، إلاّ أنني أجد فيما بين فقاعاته بذور سعيّ حقيقيّ في الدعم، والتمويل، والعمل الواقعي الفعلي، وهذا بالضبط ما أقصد بأنه يمكن جداً أن يقلب معادلة الريادة فى الفترة القادمة.

·        طيب، أعتقدُ بأنكِ لم تتابعي بعد المهرجانات الخليجية (خسارة)، وتكوّنت لديكِ فكرة عامة يتناقلها الذين لم يحضروا هذه المهرجانات، ويريدون بكلّ عزم، وإصرار متابعتها، وتماشياً مع جلد الذات، تعرفي بأننا أكثر من يتحدث بيقين عن أشياء نتخيلها، ونصدقها كي نحتمي خلفها، ولن أنتهز هذه الفرصة، وهذا المنبر لدحضّ هذه الأفكار المُسبقة (شهادتي محروقة، أو مجروحة)، وبما أنني أتصوّر أيضاً بأنكِ لم تتابعي مهرجاناتٍ سينمائية عربية داخل الوطن العربي، وخارجه (إطمّني ح يحصل)، تفضلي إحكي لنا عن المهرجانات السينمائية في مصر.. ومن غير مجاملة.

ـ إعتقادكَ فى غير محله، وفهمكَ لمظهر إجابتي أيضاً بأنني أهاجم المهرجانات الخليجية على الرغم من أننى أراها تعمل بجديةٍ قد تقلب فيما هو آتٍ معادلة الريادة، وهذا الظنّ فى ضمنيّته يطويّ ما تحويه نظرتي لإحساس القائمين على هذه المهرجانات، وتفانيهم فى العمل على مهرجاناتهم جيداً، كل التحفظ فكرة شعورهم دوماً بنقص الأصالة الذي يتعوض فى الترويج لكمّ الإبهار الموجود فى المهرجان، وهذه الفكرة تأخذ من سحر مجهودهم الواقعي الفعلي الذي لا يحتاج لمظاهر فقاعية لتدعيمه.

وتقف المهرجانات المصرية في موضع عكسيّ من المعادلة، حيث أنها تعتمد أكثر على عامل الريادة، فرغم المجهود المبذول، والذي لا يمكن أن ننكره فى ظلّ هذه الظروف المعرقلة لإنسيابية التعامل مع أيّ نشاط ثقافيّ كما يليق، إلا أنها تفتقر لدأبٍ أكثر فى التنظيم، والإهتمام، والعامل الأهم، وهو الرعاية المؤمنة، وليست الواجبة من مؤسسات الدولة بفاعلية السينما كفنّ  يساهم فى الإرتقاء بالمجتمع بأكمله، وبناءً عليه، تقديم الدعم الذى يليق بمستوى هذه المهرجانات، والشأن المصري بشكلٍ عام.

·        في بداية هذا النقاش (أعتبر هذا السؤال الأخير بداية)، دعينا نفترض بأنّ أحد المهرجانات العربية إعتمد جائزةً سنويةً لناقدٍ عربي، ماهي المواصفات المُفترض أخذها بعين الإعتبار لمنح هذه الجائزة إلى هذا الناقد، أو غيره ؟

ـ تتلخص المُواصفات كلها في حتمية أن يكون المسئول عن هذه الجائزة شخصية مُبدعة مُستقلة في حكمها عن المعتقدات الرائجة بحيث لا تتأثر بمنطقها المُطلق حتى وإن أخضعته للنقاش، تأكد حينها بأن الجائزة ستذهب إلى من يستحقها.

·        طيب، لو كنتِ واحدة من أعضاء لجنة تحكيم، وأردتِ منح جائزةَ لناقدٍ سينمائيّ عربيّ، من هو، وماهي مبرراتكِ ؟....يلا با إسراء الجمهور ينتظر......

ـ ليست دبلوماسية، ولكن بالفعل من أقرأ لهم ـ وأحترمهم نقدياً ـ يتميز كلّ واحد منهم بميزةٍ قد يفتقر إليها غيره، ولهذا، أراهم يكملون بعضهم البعض، أو يتفاوتون فى الدرجة التي أفضل كلّ منهم فيها على الآخر من مقالة لأخرى، فلا أجد فينا جماعاً من يمكنك أن تُلقبه بالأفضل على الدوام.

·        إسراء، الجائزة المُفترضة سنوية تُمنح لناقد في كل مرة، ولا أسأل عن الأفضل....بكرة لما تبقي في لجنة تحكيم أفلام لازم في الآخر يطلع فيلم، أو فيلمين، ومش ح تقولي كل فيلم في خواص مختلفة عن الآخر.....وفعلياً رُبما يتبنى أحد المهرجانات هذه الفكرة، وتضطر لجنة تحكيم إلى منح جازة لناقد

كما حصل هذا العام مع تكريم "سمير فريد" في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي 2013

 
 
 

سابق

>>

01

02

03

04

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)