كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 

سابق

>>

09

10

11

12

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
حوارات عن النقد السينمائي

حاورهم: صلاح سرميني

 
 
رامي عبد الرازق
 
 
 
 
 

سيرة

 
 

رامي عبد الرازق - مصر

رامي عبد الرازق ناقد مصري مُقيم في القاهرة، درس الآداب واللغات الشرقية، عضو بالعديد من الجمعيات السينمائية والفنية المتخصصة في مصر والشرق الأوسط، يكتب في العديد من الصحف والمواقع مثل: المصري اليوم - الدستور - البديل - عين على السينما - مسرحنا - الجزيرة الوثائقية

عمل كمحاضر زائر لورش الدراما الإذاعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وغيرها من المؤسسات والمراكز، وشارك بكتابة سيناريو مسلسل تامر و شوقية، صدرت له دراسات نقدية مطولة مع مجموعة من النقاد في كتب دورية وغير دورية من اصدار قناة الجزيرة الوثائقية والمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.

شارك أيضاً كعضو في لجان تحكيم مهرجانات دولية ومحلية ابرزها مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية ومهرجان طنجة للفيلم الوطني وأخيرا عضو لجنة تحكيم النقاد الدوليين (الفيبريسي) بمهرجان كان السينمائي 2015.

 

   
 

عناوين الحوار (مانشيت)

 
 

اكتشاف الناقد لموهبة النقد في نفسه، يعدّ أصعب مرحلة في حياة أيّ ناقدٍ حقيقي

 

أشعر دوماً بأن هناك من يفوقني قدرة، موهبة، ثقافة، وايماناً، بالنقد، والسينما

 
 
 
 
 
 

المشاركون

 

 

الأمير أباظة

 

إسراء إمام

 

أحمد القاسمي

 

أحمد ثامر جهاد

 

أحمد حسونة

 

أحمد شوقي

 

أحمد عبد الرحيم

 

أحمد فايق

 

أمل الجمل

 

ديانا جبور

 

رامي عبد الرازق

 

رانيا يوسف

 

ساسية مسادي

 

صفاء الليثي

 

طارق الشناوي

 

طاهر حوشي

 

عائشة الدوري

 

عبد الكريم قادري

 

عبد المحسن المطيري

 

عدنان حسين أحمد

 

عز الدين الوافي

 

علا الشافعي

 

علاء المفرجي

 

فراس الشاروط

 

مجدي الطيب

 

محمد بو غلاب

 

محمد اشويكة

 

محمد بنعزيز

 

محمد رضا

 

محمود الغيطاني

 

محمود قاسم

 

ناجح حسن

 

ندى الأزهري

 

نزار شهيد فدعم

 

نضال قوشحة

 

هاشم النحاس

 

هدى جعفر

 
 

الحوارات تتواصل

 
 

تفاصيل الحوار

 
 

·        رامي عبد الرازق، أنت سعيدٌ لأنني أصفكَ بالناقد الشاب، ويُحاورك واحدٌ أقلّ شباباً،...حسناً، أرغب بأن تكون هذه الحوارات خارجة عن المألوف، مارأيك ؟.

ـ لقب الناقد الشاب مشجعٌ، وحميميّ، لكنه ملتبسٌ، وشائكٌ، ماذا يعني إلحاق هذه الصفة بمن يمارس النقد، تصنيفٌ عمريّ، من الذي وضعه، ماهي شرائحه العمرية التي تجعل من هذا الناقد شاباً حتى سنٍ معين، ثم نُدرجه لاحقاً في تصنيفاتٍ أخرى : مخضرم، وعنتيل، وغير ذلك؟

لقد كتبت أول مقالٍ نقديّ عن فيلم "المنسي" للمخرج "شريف عرفه"، كان ذلك بمثابة تدريب ضمن ورشة للتعريف بآليات النقد، نظمَتها إحدى الجمعيات السينمائية بالقاهرة عام 2001، كتبته بفطريةٍ، وعفويةٍ إعتماداً على مخزون ثقافي، وحدسيّ (يمكن العثور عليه في بعض مواقع الأنترنت).

كنت وقتذاك في الثانية، والعشرين من العمر، وفي الرابعة، والعشرين إنتظمت في الكتابة شهرياً، في السادسة، والعشرين بدأت أكتب أسبوعياً، وأحيانا يومياً، أيّ أنني أمارس النقد بإنتظام منذ عشر سنواتٍ تقريباً، فهل تلك المراحل العمرية - المُبكرة نسبياً- تجعلني ناقداً شاباً، لا أعتقد ذلك، ولا أقبله من المنظور العلمي، الموضوعي، والثقافي.

في أحد حواراته مع مخرجي السينما، سأل الناقد المصري (الشاب) "سامي السلاموني" المخرج "نيازي مصطفى" : من هو أكثر المخرجين الشباب الذين تهتم بأفلامه؟ فأجابه: "يوسف شاهين".

دعني أمنح هذه اللقطة عمقها، ودلالاتها المقصودة، كان الحوار في أواخر السبعينيّات، وقتذاك كان "شاهين" يقترب من الستين، ثم هل لاحظتَ بأنني ألحقت صفة الشاب بالسلاموني الذي توفى بعد هذا الحوار بعشر سنواتٍ في الخمسينيّات من العمر.

