حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

فى ظل سينما صهيونية تزداد انتشارا وسينما مصرية تزداد شيخوخة وعزلة

مقاومة التطبيع بالسينما.. وليس بشعارات تذهب أدراج الرياح

أحمد يوسف

لا أخفى على القارئ قلقى من أننا أصبحنا فى أفضل الأحوال نسير فى مكاننا، إن لم نكن نتراجع عشرات السنين إلى الوراء، تاركين كل ما حولنا يمضى فى طريقه بينما نكتفى بأن نردد كلمات اعتدنا على ترديدها، فى الوقت الذى كادت أن تفقد فيه معناها ومن ثمّ جدواها. لا أخشى أن أقول إن من هذه الكلمات "التطبيع" لأننى سوف أبدو كمن يدخل فى منطقة ملغومة، لكن ذلك بالضبط أحد أعراض حالة الشلل التى وصلنا إليها، نقف عند الكلمات حتى أنها تبدو مقدسة، بينما المقدس الحقيقى ـ بالنسبة لنا نحن الذين يرفضون وجود إسرائيل وليس فقط أى شكل من أشكال الاعتراف بها ـ هو تحقيق الهدف. 

كثير من أهدافنا تحول إلى كلمات، أصبحت مع الوقت غائمة ومطاطة وحمالة أوجه، تماما مثل "التوريث" وعشرات المصطلحات الأخرى التى ندور فى فلكها دون أن نحدد لها تعريفا واضحا، والتعريف هنا ليس مسألة أكاديمية وإنما عملية، فأنا إذا حددت المصطلح عرفت كيف الطريق إلى تحقيقه، ناهيك عن الرد مسبقا على المناورين والمراوغين الذين يسعون دائما لتمييع الأمور. فلنأخذ "التوريث" مثلا، سوف تجد من يقول لك: أليس جمال مبارك مواطنا من حقه العمل بالسياسة والترشح لأى منصب يراه؟ لا شبهة إذن فى التوريث! وليست القضية بالفعل توريثا، فتلك الكلمة تجعل مصر "تركة" سوف يتهم على الفور من يسعى إلى اعتلاء سلطانها بأنه يريد أن ينهبها لنفسه، وهذا الاتهام حقيقى ما دام الساعون إلى السلطة كما نراهم اليوم لم يتحدثوا حقا فى "السياسة"، لم يقولوا لنا ما هى برامجهم فى كل المجالات، ولم يتطرقوا إلا بكلمات فضفاضة إلى الحديث عن كيف سوف يخرجون مصر من الحالة البائسة التى وصلت إليها، وهذه الـ"كيف" هى مربط الفرس، لكن التوقف عند التوريث يقف عند "لا لجمال مبارك"، وبالتالى "نعم لأى حد غير جمال مبارك". 

إن تلخيص المسألة فى "التوريث" يجعل أفق أحلامنا وتصوراتنا وسياساتنا محدودا وشديد الضيق، تماما مثل "التطبيع" الذى تحول إلى ورقة نتبادل بها الاتهامات، فالذين يرفضونه يتهمون من يوافقون عليه بالخيانة، وهؤلاء الذين يدعون إليه، أو على الأقل لا يمانعون فيه، يصفون خصومهم بأنهم يقفون خارج الزمن، لكننى أعترف للقارئ أننى لم أعد أعرف معنى هذه الكلمة حقا، خاصة عندما سمعت من كان يصرخ منذ سنوات بأنه ضد التطبيع يقول لى بوضوح: "اللى عايز يطبّع يطبّع، المهم إحنا ضد التطبيع"!! 

هذا ما حدث فى معركة "المركز الثقافى الفرنسي" الأخيرة، التى سوف أحاول الآن معك وضع خيوطها جنبا إلى جنب: أقام المركز الفرنسى مهرجانا للأفلام القصيرة، من بينها فيلم أخرجته مخرجة إسرائيلية، وعندما اكتشف الزميلان العزيزان محمد الروبى وأحمد عاطف (وربما آخرون لا أعرفهم) هذه الحقيقة قرر عاطف إعلان الانسحاب المسبب من لجنة التحكيم، وقام الروبى بحملة صحفية تطالب بمقاطعة المهرجان، "انتهت" إلى انسحاب عدد كبير من الأفلام المصرية المشتركة، وإقامة مهرجان موازٍ فى قصر السينما. أقول "انتهت" بين قوسين لأن ذلك هو سقف أحلامنا (وأخشى أن أقول قدراتنا): المقاطعة والتجريم والتجريس، لكن الطرف الآخر لديه الحجة التى يراها صحيحة: "وأنت مالك ياأخي؟ ما هذه الفاشية؟"، وهكذا انقسمنا إلى خونة مع التطبيع، وفاشيين ضد التطبيع. 

