حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

قيس الزبيدي:

سرديات بصرية.. مبكرة، مبتكرة، ورائدة

بشار إبراهيم

نال فيلم المخرج قيس الزبيدي «حصار مضاد»، عام 1978، الجائزة الرئيسية في مهرجان «أوبرهاوزن»، الأكثر شهرة عالمياً في مجاله حينها.

إنه فيلم يتناول المعاناة الشديدة التي تحيق بالفلسطينيين الذين بقوا في الأراضي المحتلة. نرى معاناتهم بسبب من الممارسات الفاشية التي يقوم بها جند الاحتلال الصهيوني، ويقدم الفيلم من خلال تصريحات مناحيم بيغن العنيفة، المترافقة مع الصور الدامية، وثيقة بصرية لا تدحض، عن همجية الاحتلال الصهيوني من جهة، وعن صلابة وصمود الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، من جهة أخرى.

هنا ثمة جند مدججون بالأسلحة، ومدنيون فلسطينيون عزل، يتلقون أبشع أنواع الإذلال. ثمة طوابير من الرجال تقف للتفتيش، وأجساد تُسحل على الاسفلت، وبنادق موجهة الفوهات إلى هذا وذاك.. إمرأة تترصدها أعين الجند، وطفلة تمرّ في طريقها إلى الروضة من بين أيدي الجند، وحلقات أسلاكهم الشائكة. حصار يكاد يضيق حتى بالروح بين الجوانح، والأنفاس المترددة في الصدور، ولكن هذا الحصار الصهيوني، سيقابله الفلسطينيون بحصار مضاد على طريقتهم!..

إنه شكل من أشكال السياق الخطابي الذي شاءت أن ترسمه المقاومة الفلسطينية، في السبعينات من القرن العشرين، من خلال التركيز على صورة الفلسطيني الضحية للفاشية الصهيونية، التي لا تقل عن النازية في سلوكياتها، ففي هذا الفيلم ثمة تركيز على صور المدنيين الفلسطينيين العُزّل الذين يبدون رافعين أيديهم مستسلمين لإرادة الجندي الصهيوني، ذي الخوذة المميزة، شاهراً سلاحه، يصوبه إلى ظهور أولئك العزل إلا من عجزهم ومسالمتهم.. وثمة صور لمدنيين فلسطينيين يتلقون الضرب بالعصي، ويُسحلون على الاسفلت، وطوابير ممن يجلسون القرفصاء، يستعرضهم جندي صهيوني مدجج بالسلاح، ومصفحات تجوب الشوارع، منتهكة أمانها، مع لقطة نادرة الذكاء تبين جندي صهيوني يترصد طفلة فلسطينية في سنّ الروضة، تعبر سلكاً شائكاً.. وهي في انحناءتها تبدو أعلى قامة من ذاك الجندي البغيض..

ينتمي فيلم «حصار مضاد» إلى سردية فلسطينية، جديدة ربما، بدأت تتشكل لتقدم صورة عن الفلسطيني وقضيته وصراعه.. وهي سردية وإن كانت مبللة بألوان الخطاب الناشئ فلسطينياً، بسبب التحولات التي حصلت في الواقع العربي والدولي، إثر حرب تشرين الأول/ أوكتوبر 1973، وبدء الحديث عن "مؤتمر دولي للسلام"، وتوقيع تفاهمات واتفاقات الحد من التسلح، وسباقه، بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، بعد ذروتي التصعيد في فيتنام وحرب تشرين/ أوكتوبر، والاعتراف عربياً ثم دولياً، بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً، وخطاب ياسر عرفات على منبر الأمم المتحدة، واتخاذ قرارات تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وقرار اعتبار «الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية».. إلا أن تلك السردية لن تتخلى كثيراً عن نبراتها الأولى، التي رافقت انطلاقة الثورة الفلسطينية، إذ أن الشعب الفلسطيني المثخن بجراح النكبة، ومن ثم النكسة، لم يكن سهلاً عليه تقبل منظومة خطاب جديد، والاعتياد عليها..

وجرأة المخرج قيس الزبيدي في إنجاز هذا الفيلم تتبدى في أنه ينتمي بشجاعة إلى محاولة صياغة خطاب جديد في رؤية الصراع العربي الصهيوني، لا يفلت جوهر القضية/ الموضوع، من جهة، ولا يخضع لابتزازات الشعارات السياسية الرنانة، التي كان من الطبيعي أن تحوز على إجماع الشارع الفلسطيني والعربي المترع بالعواطف. هنا سنجد محاولة مبكرة لمنطقة (من منطقي) الصراع، ومنحه بعداً أكثر موضوعية، ولتأسيس خطاب متقبل من رأي عام عربي وعالمي، يمكنه أن يتفهم جدوى النضال الفلسطيني، بعيداً عن مزاعم (إلقاء اليهود في البحر) ومقولات (كل شيء أو لا شيء).. لكنه في الوقت ذاته لا يمنح الصهيونية أدنى حق في الوجود، ويصر بكل تأكيد على أن يفضح سوءاتها الجوهرية..