المعنى واضح، من الممكن أن تتجاوز الستين، وتظلّ ناقداً، أو مخرجاً شاباً طالما تمكنتَ من المحافظة على تجدد رؤيتك، وطزاجة أفكارك، ودأبك، وإدراكك دوماً بأنّ الفن- بما فيه السينما- ليس مهنةً، ولكنه إحتياج غريزيّ للبقاء على قيد الحياة، نحن لا نتوقف عن الأكل في سنٍ معينة، لأننا أكلنا كثيراً في شبابنا، وبالقياس المُبسّط، لا نتوقف عن تعاطي الأفلام، والقراءة، والمتابعة، والرصد، والتوقف أمام ظواهر بعينها كي تظل رؤيتنا النقدية شابة، حرة، جريئة، ومتألقة، بإختصار، كي يحظى أحدنا بلقب ناقد شاب، يجب أن يتذكر دوماً بأن ثمة أفلاماً لم يشاهدها بعد، كتباً لم يقرأها، نظرياتٍ لم يسمع عنها، مدارس سينمائية لم يدرسها، أن ينتابه التوّجس، والرهبة في كلّ مرة يرسل مقالاً إلى الجريدة - رغم أنه ينشر بإنتظام منذ سنوات- أن يستيقظ ليلاً لأنه تذكر لقطة، أو مشهداً يريد أن يكتب عنه في مقال قبل أن ينام، ويحمد الله أن لديه متسع من الوقت في الصباح كي يضيفه إلى المتن قبل إرساله.

إذا كنتَ تجد في كتاباتي الطزاجة، إتساع الأفق، العمق، الجرأة، المغامرة الفكرية، التطرق إلى الجديد، والمختلف، الحرص على التوثيق، صحة المعلومة، فإنني في هذه الحالة أستحق صفة الشاب، وأتمنى أن أحافظ عليها، ماعدا ذلك، لا داعي للصفة، ويكفيني الناقد السينمائي. 

·        تشير الأجواء الحالية إلى مزايداتٍ على موضوع الشباب، من الطرفين، الشباب أنفسهم، والأقلّ شباباً، وهذه ظاهرة لا تخصّ السينما وحدها، وإنما كلّ مجالات الحياة، وتدعمها الخطابات الثورية التي سوف تصبح مصيدةً يقع فيها الشباب أنفسهم لاحقاً .

ـ التصنيف العمريّ ـ فيما يخصّ مسألة الشباب ـ تستخدمه الأجيال الأكثر خبرةً، وتمرساً في المهنة للتقليل من شأن، وحجم تأثير الناقد الأحدث دخولاً للمجال، شخصياً، وفي بداياتي، تعرضتُ لهذه المسألة أكثر من مرة، وما زلت أتعرض لها بين الحين، والآخر على إستحياء من قبل البعض، وإن كانت المساحة التي حررتها لنفسي في وجدان القراء، أو المتابعين تحميني الآن في كثير من الأحيان، ربما لأنني راكمت رصيداً لا بأس به لديهم، لقد تجرأت مرة، وتحدثت مع أحد النقاد "الكبار" من جيل الوسط بإسمه دون ألقاب، فقال لي بتأففٍ، وعنف : على فكرة، أنا أكبر منك بعشرين سنة، وأنا اللي علمتك النقد، وقدمتك.

حدث ذلك منذ عام واحدٍ فقط، عندما عرضتُ عليه الإنضمام إلى لجنة تحكيم النقاد في أحد المهرجانات المصرية، نظراً لكوني عضو مجلس إدارة "جمعية نقاد السينما المصريين" الذي يُعتبر سيادته عضواً فيها تحت رئاستي، ومع أنني لم أناديه بإسمه مجرداً إلاّ من منطلق الحميمية، ولكن ردّه العنيف جعلني أدرك بأنه حاول بأن لا يشعرني بأني "كبرت" بالمعنى "النقدي".

·        يبدو من خلال متابعتي للمشهد السينمائيّ النقدي العربي، بأنّ النقاد يعيشون حروباً فيما بينهم، صغيرة، وتافهة، أحياناً مُعلنة، وفي أغلب الحالات مُضمرة، ماهو تفسيرك لهذه الأجواء العدائية، وهل تخفي خلفها مبرراتٍ شخصية، أو إحترافية.

ـ أتفقُ معك في هذه الملاحظة، نعم هناك أجواءٌ عدائية - مُضمرة أحياناً- بين بعض- وأشدّد على كلمة بعض هذه - النقاد العرب، في البداية، كنت أتصورها بين نقاد الجيل الواحد (الكبار)، أو جيل الوسط، ومن تلاهم من جيل أكثر شباباً من الناحية العُمرية، والعلمية، ولكنني، مؤخراً، بدأت أستشعر بأنها موجودة بين أجيال النقاد الأحدث تواجداً على الساحة، ومازال الوقت مبكراً كي تنشغل بمثل هذه العداوات، لأنها لم تثبت نفسها بعد، وللأسف، كلها خلافاتٍ بلا طائل، وأقصد، بأن ثمة ما يُعرف بالمعارك النقدية، أو المناظرات التحليلية التي يصبح فيها العداء، والمواجهة، والتناحر جزء من إثراء الثقافة السينمائية، ومراكمة الآراء النقدية في صالح السينما، والمتفرج، والقارئ، كنت لا أزال غضاً عندما تابعت على صفحات جريدة (أخبار الأدب) المصرية تلك المعركة الشهيرة بين الناقد "د.عبد العزيز حمودة"، و"د. جابر عصفور" حول البنيوية، والتفكيكية، لم أكن أستوعب الكثير من الفقرات، لكن المعركة كانت في نظري شئ عظيم، مثمر، ومؤثر في نفس الوقت.

هل تستطيع أن تقارن الآن بين تلك المعركة، أو عداءً علمياً كهذا، وبين ما يحدث من شجاراتٍ، وتلقيح كلام في المقالات، أو على مواقع التواصل الإجتماعي بين هذا الناقد، وذاك، آخر المعارك النقدية التي أثيرت في مصر ـ على سبيل المثال ـ كانت عن فيلم "تتح" لمحمد سعد، هل تتصور ذلك؟ وسبب تفجيرها كما قيل بأنّ أحد النقاد أراد إنصاف زملاء المهنة - كتاب فيلم تتح- ممن عمل معهم في كتابة بعض سيناريوهات الأفلام قبل سنواتٍ قليلة.