إننى أعتقد أن إسرائيل هى المستفيد الأول من هذه المعارك الصغيرة، فهى تعلم بأن هذه المعركة كغيرها زوبعة فى فنجان وضجيج بلا طحن، لكننى أكاد أسمع الأصدقاء المعادين للتطبيع يسألون مستنكرين: وهل كنت تريدنا أن نترك فيلما إسرائيليا يعرض بشكل رسمى فى مصر؟ وإجابتى هى أن هناك ناقدا بارعا فى خلط الأمور قال أنه فيلم فرنسي، ومعه الحق، فإذا أردنا منع الأفلام التى يشارك فى صنعها إسرائيليون وصهاينة سوف يمتد الأمر ليس فقط ـ مثلا ـ للممثلة ناتالى بورتمان، ولكن أيضا للنجمة نيكول كيدمان التى كتب بعض المعادين للتطبيع عندنا قصائد فيها مع أنها من أكثر المناصرين لإسرائيل. إننى لا أقول ذلك لتثبيط الهمم لأنه "مفيش فايدة"، أو لكى نوسع من دائرة الذين نطالب بمنع أفلامهم، وإنما لأننى أرى أننا نقوم ببعض "الفورات" ضد ما نسميه تطبيعا وكأننا نقوم بنوع من إبراء الذمة، وبعدها نعود لنستريح وننام ملء جفوننا، حتى يحدث بالون اختبار آخر فنصحو لكى "نفرقعه" ثم نعود للنوم، وإذا كان هذا يحدث مع بالونات تطير فى الهواء، فأرجو أن تقول لى ماذا يدور على الأرض. 

الواقع على الأرض، فى السياسة والاقتصاد والثقافة، أشد قتامة من كل ما تصورنا أنه سوف يحدث لمصر فى عدد محدود من السنين، هناك فى إسرائيل وهم حولوه إلى وطن، ونحن كان لدينا وطن حولناه إلى وهم، وأرجو ألا يقول لى قائل إن السبب مثلا هو أن أمريكا تساعد إسرائيل، أو أن لدينا صناع قرار متخاذلين، فذلك هو ما يعرفه الجميع، لكن ماذا بعد؟ ماذا عنا نحن الذين يرفضون وجود إسرائيل وليس فقط الاعتراف بها؟ ماذا عنا نحن الذين تركنا وطننا يتحول إلى مكتب سمسرة؟ هل قمنا بالنضال الحقيقي؟ المشكلة ليست فى الآخرين، إنهم يفعلون ما يجب عليهم أن يفعلوه من وجهة نظرهم، لكن هل فعلنا نحن ما يجب علينا أن نفعل؟ 

ليست لدى بالطبع "روشتة" جاهزة لما يجب علينا فعله، وأرجو أن نتشارك جميعا فى وضع خطة "عمل" حقيقية، لكن ما أعرفه هو أن هناك "ثوابت" يجب علينا التأكيد عليها المرة بعد الأخري، لكن للأسف شارك البعض من رافعى الليبرالية "المسخسخة" فى تدمير هذه الثوابت بدعوى الحرية، وأصبح البعض منهم من "نجومنا" الذين صنعناهم بأيدينا. لقد ضاعت هذه الثوابت عند الأغلبية من الشعب المصرى (أعرف أن هناك من سوف يدافع عن أصالة الشعب، لكن أرجو أن نتحلى بالأمانة مع أنفسنا حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة، ونحن لسنا إلا جزءا من هذا الشعب حتى بأمراضه النفسية التى أصابته)، هذا الشعب الذى جعلوه فى كل المستويات الفكرية والطبقات الاجتماعية لا يفكر إلا فى اللحظة الراهنة، بلا ماضٍ أو مستقبل، لا فرق فى ذلك بين من يفكر فى أكل العيال أو تسديد قسط السيارة أو إقامة حفل توقيع لكتابه الجديد، الكل مغلول العنق نتيجة سياسات ومفاهيم وممارسات حولت الجميع إلى عبيد يأكلون بلقمتهم على نحو ما (إنها عبودية خلقتها الظروف الراهنة وليست أبدا عبودية موروثة من أيام المماليك كما تُشيع مدرسة منحطة المنهج تدعى الانتساب لعلم الاجتماع، لأنها تقول أن كل شيء أزلى أبدي، وسوف يظل الشعب المصرى عبدا، فما حاجتنا للنضال؟!!!!). وتلك العبودية الراهنة لا تترك للناس وقتا أو ذهنا للتفكير بجدية فى مسألة التطبيع، فما بالك بالحديث عن فيلم قامت إسرائيلية بإخراجه؟ وربما أدى "زهق" الناس إلى كراهية الحديث عن هذا الموضوع أصلا، ناهيك عن تشوه وعى البعض الذى ينادى بنظرية الأمر الواقع، والبعض الآخر الذى ما يزال يعيش فى أسطورة السلام الذى سوف يجلب الرخاء. إلى هؤلاء يجب ألا نتوقف لحظة واحدة عن تأكيد الثوابت، وليس مجرد معركة وتفوت دون أن يدرى بها أحد، ثوابت أن إسرائيل لا تقوم على أفكار تعادينا نحن فقط، بل هى معادية للأنسانية، وهى أفكار انتحارية بالمعنى الحرفى للكلمة، إنك إن لم تخضع وتصبح عبدا رقيقا فسوف يهدمون المعبد على الجميع. وإذا بدا ذلك باعثا على اليأس فإننا نؤكد أن الصهيونية لا تختلف عن النازية (إنهما فى الحقيقة وجهان ـ نظريا وعمليا وتاريخيا ـ لعملة واحدة)، وكما تم القضاء على الخطر النازى فإن من الممكن والحتمى القضاء على الخطر الصهيوني، إن لم نستطع ذلك الآن فليكن غدا أو بعد غد، وهذا يحتم علينا أن نمهد الطريق للأجيال القادمة من بعدنا. 

