حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

رومان بولانسكي الهارب من الموقف في "الكاتب الشبح"

سينما الحد الأدنى وليس الأفضل...

محمد رضا

في أحد مشاهد فيلم رومان بولانسكي الأخير (وربما الأخير تماماً) "الكاتب الشبح"، يشكو رئيس الوزراء البريطاني المعزول أدام لانغ (ويقوم به بيرس بروسنان) من أنه بات مطلوباً للعدالة في أكثر من بلد وصار صعباً عليه الانتقال من دون تعريض نفسه للإعتقال0

حوار هذا الفيلم كُتب قبل سنة من بدء تصويره في منتصف العام الماضي، ومن المستبعد أن يكون انعكاساً لحالة الحصار التي كان المخرج المعروف يعيشها، فهذه الحالة لم تكن كما هي الآن طوقاً مفروضاً على المخرج المعروف لا يستطيع معه التحرّك من موقعه داخل منزله المحاط بالبوليس. على ذلك، وحين مشاهدة الفيلم والاستماع إلى شكوى رئيس الوزراء فإن ردّة الفعل الأولى ضحكة حائرة بين السخرية والهزل يطلقها المشاهد رابطاً بين العبارة وبين حال المخرج قبل حال بطله.

الكاتب والرئيس

فيلم رومان بولانسكي الجديد (الأول له منذ  العام 2005  حين أنجز فيلمه الرائع "أولي?ر تويست") يدور حول ذلك الكاتب الذي يقبل القيام بمهمّة صياغة مذكّرات وضعها رئيس وزراء بريطاني متّهم بالتعاون الأعمى مع السي آي أيه الأميركية على نحو حوّله إلى تابع كامل للبيت الأبيض. إنها ذاتها التهمة التي وجّهت، ولا تزال تُوجّه، إلى توني بلير كونه تعاون مع كل قرار وأيد كل طرح قام به البيت الأبيض قبل وخلال وبعد غزو العراق سنة  2003

والمرء، قبل كل شيء، لا يستطيع الا أن يربط بين رئيس وزراء بولانسكي ورئيس وزراء بريطانيا ويجد أن الرابط يحتوي على مقارنة ليست بريئة على الإطلاق مفادها التعاون التام بين قطبين سياسيين كان على أحدهما أن يكشف عن قدر من الاستقلالية عوض أن تطلق عليه الصحف البريطانية قبل سواها وصف "تابع بوش"

فيلم بولانسكي ليس تحليلاً سياسياً لحرب العراق، لكنه كأي فيلم تشويقي، يتناول في عمقه دلالات حاصلة وينسج من شخصياته ما يماثلها في الواقع ليبني من كل ذلك عملاً له ما يوازيه في الواقع والحقيقة. وهو يفعل ذلك بأسلوب هيتشكوكي ناجح مثيراً ذلك القدر من الغموض والتساؤل الذي يبقي المشاهد متابعاً لما يدور بحثاً عن جواب متأخر أو لتأكيد أو نفي حدس تبلور لديه خلال المتابعة. ليس فيلماً كامل المواصفات أو خاليا من العيوب، لكنه، على قصوره، يبقى من بين أفضل ما يمكن أن نتلقّفه من أفلام "ثريلرز" في هذه الأيام.

بطل الفيلم كاتب بريطاني مغمور (إيوان مكروغر) تطلب منه دار نشر بريطانية مساعدة رئيس الوزراء السابق في صياغة مذكّراته التي من المفترض تسليمها إلى الدار قريباً وذلك لقاء مبلغ مغر من المال. قبل ذلك، وفي مطلع الفيلم، كنا شهدنا جريمة قتل غامضة لنكتشف لاحقاً خلال الأحداث أن الضحية كانت كاتباً آخر باشر العمل على صياغة تلك المذكّرات لكن جهة ما تدخّلت لإسكاته. الكاتب لم يكن يعلم ذلك حين قبل المهمّة وتم نقله الى الولايات المتحدة حيث يعيش رئيس الوزراء مع زوجته روث (أولي?يا وليامز) وحاشيته  من سكرتيريا وحرس ومن بينهم أميليا (كيم كاترول) التي، يوحي الفيلم، مرتبطة بعلاقة عاطفية مع الرئيس0

خلال عمل الكاتب مع رئيس الوزراء تتناهى فضيحة جديدة بحق الثاني مفادها أنه سلّم الولايات المتحدة متّهمون بالإرهاب تم إلقاء القبض عليهم متجاوزاً بذلك صلاحيات القضاء  البريطاني ودافعاً بالمتّهمين إلى التعذيب على أيدي وكالة المخابرات الأميركية . وأحد معاوني الرئيس السابق يطلق تصريحاً يُطالب فيه بتقديمه إلى المحاكمة الدولية. في البداية موقف الكاتب- الشبح (إذ لن يتم ذكر اسمه في الكتاب حين ينتهي العمل عليه) هو قدر من الفضول مع الإدراك بأن مهمّته لا تتطلّب تصحيح وضع قائم أو الدخول في السياسة، وخلال حديثه مع رئيس الوزراء يؤكد له ذلك حدوده المرتسمة. الكاتب موافق على أي حال تجنّب الأوضاع المحرجة والنبش عن ماضي أدام لانغ، لكنه سريعاً ما يجد نفسه في وضع لا يمكن إغفاله تتبدّى فيه جملة من الأكاذيب رواها رئيس الوزراء له لكي يكتبها عنه. فضول الكاتب يتغلّب على طبعه وحرصه، وما يلبث أن يقوده إلى رحلة استكشاف بعدما عادت قضيّة الكاتب السابق الذي تم قتله  إلى التماثل أمام عينيه مدركا أنه هو أيضاً قد يؤول إلى ذات النهاية.