وهناك البعض يوجهون طاقتهم في التقليل، والتحقير من جهد الآخرين حيث يتصورون بأنهم لا يستحقون تلك المكانة، أو المساحة الممنوحة لهم في النشر، أو حضور المهرجانات، إن اكبر صراع نقديّ تشهده الساحات السينمائية بين بعض النقاد في سبيل الحصول على غرفة فندق بأحد الطوابق العالية عند حضور هذا المهرجان، أو ذاك.

وكما لكلّ نجم سينمائي بطانته الصحفية، لكلّ مهرجان بطانته النقدية التي تدافع عنه، سواءً من أجل قيمته السينمائية، أو إنطلاقاً من مصالحهم الشخصية معه، وبالتالي، تجد أحد النقاد ينصب هجومه على مهرجانٍ بعينه، لأنه لم يوجه له دعوة، أو دعاه من قبل، ولم ينتظم في توجيه الدعوة (غالباً بسبب كسل الناقد في الكتابة، والمتابعة)، فإذا ببطانة المهرجان الذي تمّت مهاجمته، يردّون بعنف على هذا الناقد، سواء عبر التنقيب في تاريخه، أو الإدعاء عليه، أو إتهامه بالكسل، أو العمالة لصالح مهرجان آخر منافس، وهكذا، ......فهل هذه معارك تثري الحركة النقدية، أو تراكم لدى القارئ، أو المتفرج مزيداً من الوعي، والحساسية، اللهم إلاّ الشعور بأنّ هذا الوسط أقرب لجليلة، والسلطانة عوالم "نجيب محفوظ" الشهيرة في الثلاثية، واللتان لا تكفان عن الشرشحة لبعضمها في صراعهما الأزليّ على صحبة سي السيد، وشلته.   

·        هل تعتقد بأنّ هناك حروباً، وصراعاتٍ مُماثلة عند النقاد الأجانب ؟

ـ للأسف، لا أعرف، ولكن، من خلال قراءاتي في النقد المُترجم، أتصوّر بأنّ القفزات الهائلة التي حققتها حركات النقد السينمائي، والفني في أوروبا تحديداً كانت بسبب العداء المثمر الذي تحدثتُ عنه أعلاه، لديّ إنطباع بأن النقاد الأجانب، وحتى في خلافاتهم الشخصية، يضمنون للقارئ الحدّ الأدنى من الإستفادة السينمائية، وهذا الأمر لا يتوفر عند النقاد العرب المضمرين للعداء، أو المجاهرين به، نظراً لأنّ دماء ساخنة تجري في عروقنا، إذا ما شرعت في الحرب، فإنها تطبق الكوبليه الشهير (سكت الكلام، والبندقية إتكلمت).

·        في السنوات الأخيرة، عمد بعض النقاد العرب إلى إنشاء مُدوناتٍ شخصية، هل حققت أغراضها ؟

ـ أعتبرها تطوراً طبيعياً للمجتمع، والحضارة الحديثة بمفهومها التقني، والفكري، كلّ ناقد مخضرم، أو كبير إنتبه إلى فكرة المُدونات، وإهتم بها هو ناقدٌ شابٌّ بالتصنيف الموضوعي، حيث تعتبر المدونة مساحة نشر عالمية يمكن قراءتها من أيّ مكان في العالم، مساحة متحررة من آليات النشر التقليدية، ومشاكل التوزيع، تضمن لك أرشيفاً خالداً، بالإضافة إلى أهمّ ما يسعى إليه كاتبٌ، أو ناقدٌ، التفاعل الشخصي مع القراء، ومعرفة صدى الرأي، وقوة الفكرة، وعمق التأثير، عندما تكررت زياراتي للمغرب ضمن العديد من المهرجانات، كان السؤال الأساسي من شباب السينمائيين هناك : ـ هل لديك مدونة سينمائية ؟

إكتشفت بأنهم يتابعون كلّ المدونات السينمائية للنقاد العرب بشغفٍ شديد، ويهتمون بمادتها، وذلك لأن الصحف، والمجلات المغربية لا تمنحهم الكمّ المطلوب من المواد النقدية، كما أن إتصالهم بالمدونات السينمائية المختلفة يشكل لهم مرجعية عن بقية الشاشات العربية خارج حدود بلادهم، والتي لا تعرض في صالاتها غير الفيلم المصري، الهندي، وبعض الأمريكي.

بالنسبة لي، تأخر مشروع المدونة لأني منذ سنوات أواظب على النشر في مواقع إلكترونية، وأحرص على حفظ أرشيفي عبر البوابات الالكترونية للجرائد المطبوعة التي أنشر فيها، ولكن، تظل المدونة أكثر حرية من أيّ موقع، أو بوابة، لأنها لا تلتزم بأيّ سياسة نشر سوى منطق الناقد، وضميره، وحجم رغبته في مشاركة رأيه مع أكبر قاعدة ممكنة من القراء، والمتفرجين.

منذ شهور، وأثناء عودتنا من الدورة الأخيرة لمهرجان دبي السينمائي، تحدث معي الناقد الكبير"سمير فريد" عن رغبته في إنشاء مدونة، أو موقع الكتروني خاص به فقط، لنشر مقالاته، ونسخ الكترونية من كتبه التي تجاوزت الخمسين كتاباً، وبدا متحمساً للفكرة جداً، ومتأثراً أيضاً، ولازلت أتذكر كلمته الأخيرة التي إختتم بها الحديث : أنا تأخرت أوي... 

