حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

"عالياً في الهواء" Up in the Air لجايسن رايتمن في الصالات اللبنانية:

الذات التائهة في "اللاأمكنة"

ريما المسمار

يميل المخرج الشاب جايسن رايتمن (32 عاماً) الى أفلمة المواقف الحرجة والخرقاء. يستهويه الجانب العبثي في التراجيديا. إنه العبث الذي يولد من التأمل العميق في الواقع ومن أخذ تركيبته بتفاصيلها الصغرى على محمل الجد. شخصياته واقعية بامتياز ولكنها نادراً ما تشكّل مادة نقاشية في الاعلام لأنها لا تنتمي الى الصورة الملمّعة التي يُراد له ان تختزل المشهد بكامله. أفلامه الثلاثة التي يحملها في جعبته، يُكاد كل منها يُختزل بجملة واحدة، مؤلفة من ظرف واقعي كفيل بإثارة علامات التعجّب على الوجوه. فيلمه الأول "شكراً للتدخين" Thank You for Smoking (2006) يقوم على شخصية "نيك نايلر" (آرون ايكهارت) نائب رئيس "أكاديمية دراسات التبغ" والمتحدّث الرسمي باسمها الذي يعظ الناس بالتقليل من خوفهم تجاه التدخين- على قاعدة ان الحياة مليئة بالمخاطر من كل نوع- ويقنعهم بأن لا رابط بين التدخين وسرطان الرئة. وفي "جونو" Juno (2007) بطلته هي المراهقة "جونو" (16 عاماً، لعبت دورها آلن بايج) التي تحمل من صديقها في المدرسة وتقرر أن تحتفظ بالطفل. وفي أحدث أفلامه، "عالياً في الهواء" Up in the Air، يتناول شخصية "راين بينغهام" الذي يعمل لحساب شركة استشارية للشركات الكبرى ومتخصص في طرد موظفيها. تتفاوت هذه الشخصيات الثلاثة في دوافعها وتركيبتها وتأثيرها ولكنها، بعيداً من ميزان الفرز بين خيّر وشرير أو بين ايجابي وسلبي، تتشارك على أرضية من الوعي بقدراتها والإرادة للذهاب الى الآخر في مسارها او ربما تصحيحه وانما بعيداً من نداء الخلاص الطوباوي.

تتصل موضوعات أفلام رايتمن بقضايا اجتماعية بالغة الأهمية ولكن الأفلام نفسها تتخفّف من اي عبء إرشادي أو نقدي فج. ميزتها انها تنغمس في واقع الشخصيات التي يختارها المخرج ذكية ولمّاحة ومحبّبة، تحيط به، تعايشه، ليس بهدف العثور على تبريرات او القاء اللوم على ظروفها الاجتماعية والانسانية، وإنما لتطرح اسئلتها من داخله. وهي، أي الأفلام، غالباً ما تطرح الاسئلة التي تدركها الشخصيات نفسها، بعيداً من اي ادعاء بالتفوّق من قبل الفيلم أو صانعه. لذلك، ربما، يصحّ القول أن أفلام رايتمن هي أقرب الى تكبير للصورة او لتفصيل صغير فيها، ينفخه على مساحة الشاشة السينمائية بوضوح حاد وجارح احياناً.

يتوّج فيلمه الأخير "عالياً في الهواء" هذا المسار، حيث الموضوع والمقاربة ينسجمان تماماً مع قسوة الواقع المُضاء عليه، فضلاً عن النضج (المبكر) الذي يظهره المخرج من خلال رؤيته وتمكّنه من أدواته وأسلوبه.