"تمهيد الطريق"، تلك هى المشكلة الحقيقية، وذلك هو ما لا نفعله على الإطلاق، وسوف أتحدث هنا عن مجال السينما وحده. عندما يرفع دعاة التطبيع، أو من لا يمانعونه، شعار "معرفة الآخر"، نقابل ذلك بالسخرية قائلين: "واحنا ناقصين معرفة به؟"، وللأسف فنحن لا نعلم عن هذا الآخر (العدو بكلمات أدق) شيئا يجعلنا متأكدين على هذا النحو من المعرفة، وإذا كانت الأفلام الإسرائيلية تعرض فى المهرجانات العالمية فلابد أن هناك "شيئا" جعلها جديرة بذلك، هل هو الجودة الفنية؟ أو ربما القدرة على الحديث إلى المتفرج فى أنحاء العالم؟ أم أنه الدهاء السياسى الذى يعرف تماما كيف يضع السم فى العسل؟ أو لعله القدرة الحقيقية على تنظيم الصناعة داخليا والترويج لها خارجيا؟ فلنبحث ونحاول الإجابة، وهذا لن يتأتى بالطبع إلا من خلال دراسة حقيقية للسينما الإسرائيلية صناعة وفنا وسياسة، ولنقارن ما توصلنا إليه من نتائج مع أحوالنا السينمائية، لنخلص بعد ذلك إلى أهداف نناضل من أجلها، من أجل سينما مصرية قوية وقادرة بدورها على خوض الصراع، فدورنا كنقاد ليس أن نكتب عن الأفلام بهذه الخفة اللا منهجية التى أورثناها لأجيال جديدة من النقاد والصحفيين السينمائيين، وليس دورنا أن نتسابق لحضور مهرجانات وهمية عربية تتوالد كالأرانب وكل مهمتها أن تمنح "تكريما" (والله العظيم تكريم) لممثلة عمرها الفنى عامان أو ثلاثة، وتفتقد الحد الأدنى من الموهبة والدراسة، وسوف تعتزل وربما تتحجب بمجرد أن تجد رجل أعمال ثقيل الوزن ليتزوجها، وليس دورنا أن يشتم الواحد منا الآخر فى عدوانية مريضة إلى حد السادية، وليس دورنا أن نلهث فى الكتابة عن كل شيء وأى شيء لنملأ المساحة ونقبض المعلوم. 

ربما كان العدو قويا، لكن هذا ليس مبررا لكى نكون ضعفاء، والقوة هنا ليست فى رد فعل متقلص هنا أو هناك، بل هى الفعل، والحد الأدنى هو أن تكون للنقاد المصريين مجلة سينمائية شهرية جادة واحدة (واحدة فقط ياعالم!!) لا تتوقف بعد عدد أو اثنين للصراع على المناصب الوهمية، وأن يتخصص جانب دائم منها فى دراسات حقيقية وليست سابقة التجهيز لسينما العدو، وجانب آخر لدراسة البنية الأساسية المفقودة لصناعتنا السينمائية وكيف يمكن إقامتها. إنها "رسالة" تتطلب الجهد والقدرة، نسجل فيها كل خطوة نتقدم فيها إلى الأمام نحو هدفنا، بدلا من حالة "محلك سر" التى نعيش فيها واكتفينا بها ورضينا عن أنفسنا معها، فإن كنتم تذكرون مظاهرة رفضنا لفيلم "سلطة بلدي"، شديد الضعف الفنى والتهافت السياسي، وبرغم ذلك منحته جماعة السينمائيين التسجيليين جائزتها فى وقائع أقل ما يقال عنها أنها غامضة، لقد ذهبت مظاهرتنا تلك أدراج الرياح، وتحول الفيلم إلى موقع على الإنترنيت أرجو أن يزوره نقادنا ليعرفوا كيف كسب أرضا خسرناها، وسوف تذهب أدراج الرياح أيضا مظاهرة المركز الثقافى الفرنسي، ويبقى الحال على ما هو عليه: سينما إسرائيلية تزداد قوة وانتشارا، وسينما مصرية تزداد شيخوخة وعزلة عما يحدث فى العالم، وأرجو ألا يكون هذا هو المستقبل، لكن ذلك مرهون بما سوف نفعله نحن، هنا والآن. 

العربي المصرية في

02/05/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)