في فيلم «حصار مضاد» تبدو شراسة الصهيونية وحقدها وتوعداتها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني، على ألسن عتاة القادة التاريخيين في الحركة الصهيونية، بالصوت والصورة، كما تبدو مدى قدرة الشعب الفلسطيني على التحمل والصمود والقدرة على المقاومة والبقاء.. فلم يعد الأمر حكراً على أحاديث رجال الثورة الفلسطينية، وقياداتها، والوعد بحتمية الانتصار والتحرير، بل يذهب الفيلم نحو ما استطاعه ويستطيعه الصهاينة من ممارسة إجرامية، وما يطلقونه من كلام سيعجزون كثيراً في تحقيقه، بسبب صمود الشعب الفلسطيني، وبسبب عجز الصهاينة عن إيجاد من يتقبل خطابهم الفاشي، لتناقضه مع أبسط حقوق الإنسان.

الإسرائيليون بقوتهم المدججة يحاصرون الفلسطينيين، ولكن الفلسطينيين بضعفهم يحاصرون الاسرائيليين أيضاً.. هذه هي المعادلة (المتحارجة) التي يحاول الفيلم أن يكشف عن حقيقتها، بالشكل الذي لا يسمح للاسرائيليين أبداً بالركون إلى انتصارات حققوها، في غفلة من الفلسطينيين، وتخاذل من بعض العرب، وبتواطؤ من الأمم المتحدة، ومنظومتها الدولية.. وأيضاً بالشكل الذي لا يدع الفلسطينيين يقعون في دائرة الاحباط واليأس، والتردي في مهاوي الانكسار.. وهي لغة جديدة، حينذاك، في حديث السينما الفلسطينية..

***

ومن أبرز ما أنجزه المخرج قيس الزبيدي، في سياق السينما الفلسطينية، سيأتي فيلمه الأكثر شهرة وأهمية، نقصد فيلم «فلسطين.. سجل شعب»، الذي أنجزه عام 1984، والذي نال بفضله، وبجدارة، جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فالانسيا عام 1986، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان دمشق السينمائي الرابع عام 1985.. وسيعتبر هذا الفيلم (الآن، وحتى بعد مرور ربع قرن على إنجازه) وثيقة سينمائية، غاية في الأهمية، إذ يحاول فيه أن يرصد سيرة فلسطين، خلال القرن العشرين، من خلال وثائق بصرية نادرة وحيوية، إضافة إلى تسجيل وتقديم الفيلم لعدد من الحوارات والشهادات مع شخصيات وأعلام ورواد فلسطينيين، أضحوا الآن، بعد مرور وقت، رحل الكثيرون منهم فيه، جزءاً من ذاكرة ووجدان القضية والشعب، وتستطيع أن تعبر بتجاربها الفردية والخاصة عن عموم تجربة الكفاح والنضال الفلسطيني..

نستطيع أن نقول بشجاعة وجرأة إن فيلم «فلسطين.. سجل شعب» للمخرج قيس الزبيدي، هو أحد أهم الأفلام الوثائقية الطويلة التي صيغت حول القضية الفلسطينية، بتاريخها وتطوراتها، بثقة واقتدار!.. إنها (110 دقائق) من التسجيلية البارعة، والوثائق النادرة، المنسوجة بجهد واضح، وتماسك فني وفكري، ينظمه سيناريو مدرك لما يريد قوله، بناه المخرج قيس الزبيدي نفسه، وعبّر عنه التعليق الواعي الذي أنجزه الدكتور "أميل توما"، أحد أهم وأبرز المؤرخين والدارسين للقضية الفلسطينية. ويُذكر أن الوثائق البصرية التي قدمها هذا الفيلم هي مما تمكن المخرج قيس الزبيدي من الحصول عليها من أرشيفات عالمية، ذكر منها أرشيف برلين وبودابست وروما ولندن ووارسو، بينما استحصل على الصور، كما ذكر الفيلم، من مديرية المكتبات والوثائق في عمان و ا. د. برلين..

الأهمية في هذا الفيلم أنه محاولة جادة لبناء رواية تاريخية لفلسطين، والموضوع التاريخي الفلسطيني، اتكاء على مرتكزات بصرية، ومشاهد وصور، تمكن المخرج من صياغتها في نسيج يؤسس لرواية فلسطينية، عن تاريخ مكان محدد (فلسطين).. والمثير في الأمر أن الصور ذاتها، التي لم يكن من الممكن الحصول عليها من قبل، هي ما حاولت السينما الصهيونية عبرها صياغة روايتها للمكان ذاته!..

نحن هنا أمام رواية تريد أن تدحض رواية. نحن أمام سياق فلسطيني متصاعد منذ مطلع القرن العشرين إلى سبعيناته، يسعى لبناء روايته للتاريخ الفلسطيني، الزمان والمكان والبشر، ومجمل فاعلياته.. سياق فلسطيني مضاد ومناقض للرواية الصهيونية وسياقاتها.. لأول مرة سينمائياً (حينها)..