 

فيلم "الكاتب الشبح"

موازنة مواقف

عين المخرج بولانسكي على كل العناصر المناسبة لمثل هذا التشويق السياسي باستثناء أن العديد من التمهيد المصحوب بحوارات طويلة يأكل من قيمة العملية التشويقية فيما بعد. هناك حالة من المتابعة والرصد كان من المفترض بها أن تُثير اهتماماً أعلى، وذلك في النصف الثاني من الفيلم حين ينطلق الكاتب- الشبح للتحقيق بنفسه عما لا يُراد له معرفته. لكنها حالة تبدو مفروضة وليست طبيعية لأن نسيجها لم يكتمل على صعيد شخصي مناسب. لا مواقف حاسمة تدفع هذا الكاتب لتغيير موقعه من عدم الاهتمام إلى الضلوع. رغم ذلك علينا متابعته وقبول انتقاله. في المشاهد ما قبل الأخيرة وبمساعدة أجواء الأماكن الشتوية الرمادية  من ناحية وتصوير بارع لباول ايدلمان من ناحية ثانية، ودائماً بسبب من تمثيل إيوان مكروغر المناسب، نجد نفسنا مندفعين معه للوصول إلى النتيجة. هذا قبل فصل أخير نعود به إلى لندن لكنه ينتهي إلى لقطة أخيرة محسوبة لا تنجز أي مفاجأة.

من ناحيته، يؤدي بيرس بروسنان دور رئيس الوزراء مبتعداً عن التقليد. هو لا ريب يدرك تلك المقارنة المرسومة في السيناريو بين شخصيته وشخصية توني بلير، لكن بروسنان سوف لن يستجيب لدواعي التماثل بل سيعطي ترجمة لشخصية تجمع بين شخصية الثعلب المراوغ والرجل الغاضب حين يدرك أن أعداءه قد حشروه في زاوية لا يستطيع معها إلا القول بأنه مؤمن بما فعله.

المشكلة هي في ناحيتين: الأولى هي أنه في الوقت الذي يُثير فيه بولانسكي مسألة التعذيب الذي تعرّض له  سجناء وموقف رئيس الوزراء البريطاني الذي بمقتضاه تم التخلّي عن حماية هؤلاء بتسليمهم إلى عناصر الوكالة الأميركية، يضع على فم رئيس الوزراء دفاعاً مفحماً مفاده أن الليبراليين لا يستطيعون التمتّع بالحماية من الإرهاب والمعاملة الإنسانية للسجناء في الوقت ذاته0

بذلك، وعبر الطريقة التقريرية غير المغلّفة بأي سعي للإقلال من قوّة حجّتها، يقول بولانسكي الشيء ونقيضه رافضاً اتخاذ موقف بدوره مكتفياً -بالضرورة- بالجانب التشويقي من الفيلم على عكس ما كانت تقوم به أفلام تشويقية- سياسية في السبعينات كانت لها طروحاتها ومبادئها التي تدافع عنها والتي كانت ناقدة بلا مواربة  للشأن السياسي للبيت الأبيض او البنتاغون0

هذا ليس الأمر الوحيد الغائب عن الفيلم، ذلك ان المشكلة الثانيه هي غياب تلك العناصر الذاتية التي شكّلت فن بولانسكي في معظم ما أنجزه سابقاً. المخرج البولندي الشهير القابع في الحبس المنزلي الى أن يتم ترحيله الى القضاء الأميركي، او إعفائه منه، آثر تنفيذ الفيلم وليس الفعل فيه. إنه جيّد في توزيع الأدوار العاطفية في حمى موضوعه. تلك المشاهد التي نلحظ فيها برود عاطفة رئيس الوزراء تجاه زوجته، ولجوء الزوجة (غير المبرر فعلاً)  لمخدع الكاتب تحمل القدر المناسب من توزيع اللقطات وتصميمها بحيث تؤدي الى أن تقول الكثير عن الشخصيات ذاتها. لكن ذلك هو أقل ما يمكن انتظاره من بولانسكي وليس أفضل ما لديه0

ينجح المخرج ايضاً في تصميم لقطاته الخارجية المفتوحة. إذا ما كان هناك عنصر ناجح في المشاهد التشويقية فهو في ارتباط الحس التشويقي بالمكان القصي الذي تقع في الأحداث (جزيرة منعزلة على الطرف الشرقي للولايات المتحدة) في موسم شتاء رمادي وعلى أرض لا وجود لآدميين كُثر فوقها. هذا التأليف للأجواء يترك في البال انطباعاً إيجابياً ويمنح بطل الفيلم مكروغر فرصة التحوّل الى نقطة صغيرة في فضاء كبير ما يزيد من خطر مقتله من دون علم أحد به.

الجزيرة الوثائقية في

19/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)