·        ماهو المقصود بكبار النقاد ؟

ـ يكتسب الناقد الكبير صفته من حجم تأثيره النقدي، الفكري، والوجداني عند القراء، والمتفرجين، والمتخصصين على حدٍ سواء، حتى ولو كان في العشرين من العمر، هو الذي يتمكن من وضع تراكمات الخبرة، المشاهدة، الإطلاع، والدراسة تحت أمر القارئ، والمشاهد في كلّ مقالٍ يكتبه، وبعد كلّ فيلم يشاهده، هو من يتورط في المعارك التي تثري الثقافة السينمائية، وتلهب حساسية المتفرج، وتجعله يشعر بأنّ مشاهدة السينما إحتياج غزيزي، وليست سيركاً قومياً غرضه التسلية، هو من لا يترفع عن مشاهدة أيّ تجربة حتى لو كانت الأسواً لأنّ الطبيب لا يصيبه الغثيان من إفرازات المريض، أعلم بأنها نظرة مثالية، ولكن الصفة ذات شأن هام لا يجب أن تُختصر بمجرد بلوغ الناقد مرحلة عمرية تجعل إحترامه واجباً فقط من أجل سنه، وليس مكانته التي حققها خلال رحلة شاقة.

أما ما اقصده بجيل الكبار، أو جيل الوسط، فهو تصنيف زمني ليس أكثر مضاف إليه التبجيل اللازم للرعيل الأول، والثاني من نقاد السينما العربية الذين شكلوا تيار الحساسية النقدية الجادة، وإستطاعوا بما قدموه من مساهماتٍ أن يعلمونا الفرق ما بين الصحفي الفني، وكاتب الخبر، والناقد صاحب الرؤية، والقراءة، والحس.

·        في مدونته "ظلال، وأشباح"، كتب الناقد اللبناني "محمد رضا" عن الناقد الحقيقي، والناقد المُزيف، هل هناك حقيقيّ، ومزيفٌ في النقد السينمائي ؟

ـ بالطبع، هناك ناقدٌ حقيقي، ولكني أتحفظ على صفة المُزيف، كونها غير علمية، أو معبرة من وجهة نظري، هناك ناقد، أو شخص لاعلاقة له بالنقد، أيّ هناك من يملك الحس، الثقافة، الخبرة، القدرة، التركيز، الطزاجة، الأصالة، الفهم، الإستعياب، الضمير، والدأب، وهناك من لا يملك كل هذه الصفات، أو بعضها، وبالتالي، هو شخصٌ يحاول لغرضٍ ما، مهنيّ، أو شخصيّ، وهو ليس مزيفاً، لكنه ليس ناقداً، وكفى.

·        أقصد، هل يمكن أن يكون الناقد حقيقياً، أو مزيفاً، ما هي المعايير التي تجعلكَ تعتقد بأنّ هذا حقيقي، والآخر مزيف، وكيف تشعر بالحقيقة، أو الزيف ؟

ـ لا يوجد تزييف في النقد، يوجد سرقات – وأنتَ أدرى الناس بها - وتتنوّع ما بين النقل الحرفي، أو غير المباشر عبر القراءة، وإعادة الصياغة، وهناك الإدّعاء، ويمثل مرحلة أصعب في الإكتشاف، لأنّ الناقد لا يقوم بتحليل الفيلم، أو تقديم قراءته الخاصة، أو حتى العامة، بل يكتب عن الفيلم، ويحكي قصته، أو علاقته بالممثلين، أو مغامراته في المشاهدة، أو بعض أسرار التصوير، والكواليس الصفراء من نوعية الإشارة إلى علاقة المخرج بالممثلة الشابة التي تمّ إفراد مساحة دورها على حساب النجمة التي رفضت دخوله حجرتها، وهكذا، وينتهي المقال كما بدأ دون طعم، عمق، معنى، أو تحليل.

البعض يضع هذا الإدعاء تحت خانة "النقد الإنطباعي"، وهو يمثل جهلاً، وإساءة للنظريات الإنطباعية في التحليل.

أكثر تعريفٍ لفكرة الناقد تأثرتُ به، وشغلني كثيراً، هو الذي كتبه "سامي السلاموني": الناقد متفرجٌ عادي، ولكن مضاف إليه أشياء أخرى.

هذه الأشياء الأخرى، ذكرتها عبر إجاباتي السابقة، وأزيد عليها، أن اكتشاف الناقد لموهبة النقد في نفسه - والنقد أحد مواهب الكتابة - يعدّ أصعب مرحلة في حياة أيّ ناقدٍ حقيقي، لأنه من السهل أن يشعر أيّ منا في شبابه، أو مراهقته بالرغبة بأن يكون رساماً، شاعراً، أو روائياً، ولكن، لا أذكر بأن سين، أو صاد من النقاد شعر في مراهقته، أو فتوته بموهبته في النقد، ورغبته بأن يكون ناقداً، إنها تصاريف غريزية تطفو على سطح الشعور، والذهن، وتهيئ الشخص تدريجياً لإكتشاف ذاته النقدية، والتعبير عن كمّ الناتج الوجداني الذي يتراكم في داخله كلما شاهد فيلماً.  

·        في يوم ما أنشأ ناقدٌ مدونةً متخصصة تهدف إلى كشف السرقات الأدبية في مجال الثقافة السينمائية، هل أثمرت تلك الجهود في التقليل منها ؟

ـ كنت أتصوّر بأنه ناقدٌ مدّعيّ، ولكني تيقنتُ من عمقه، وحقيقته عندما أنشاً تلك المدونة، فإذا إعتبرنا المعارك النقدية عداءً مثمراً، يمكن أن نعتبر تلك المدونة جمعية خيرية تهدف إلى تقديم المساعدة للنقاد الحقيقيين الذين يتعرضون يومياً للسرقة من قبل "حرامية الرؤية"، وذلك عن طريق المقارنة الجادة بين الأصل، والمسروق، وفضح السارق، أو مدّعي الإقتباس دون الإشارة للمصدر، وردّ الإعتبار إلى صاحب المتن الأصلي، هناك نقاد لا يهتمون بالبحث وراء سارقيهم، أحياناً ترفعاً، واحياناً أخرى قلة حيلة، وكانت المدونة أحد وسائل الحفاظ على ميثاق شرف مهنيّ يخصّ الوسط النقدي، ويدعم قيم النزاهة، والموضوعية، وفي فترة نشاطها كانت تمثل فزاعةً حقيقية لكلّ من تسول له نفسه السرقة، أو الإقتباس المُخل، ذات مرة، لجأتُ إليها عندما تعرضت لسرقةٍ سافرة من إحدى الصحفيات الفانيات- وليس الفنيات- في موقع سينمائيّ مغمور، عندما لطشت رسالة نقدية مطوّلة عن مهرجان سالونيك الدولي ساعاتٍ بعد نشرها في موقع "المصري اليوم" .