من فكرة الصورة المكبّرة، يُفتتح الشريط بمشاهد علوية للولايات المتحدة الأميركية. لقطات "سماوية" (مأخوذة من الطائرة) يولّفها على وقع النشيد الاشتراكي "هذه الأرض أرضك" (This land is your Land لوودي غوثري) محرّفاً على إيقاع الروك، تظهر جماليات تلك البقعة من العالم التي تبدو، بطبيعة الحال، خالية من تلك الزاوية من البشر. ثم، وبتقنية الـ"زوم-إن" المفترضة، يقرّب العدسة لالتقاط "مشهد"، يمطّه على مساحة الشريط السينمائي. المشهد هو في الواقع حكاية "راين بينغهام" (جورج كلوني) المتخصص في "تقديم المشورة في التحوّل المهني" في ما هو عنوان دبلوماسي متأنّق ومتحذلق لمهنته الحقيقية: طرد الموظفين. بالتأنّق والتحذلق عينهما، سيواصل الشريط رصد الحياة الخاوية لراين والوهم الذي يعيش فيه. كل شيء في عالم هذا الرجل يُقاس بمرادف الرفاهية والرخاء. فكما ان بطاقات الائتمان تختزل عمليات تبادل الأموال، هكذا يقبض "راين" ثمن حياة التشرّد والاقتلاع خدمات من الدرجة الأولى في الفنادق والمطارات وعضويات شرفية هنا وهناك. فنا إن تطأ قدماه أرض المطار، حتى تنهال عليه عبارات الترحيب من الموظفين الذين حفظوا وجهه واسمه. وما إن يصل الى بهو فندق حتى يتجاوز خط الانتظار الطويل متوجهاً الى ركن "الشخصيات المهمة" حيث يكفيه إبراز بطاقة العضوية الذهبية البراقة. بالنسبة اليه، هنا يكمن الإمتياز والمقابل الذي توفره له مهنته. إشارة متأخرة ولكنها ضرورية: يقضي "راين" 322 يوماً في السنة مسافراً بحكم مهنته. لا يكتفي المخرج بهذا القدر من الغرائبية. بل لعل ما يجعل الوضع برمته غرائبياً هو عشق "راين" لمهنته ولأسلوب حياته. فالشريط الصوتي (صوت راين) الذي يرافق الأحداث منذ المشهد الأول، ينبئنا البطل من خلاله عن ولعه بالمطارات والفنادق وعن عشقه لوجباتهما وراحته للتواجد فيهما. بل انه يصف الايام الثلاثة والأربعين التي اضطر الى قضائها في شقته في أوماها في نيبراسكا بـ"اليائسة". يؤفلم المخرج ذلك العشق المروي بمشاهد عدة لا ينفك يعود اليها خلال الفيلم. من توضيب حقيبته المتقن، الى اختيارها بإتقان يتماشى مع خبرته الطويلة في السفر، الى تصنيفه المسافرين بحسب الكليشيهات الثقافية السائدة (يختار دائماً الوقوف خلف المسافرين الآسيويين لدقتهم وسرعتهم التي تنطبق ايضاً على إنهاء معاملاتهم) مروراً بكيفية عبوره نقاط التفتيش (تخلصه من المعادن والحزام والحذاء والجاكيت في غضون ثوانٍ...)، يبني الفيلم صورة لرجل يحيا داخل روتين محسوب وليس داخل الحياة. بمعنى آخر، هذه حياة انكمشت الى حدود إتمام وظائف معينة، يفرضها عمل "راين"، وباتت المنظار الذي يطل منه على الحياة. وابسط مثال على ذلك نبرة صوته في الشريط الصوتي الاشبه بنبرة النداءات في المطارات والمضيفات في الطائرات والموظفات في الفنادق. او لعلها نبرة أقرب الى فكرة التسليع والتسويق التي تقوم عليها مجلات الطيران.