يتبنى الفيلم سرداً تاريخياً يتكئ على التاريخ نفسه، دون أن يستمد أي قوة من الشعار والخطاب!.. وإن كان يأخذ من الشهادات الشفوية لشخصيات عاشت الفترة نفسها، فكأنما هي شفاعات ليس إلا.. التاريخ يتقوى بشهادات أشخاص التقطهم المخرج، ليرووا تجاربهم الحياتية، في الحيز المكاني الفلسطيني نفسه، وربما ساهموا بفعل نضالي كفاحي جهادي، في السياق ذاته..

إنها روايات أشخاص عن تجاربهم في مكان، وليست روايات مكان عبر أشخاص، والفيلم والمخرج يضعهم في سياق رواية للتاريخ.. لهذا فنحن نرى الحدث ونترقبه، أكثر مما ننتظر رؤية المكان.. هنا يقع المخرج في مطب المفارقة (فلسطينياً) بين روايتين.. أعن أشخاص نتحدث أم عن مكان؟.. وهل يمتلك هذا روايته المستقلة عن ذاك؟.. وذاك عن هذا؟.. فأي رواية لشخص بعيداً عن مكانه؟.. وأي رواية لمكان بعيداً عن ناسه؟.. تتمازج أنفاس المكان بأنفاس شخوصه. هو رواية من رواياتهم، وحكاية من حكاياهم.. والمكان (أي فلسطين) عابق بالحكاية.. والأشخاص مترعون بفلسطينهم..

يبسط المخرج مساحة واسعة للتاريخ ليروي حكايته؛ حكاية التاريخ.. ولكنها الحكاية التي يريدها بأبعادها الأيديولوجية، تماماً.. للتاريخ عشرات الروايات، والمخرج قيس الزبيدي اختار إحداها.. ولعل قيس الزبيدي لم ينتبه (بل لعله انتبه) إلى أن روايته للتاريخ التي قدمها في هذا الفيلم ليست فقط في مواجهة الرواية (أو الروايات) الصهيونية، بل أيضاً في تقابل يمكن له أن يحمل معاني التضاد، أو التفارق مع روايات فلسطينية أخرى.. ولعل الحذف الذي عومل به الفيلم، فلسطينياً وعربياً، مع الدقائق الأخيرة من الفيلم (مشاهد خطاب ياسر عرفات على منبر الأمم المتحدة)، دليل على أن فلسطين ليست ذات رواية واحدة.. والمشكلة دائماً أن فلسطين ليست ذات رواية واحدة.. فلكلٍّ روايته التي تتوزع فلسطين، أيديولوجياً.. فهل فلسطين هي رواية قيس الزبيدي، أم هي رواية "العهدة العمرية"، أم رواية منظمة التحرير، أم رواية أخرى، قد يكون لها من هذا وذاك نصيب، أو قد لا يكون؟..

فيلم «فلسطين.. سجل شعب» للمخرج قيس الزبيدي، سيبقى أحد أهم الأفلام الفلسطينية المنجزة، على الأقل لأنه نال شرف محاولة كتابة تاريخ فلسطين، وصياغتها بصرياً، ولم يترك تلك المهمة، لا للصهاينة، الذين اخترعوا وحاولوا روايات وروايات يلبسونها لفلسطين، ولا للكسالى والعجزة من فلسطينيين، ومن عرب، من الذين يتلهون بروايات شفوية تصلح لأحاديث سمر وسهر، في ليال مترعة بالكسل والخمول، وروائح العجز، ودخان السجائر والنراجيل، وفناجين القهوة المرة، وكؤوس الشاي (وربما العرق) والثرثرات الفارغة والشعارات الصاخبة، والتوعدات المجانية، التي لم يكن لها في الواقع أن تخيف أحداً..

يبني فيلم «فلسطين.. سجل شعب» روايته، ويحشد المخرج قيس الزبيدي ما أمكن له من الحصول عليه من وثائق بصرية، ومن مشاهد لم يدر بخلد من التقطها، أن مخرجاً من طراز قيس الزبيدي، سيأتي بعد زمن، يعيد بناءها مونتاجياً، ويمنحها سياقاً، لينسج رواية فلسطينية لذاكرة مكان، هو فلسطين؛ ويقيناً أنهم لو علموا لأتلفوها، إذ أن قيس الزبيدي استخدم الصور ذاتها التي التقطها غربيون، في فترات مبكرة من القرن العشرين، ووضعها في سياق يخدم رواية فلسطينية للتاريخ، تماماً على العكس مما كان من التقطها يفكر ويريد.. ومن المفارقة أن الفيلم لم يجد أي صورة أخذها فلسطيني، أو عربي، شاء أو خطر له ذات يوم أن يكتب بالصورة، ذاكرة فلسطين، السجل، والشعب.. فربما تلك كانت آخر اهتماماتهم..

الجزيرة الوثائقية في

27/07/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)