·        في تلك الفترة، كتب البعض، بأنها ليست وظيفته الكشف عن سرقات الآخرين، ولم تكن مبادرته أكثر من تصفية حسابات، بعد تلك المُواجهات، توقفت المدونة ؟

ـ مسألة وظيفة الكشف عن سرقات الآخرين هي عملٌ خيريٌّ تطوعيّ، لأنه لا يوجد شرطة نقدية تحاسب السارق، أو الُمقتبس، أو المُدعي، ويصعب على القارئ غير المتخصص أن يستخلص الأصلي من المسروق، خاصة إذا قرأ المسروق أولاً، وربما إتهم صاحب الأصل بالسرقة، وفي النهاية لا يعنيه من سرقَ من، وجمعيات نقاد السينما في العالم العربي تنأى بنفسها عن الخوض في هذه النزاعات، وتستشعر الحرج، لأننا "ولاد كار واحد"، أو لأن السارق، أو المدّعي عضواً بها، أو تربطه بأعضائها علاقة وطيدة.

إتهام صاحب المدونة بتصفية الحسابات هو أسرع وسيلة للتخلص من الإتهام بالسرقة، أو النقل السافر من قبل الطرف المفضوح، خاصة لو كان السارق يعلم حقيقة ما فعل، ويريد أن "يغلوش" عليه، أيّ يعتم عليه بالمصري.

كنت، ولازلت مع بقاء المدونة في إطار "إمسك حرامي"، واللجوء إليها من قبل النقاد لردّ الإعتبار، وإثبات الحق، أما أن تتحول إلى منبر للهجوم على هذا الناقد، أو ذاك، أو تصيد الأخطاء، أو الإعلان عن فضيحة سرقة دون التأكد من أساسها التقني، فهذا مرفوض، ومن الصعب تقبله، صحيحٌ بأنها لم تصل إلى هذا الحدّ، ولكن، المسألة تماماً كما ذكرت، هي أشبه بجمعية خيرية من الممكن أن تقدم يد المساعدة للمحتاجين، أو تستولي على التبرعات، وتحوّلها إلى رأس مال خاص بها.

·        هناك إزدواجيةً في شخصية بعض النقاد العرب، كيف يمكن أن يكون ناقداً، ولا يتقبل النقد ؟

ـ دعنا لا نُعمم الصفة على الجميع، ونحاول وضع الأمور في إطار واضح : ما هو نقد النقد، أو نقد الناقد ؟ هل مجرد التسفيه من رأيّ الناقد، أو الهجوم عليه إنطلاقاً من رأيه السلبي في فيلم عظيم، أو العكس، هذا بالطبع ليس نقداً للناقد، ولكنها خناقة شوارع، لأنه من حقّ الناقد أن يقول رأيه كما يتفق مع رؤيته، منهجه، خبراته، وحساسيته، وفي هذه الحالة، يجب عليه أن يدافع عن رأيه الذي يؤمن به، ووجهة نظره، وإلا، لن يحترم نفسه، أو يحترمه أحد، بالطبع، البعض يترفع عن ذلك، وأنا منهم، مؤخراً إنتقدت بشدة فيلم "أحمد مكي" الأخير"سمير أبو النيل"، وتفرغ أحد الزملاء إلى تفنيد النقاط التي ذكرتها في مقالي حتى بدت مقالته أشبه بأجوبةٍ على أسئلة إمتحان وضعته فيه، أو وضع هو نفسه فيه، وبالطبع، لم أهتمّ بالرد، أو الدخول معه في جدل عقيم، لأنني قلت رأيي، بينما هو كتب رأيه في رأيي، وليس في الفيلم، وهذا لا علاقة له بالنقد، ولا بالسينما، بل، بتجارة الخردة.

أما إذا إقتصر الأمر على نقد بعض المعلومات الخاطئة في مقال الناقد، فهو من باب التصويب، والناقد الذي لا يحترم التصويب ليس بناقد، وإنما بلطجي يريد فرض منطقه غير السليم، أو معلوماته الخاطئة بالذراع.

نقد النقد يأتي عبر الرجوع للمتن الأصلي، أيّ إلى الفيلم، في حالتنا كنقاد سينما، بمعنى، إذا قرأت نقداً لم يعجبني منهجه، أو وجدته متعامياً عن بعض الشواهد السلبية الواضحة، أو الإيجابية البراقة، أو متجاهلاً إياها عمداً، أو سهواً، فإن أفضل نقد بأن أقدم قراءتي النقدية الخاصة للفيلم بالمعطيات، والمنهج الذي أراه مناسباً، وبالعمق الذي يرضيني، ويحقق لي التأثير المرجو في نفسية القارئ، والمشاهد.

في أغلب الأحيان، أكثرية النقاد العرب يكتبون نقداً تطبيقياً، إنطباعياً، أو حدسياً، ونسبة مساحة التنظير، أيّ الخروج بنظرياتٍ سينمائية، أو فيلمية جديدة شحيحة جداً في إنتاجاتهم، وبالتالي، فإنّ نقد النظرية غير وارد في مسألة إبداء الآراء بين النقاد العرب، وإنما نحن نبدي رأينا في آراء بعضنا، وليس في الجثة التي من المفترض تشريحها، والوقوف على طبيعة خلقتها الفيزيولوجية.