خارج هذا العالم الأشبه بحوض اسماك كبير- والتسمية هنا ملائمة تماماً حيث ان "راين"، وخلال محاضراته التي يلقيها بين حين وآخر وتتركز حول موضوع التخلّص من الروابط المثقلة والتركيز على النفس، يحرّض مستمعيه على التفكير في أنفسهم كـ"أسماك قرش" وليس كبجع- يتنقّل بين الشركات الكبرى لإتمام مهام طرد الموظفين غير المرغوب بهم. هنا أيضاً، يجد نفسه في "اللاأمكنة" (non-places) تلك التي تحدّث عنها الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه في كتاب يحمل العنوان نفسه (صدر عام 1992). إنها الأمكنة- مثل الفنادق والمطارات والمكاتب والسوبرماركت والمراكز التجارية- التي يزداد الانسان اعتياداً عليها وإدماناً لها في هذا العصر على الرغم من انها أمكنة "ميتة" و"خارج الجغرافيا" بحسب تعبير أوجيه. تلك هي الأمكنة التي تشكل مسرح أحداث فيلم رايتمن والتي يدمنها بطله. في مكاتب الشركات إذاً، يجلس "راين" مستدعياً الموظف تلو الآخر ناقلاً إليه خبر فصله من الشركة. بابتسامة دافئة وجرعة مدروسة من مزيج "التأثّر والتفهّم"، يلقي "راين" النبأ السيئ على مسامع الموظفين المنكوبين الذين تتفاوت ردود فعلهم من المفاجأة والغضب والبكاء وحتى التهديد بالانتحار (إحدى الموظفات تنتحر بالفعل). لا يملك "راين" ما يقوله لهم سوى جملتين: "العظماء بدأوا من هنا من لحظة يأس مماثلة" و"فكروا بهذه الخطوة كنقلة في حياتكم العملية". بعدها، وعلى طريقة كتيبات الارشادات التي يدمنها هو، يسلمهم كتيباً مماثلاً ويعدهم بالاتصال بهم. تحمل هذه المشاهد تحديداً قيمة خاصة بسب تركيبتها. فهناك أولاً أداء "راين" الذي لا ينطبق عليه وصف "المزيّف" تماماً كما لا ينطبق عليه حتماً توصيف "الصادق". انه ببساطة أداء ميكانيكي لرجل غارق في عالمه الصغير ويملك قدرة هائلة على الانفصال عن حقيقة عمله المروعة. وهناك أداء الموظفين الذين نكتشف بقليل من البحث خارج الفيلم انهم (معظمهم) أناس تعرضوا في الواقع للطرد والاستغناء عن خدماتهم. يضفي هذا العنصر الواقعي على المشهد أسىً عميقاً ويوازن بما ليس متوقعاً بين خلفية الفيلم التراجيدية وواجهته الكوميدية الخفيفة. على أن جرأة رايتمن في اللعب على هذين الأسلوبين "خانته" في خاتمة الفيلم فالتجأ الى توليف مشاهد مباشرة لموظفين حقيقيين تعرضوا للطرد، يخاطبون خلالها الكاميرا-الجمهور بأسلوب أقرب الى التوثيق.

بموازاة كل ذلك، يشتغل السيناريو على تظهير خلفيات شخصية "راين". فعلاقته الباردة بأختيه المقيمتين في شمال ويسكونسن تحتل واجهة الأحداث عندما يسافر لحضور زفاف إحداهما برفقة "أليكس" (فيرا فارميغا)، النسخة الأنثوية منه. هناك، يجد الفيلم فرصته للإضاءة أكثر على شخصية "راين" المعزولة والمتخففة من أي رابط، بما هو تتمة لقناعاتها المناهضة للعلاقات الجادة والزواج والمسؤوليات. الى جانب تعرفه بـ"أليكس" وزميلته الجديدة في العمل "ناتالي" (آنا كيندريك) العشرينية الممتلئة حماسة، يشكل هذا الفصل من الأحداث سبباً إضافياً في زعزعة قناعاته. بهذا المثلث، يختبر "راين" للمرة الأولى، ورغم إرادته بداية، معنى التواصل مع الآخر. في بداية الفيلم كان قد أعلن "أن تعرفني يعني أن تسافر معي" كشرط ظرفي لتواصله مع الناس. ولكن ذلك سيتغير بوجود "أليكس" التي يقع في حبها و"ناتالي" التي تتيح له أن يراقب عمله من مسافة وأختيه اللتين فقدتا الأمل تقريباً في الاعتماد عليه. ولكن مرة أخرى، لا ينساق الفيلم خلف وهم "اليقظة" التي يعيشها "راين". فالحقيقة التي يكتشفها بخصوص "اليكس" تبقي النموذج الي مثلانه حياً وواقعياً وليس فقط تصوراً اختُرع لتلقين المشاهد درساً في أهمية الروابط والعلاقات والالتزام.

على صعيد آخر، يستفيد الفيلم من اللحظة الزمنية التي يخرج فيها. فرواية وولتر كيرن الصادرة عام 1999 والتي تحمل العنوان نفسه ما كان اقتباسها ليكون مؤثراً في ما لو انها أُفلمت قبل سنتين. والسبب بالطبع الازمة الإقتصادية التي ترخي بظلالها على الفيلم وتظهّر أكثر بعض أفكاره. جملة واحدة مباشرة يوردها "كرايغ" (جايسن بايتمن) مدير "راين" في إشارة الى الأزمة حيث يقول لموظفيه بنبرة باردة "هذه لحظتنا". جملة واحدة كافية لإظهار طبيعة الوسط العملي الذي ينتمي "راين" اليه وذهنية شركات الأعمال الأميركية تحديداً.