النقاد الذين يكتبون في مدوناتهم الخاصة، أو في المواقع الإلكترونية، هم أقلّ إزدواجية من أقرانهم أصحاب المساحات المطبوعة، لأنّ القارئ، أياً كان موقعه، أو تخصصه، يدخل في ثوان لإبداء رأيه في المقال، سلباً، أو إيجاباً، وهو علاجٌ فوريّ من أيّ إزدواجية، أو رفضٍ للآخر، وخاصة، بالنسبة لمن ينصب نفسه قاضياً يحكم بحياة فيلم، أو موته.

·        عندما عمد ثلاثة إلى تأسيس "إتحاد دوليّ لنقاد السينما العرب"، ظهرت عوائق، وإشكالياتٍ من بعض الأشخاص في مصر، وكانت لديهم إعتراضاتٍ على التسمية نفسها "دولي"، ولماذا يتأسّس من طرف نقاد المهجر، والأهمّ بأن هؤلاء يؤسّسون ذاك الإتحاد لأغراضٍ شخصية، ومصالح، ومنفعة، ومن ثمّ توقف المشروع تماماً ؟

ـ سوف أدّعي المكر، وأقول : فين السؤال ؟، ولكنني أدرك تماماً فحوى الطرح الذي تقدمه، في الحقيقة، لم أتابع تلك الإعتراضات رُبما لأنني وقتذاك كنت منهمكاً في الدراسة، ومحاولة مراكمة رصيد من الإنتاجات حتى أتمكن من طرح إسمي كناقدٍ بين "الكبار"، شخصياً، وبغضّ النظر عن جنسيتي، لا أجد أيّ مشكلة في منح صفة دولية على الإتحاد، الفن نتاج دولي بالأساس، والسينما هي العالم، والناقد جنسيته السينما، عندما أقرأ نقداً لناقد سوري، لبناني، أو مغربي، فأنا أهتم أولاً بالمتن، والمادة، وجنسيته آخر ما يشغلني، ونحن نقرأ نقداً لكاتبٍ لبناني عن فيلم جزائري، ونجده يقدم قراءةً أكثر عمقاً من تلك التي قدمها ناقد من نفس جنسية الفيلم، كتب الناقد الفرنسي "أندريه بازان" : يجب أن تكون السينما الفرنسية سينما أولاً، ثم فرنسية، أيّ تعبر عن الثقافة الوطنية بلغة السينما، وبالقياس نفسه، يجب أن يكون النقد ممنهجاً، وسليماً بالأساس قبل أن يكون مغربياً، لبنانياً، أو مصرياً.

من جهةٍ أخرى، لا أدرك فحوى مصطلح نقاد المهجر، قرأت عن شعراء المهجر، أما نقاد المهجر!!!

فهل تركت المهرجانات السينمائية العربية، والدولية مساحة لأن يطلق على هذا الناقد، أو ذاك ناقد مهجريّ! أيّ غير متابع لسينما بلده، دعك من المهرجانات، هل ترك الأنترنت فرصة لأن يدعي أحد النقاد بأنه لا يتابع سينما بلده لأنه يعيش في بلد آخر، ومن هنا يعتبر نفسه ناقداً مهجرياً !!

مسألة الإعتراضات على الإتحاد تخصّ مفاهيم بالية : الريادة، الأصل، الحق التاريخي، ..وأننا أول من فعل، ومن أقدم على،... السؤال الحقيقي الذي كان يتوّجب طرحه، ولم تتمّ الاجابة عليه هو :

ما هي آليات عمل ذاك الإتحاد، أهميته، نشاطاته، وإضافاته التي سوف يقدمها للسينما المنتجة في الدول العربية، الثقافة السينمائية، والنقد السينمائي المكتوب باللغة العربية، وعلاقة السينما، والنقد بالمتلقي العربي، وغير العربي.

أعلم بأنه كان هناك تصورات، وأسس عمل، ونقاط توضيح، ولكن، لا شك أن الحساسيات القومية، والإنغلاق الذهني، والوجداني أكبر من أيّ محاولات للإقناع، أو تسيير الأمور، إذا أردت الصولجان، والعرش فخذه، ولكن، قل لي كيف ستدير دفة السلطة، أو ماذا سوف تضيف لي كمواطن في مملكة النقد الواسعة، كان يجب أن يأتي الإعتراض الحقيقي بدعم التجربة حتى النهاية، وإستخلاص النتائج إذا كانت صادقة النوايا، واضحة المميزات، أم تستحق كلّ إتهام، ورأيّ مخالف وقف أمامها. 

·        ماهو تقييمك للمهرجانات السينمائية العربية، تلك التي تنعقد في بلدان الخليج تحديداً ؟

ـ نبدأ من مهرجانات الخليج  كونها الأحدث، والأكثر تأثيراً في بلادها، والمنطقة العربية كلها، في البداية، أصارحك بأنني لا أعترف بأنه لا يليق بدول ناشئة سينمائياً أن تقيم مهرجانات سينمائية، لم أفهم ابداً ما يقصده أصحاب هذا المبدأ، ما علاقة صناعة السينما بوجود مهرجان سينمائي يعرض للجمهور من محبي السينما، والهواة، والراغبين في الإستفادة من عالمها الواسع، أحدث، وأهم الأفلام العالمية في ظروفٍ، وآليات عرض ممتازة تليق بمستوى الأفلام المعروضة، وبقيمة السينما كفنٍ وجدانيّ، وفكريّ عظيم.

وكيف يمكن أن تتطور السينما في بلدٍ ما، أو منطقة جغرافية، بدون أن يتعرف أهلها على تاريخ السينما، وحاضرها، وأحدث إنتاجاتها، بل، ويجدون نافذة لعرض تجاربهم، مهما كانت بدائية، إذا لم يكن لديهم كياناً يسمح لهم بذلك، وجمهوراً يتلقى، يُشجع، يُحبط، أو ينصح.

منذ أن أطلق "مسعود أمر الله" مسابقة أفلام من الامارات في أبو ظبي، ومن ثم إلتحق بمهرجان دبي السينمائي، وبعدها أسّس مهرجان الخليج في دبي.. تلا ذلك ظهور مهرجان أبو ظبي على الساحة، ولاحقاً سعت قطر لتنظيم مهرجان الدوحة، ومن قبله مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية، بإختصار أصبح لدى صُناع السينما الخليجيين فرصة حقيقية لتشكيل نواة قوية، ومتجذرة لنشأة السينما في بلادهم، ولا أحد يمكنه أن ينكر فضل هذه المهرجانات في تطور صناعة السينما في الخليج، ووجود مئات من التجارب القصيرة، والتسجيلية، والعديد من الأفلام الروائية الطويلة التي وجدت في المسابقات، والجوائز المادية، والمعنوية كنزاً لا ينضب من الدعم، والتشجيع، وإتاحة الفرصة للنقاد، والسينمائيين من كلّ العالم المجيئ إلى الصحراء- بالمعنى الإيجابي- كي يتعرفوا كيف يصنع أبنائها سينما تعبر عنهم، وعن واقعهم، وتقدم صورة حقيقية عن مجتمعاتهم بعيداً عن الصورة النمطية للخليجي الخالد في كباريهات شارع الهرم في السينما المصرية، أو الثريّ العربيّ الساذج في الأفلام الصهيونية الهوليودية.

ثمّ، ما العيب بأن تنعقد هذه المهرجانات بمظهر فاخر، وظروف إستضافة خمس نجوم، وعروض راقية، وسوق دولية للفيلم، وبرامج دعم، هذه دول غنية، فلماذا تتقشف في مهرجاناتها؟ هي لا تملك صناعة سينما، ولكنها تحاول اللحاق بركبها في العالم، عليها إذاً إختصار القرن الذي فاتها، ومحاولة تقديم كل ما تستطيع، وتحصل على كل ما تريد من أفلام، ونجوم.

لقد ساهمت صناديق الدعم لهذه المهرجانات في إنجاز العديد من التجارب الممتازة على مستوى الدول العربية التي تملك صناعة سينما متجذرة أقدم من مدن الخليج نفسها، فهل هذا الأمر في صالح السينما، أم ضده ! وماذا أفاد التاريخ الطويل، أو الصناعة المتجذرة صناع السينما الشباب، أو المخضرمين في هذه الدول ؟ مصر تحديداً التي تنفق فيها شركات الإنتاج الكبرى الملايين على أفلام أحمد السقا، وسعد، وحلمي الركيكة - والتي لم تمثلها في مهرجان واحد محلياً، ولا دولياً -، في الوقت الذي لا يجد فيه مخرج كبير مثل "محمد خان" نصف مليون دولار فقط لإنتاج فيلمه الجديد، وتعطل مشروع "رسائل حب" للمخرج "داود عبد السيد" لسنواتٍ بسبب عدم وجود منتج متحمس، أو حتى مشارك.

يقول البعض بأن مهرجانات الخليج تشتري الأفلام بالدعم لحساب العرض العالمي الأول، وهل هذا عيب، أو فضيحة ؟ هل يتضرر الفيلم عندما يتم تمويله بشكلٍ لائق، أو المساهمة في دعمه، ثم عرضه بشكل راقي في قاعة مهيبة، وبحضور مئات السينمائيين، والنقاد، ومثلهم من الجمهور الكوزموبوليتاني ليتم تلقيه بالشكل الذي يشبع صناعه، ويشعرهم بمسؤلية التجربة، ويضعهم أمام ردود أفعال مباشرة، وتقييمات واضحة، ومتنوّعة.

دعنا نتجاوز مهرجان القاهرة، فهو، حتى الآن، لم يعدّ يستحق الحديث عنه، ورغم تولي الناقد الكبير "سمير فريد" مسؤليته، فإن موقع السينما في وزارة الثقافة لا يزال الحاجز الأكبر الذي يتوجب على هذا المهرجان الشائخ تخطيه كي يجدد نفسه، ويعود فتياً يمتلك القدرة على المنافسة بإستغلال المكانة، والتاريخ، وإحياء الجذور الثقافية للسينما المصرية في وجدان العرب من المحيط  إلى الخليج.

لكن، في بلد يسيطر تجار اللحوم، بنوعيه الأبيض، والأحمر، على مقدرات الإنتاج، ومعايير السوق، وأذواق الجمهور، يتفرّغ وزير ثقافته لتصفية حساباته الشخصية مع النقاد، يكفي أننا، ومنذ ثورة يناير لم نتمكن من إعادة مهرجاننا القومي الذي كان ينظم "بثلاثة تعريفة" بالتعبير البلدي، ولا أقصد التكلفة المادية، ولكن الجهد المادي، والمعنوي على حدٍ سواء.

أما مهرجان مراكش، فهو نموذجٌ كامل التنظيم، والرقيّ، والقوة الفنية، والتنوّع، يجمع بين النخبوية، والجماهيرية في معادلةٍ شديدة الدقة، ويصعب صياغتها بهذا الشكل في وقتٍ قصير، فهو لم يتجاوز الإثني عشر عاماً فقط، ومع أن المغرب ليست بنفس القوة الإقتصادية لدول الخليج، إلاّ أنها تمكنت من خلال صرامة التنظيم، ونصاعة الفكر الذي يقف وراء دورات المهرجان أن تقدم كلّ عام نسخاً مميزة، وشديدة الإحكام، وهو ما يعني بأنّ المادة ليست العامل الأساسي في ظهور المهرجانات بالشكل الذي يليق بفنّ السينما، وقيمته، ولكن، الإيمان بالسينما نفسها، وبما تقدمه للعالم من خدماتٍ وجدانية، فكرية، ونفسية جليلة.

·        لو كنتَ في لجنة تحكيم، وأردتَ أن تمنح جائزةَ لناقدٍ سينمائيّ عربيّ، من هو هذا الناقد، وماهي مبرراتكَ.

ـ أمنحها لإسم الناقد المصري "سامي السلاموني"، فقد أتيح لي الإطلاع على أعماله الكاملة، وأستطيع، بكل أريحية إعتباره أحد أهم النقاد السينمائيين العرب في الخمسين عاماً الأخيرة، حسٌ نقديّ مميز، وحاد، سيطرة كاملة على الأفكار، قدرات لغوية في التعبير، والصياغة، محكمة، ودقيقة، مرجعية تقنية، أدبية، سياسية، وإجتماعية يصعب تكوينها في زمن كانت المصادر فيه شحيحة، إستيعابٌ كامل للعديد من المدارس، والمناهج النقدية، وحركة سلسلة فيما بينها، موسوعية سينمائية تجعل من الصعب خداعه، أو الإدعاء عليه، شفافية، وقوة شخصية، وقدرة على التمييز بين الغث، والثمين، جرأة في التعامل مع الرداءة بشكلٍ كاشف، فاضح، بلا مجاملة، أو تذويق، كان شعاره الدائم : ما أروع أن تخسر العالم، وتربح السينما.

·        دعنا نفترض بأنّ أحد المهرجانات العربية إعتمد جائزةً سنويةً لناقدٍ عربي، ماهي المواصفات التي يجب على إدارة المهرجان، أو لجنة التحكيم أن تأخذها بعين الإعتبار لمنح هذه الجائزة إلى هذا الناقد، أو غيره ؟

ـ لديّ إجابتين، الأولى: أحيلك إلى إجابة السؤال السابق فيما يخصّ صفات الناقد الذي يستحق التكريم، والتبجيل، أما الثانية، فهي منحها لأحدث النقاد تواجداً على الساحة النقدية - وأقصد النقاد، وليس الصحفيين الفنيين- تشجيعاً، ودعماً، وإعلاناً بأن النقد لن يموت، وأنه طالما ثمة أقلاماً جديدة تتجرأ في خوض معترك التحليل، والحدس، والتطبيق بكلّ عذاباته، فإن السينما العربية سوف تتطور دائماً، وأبداً حتى وإن لم تصل إلى العالمية بالمفهوم الضيق للعرض، والطلب.

·        أحد المُغرضين أفشى لي معلوماتٍ خطيرة عنك، قال لي حرفياً، بأنك تتابع الكثير من المهرجانات السينمائية، ولا تشاهد أفلاماً، وتقضي وقتك كله في غرفتك، وعلى شاطئ البحر، أو في مسبح الفندق، والأخطر بأنك طوال الوقت تجلس خلف الكمبيوتر تثرثر مع أصحابك عن طريق الفيس بوك، وتسخر من هذا، أو تلك.

ـ هذا صحيح، ومن أجل هذه المُوبقات لا أتمكن من مشاهدة أكثر من ستة أفلام فقط في اليوم، وكتابة عشر مقالات خلال أيام المهرجان، ومراسلة جريدة كبرى، ومجلتين، وثلاثة مواقع الكترونية، ولا أخرج سوى بحصيلة 40 ، او 45 فيلم في أسبوع واحد، بالمقارنة مع النقاد الذين يشاهدون مئة فيلم خلال المهرجان، ويكتبون خمسين مقالاً أسبوعياً، بينما يبررون سمرة جلودهم بالشمس الحامية في دار العرض.

·        بعد هذه الأسئلة، هل تعضّ أصابعك ندماً لأنك قبلتَ أن نتحاور، ألا يستحق الأمر بأن نعلن الحرب بيننا.

ـ على الإطلاق، بل كنت سوف أعلن الحرب عليك إن لم ترسل لي تلك الأسئلة، وتشركني في هذه السلسلة من الحوارات الهامة، ويمكن الإفتراض بأن إجاباتي أقلها قيمة بالمقارنة مع أجوبة الآخرين.

·        ألا تعتقد أيضاً بأنّ هذا الحوار ثرثرةً لا معنى لها نستحق عليه العقاب بدل المكافأة؟

ـ على العكس، بل أتصور بأنه يتوجب إقتسام المكافأة التي سوف تحصل عليها، لأنني أنفقت يوماً كاملاً في محاولة الردّ على هذا الكمّ الخارق من الأسئلة قافزاً فوق أفخاخك التي أعرفها جيداً، ومنشغلاً عن كتاباتي بمحاولة الظهور بمظهر الناقد المحترم ذو الخبرة عبر تنقيح الإجابات، وإعادة صياغتها أكثر من مرة.

·        حاولتُ إستفزازك بقدر الإمكان، ولكن، يبدو بأنني فشلت، ماهو السؤال الذي يمكن أن يستفزك ؟

ـ يقول الشاعر اللبناني "عباس بيضون": من أنا حتى أقف بين المُنشدين، صانعي النعال الذين جاءوا على خيول هزيلة من الوعر. الحطابين الذين خنقوا بالكلس النيران الصغيرة، صبيان الفرانين الذين أشعلوا في الأحياء المستديرة أكياس القش، والخيش، وحشرات الجدران، الفلاحين الذين حملوا نساءهم، وأطفالهم على أكتاف الحمير المسنة، وعبروا بها تحت بدر الحقول ودياناً كالخدوش الجافة.

·        هل تعي مغزى هذه الأبيات ؟

أشعر دوماً بأن هناك من يفوقني قدرة، موهبة، ثقافة، وايماناً، بالنقد، والسينما، ربما كانت مكانتهم، أو موهبتهم تمنحهم حساسية الإستفزاز من هذا السؤال، أو ذاك، أما أنا فلازلت أجيب على أيّ سؤالٍ مهما كان مستفزاً، وكأني طالبٌ مجتهدٌ يعلم أن إجابته صحيحة، ولكنه يشكّ في قيمتها. 

 
 
 

سابق

>>

09

10

11

12

><<<

38

<<

لاحق

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)