مثل "جونو"، "عالياً في الهواء" دراما صغيرة موجعة، مغلفّة بسكّر السخرية والضحك، ميالة الى الميلودراما أحياناً ولمّاحة الى أبعد حدود. ولكن، أبعد من "جونو" يذهب هذا الفيلم بموضاعاته التي تطرق عناوين إنسانية عميقة وملحّة (العلاقات، العزلة، الالتزام، تفاوت الأجيال...) وبطاقم ممثليه الذي يتصدّره جورج كلوني بأداء لافت وحضور مغناطيسي، تسانده فارميغا وكيندريك اللتين توازناه تألقاً وحضوراً.

المستقبل اللبنانية في

12/02/2010

 

نسخة مرممة من "متروبوليس" تُعرض اليوم في برلين وفرانكفورت:

السينما تستعيد إحدى كلاسيكياتها الصامتة

تستعيد السينما اليوم إحدى كلاسيكياتها القيّمة والقديمة المفقودة بنسختها الكاملة من خلال الإحتفال الذي سيُقام اليوم تزامناً في مدينتي برلين وفرانكفورت (وستنقله قناة "آرتي" حياً) لعرض النسخة المرممة الكاملة من فيلم "متروبوليس" للسينمائي الالماني النمسوي الراحل فريتز لانغ. والواقع ان هذا الفيلم الذي أُنتج عام 1927 ويُعد الفيلم الصامت الأعلى كلفة في تاريخ السينما (بلغت كلفته نحو 7 ملايين رايخ مارك وقتذاك)، تعرض للقص بعيد عرضه الافتتاحي في المانيا وفُقدت أجزاء منه منذ ذلك الحين. وخلال السنوات الأخيرة، جرت محاولات كثيرة لترميمه والعثور على أجزائه المفقودة كان آخرها في العام 2001 عندما عرض مهرجان برلين نسخة مرممة من "متروبوليس". ولكن العام 2008 حمل مفاجأة أخرى إذ عُثر في بوينوس آيريس على نسخة بنصف ساعة إضافية غير معروفة ومن هناك بدأت عمليات الترميم من جديد وإعادة كتابة الموسيقى التصويرية ووضعها على الفيلم من قبل مؤسسة "فريدريش فلهلم مورناو" كجزء من إلتزامها الحفاظ على الإرث السينمائي وتوفيره للجيل الحالي وللأجيال القادمة.

يبقى تراث المخرج الكبير فرتز لانغ واحدا من أهم منابع السينما المعاصرة، وهذا لا ينطبق فقط على فيلمه الطليعي "متروبوليس"، بل يشمل كذلك مجمل أعماله التي توجها بـ "الدكتور مابوز" و"وصية الدكتور مابوز" و"M" وسواها من الأفلام التي كانت حجر الاساس في ما كان يُسمى المدرسة التعبيرية في ألمانيا، فضلاً عن إسهامها في التعريف بـ"الفيلم نوار" والهامها عدد كبير من السينمائيين الكبار لاحقاً على غرار كلود شابرول وويليام فريدكن وسواهما. جاء هذا في المرحلة الأولى من عمل لانغ في المانيا ولكنه تابع مسيرته بنجاح في هوليوود، بعد أن أفلت من قبضة النازية، وذلك في الوقت الذي كان فيه النظام النازي يسعى إلى احتوائه في الوقت الذي منع فيلمه "وصية الدكتور مابوز" الذي كان يحتوي على إشارات واضحة في رفض التوجهات القمعية لهذا النظام.

ومن الحكايات الشائعة في هذا المجال والتي لم يتمكن أحد من تأكيدها أو نفيها ان الرغبة في إحتواء لانغ كانت وليدة إعجاب هتلر به بعد مشاهدته لفيلم "سيغفريد" (1924)، إذ أسّر-كما تقول الحكاية المتداولة- الى وزيره جوزيف غوبلز بعد أن سالت الدموع من عينيه: "هذا الرجل هو الذي سيؤسس لنا السينما النازية." وبالفعل طلب غوبلز من لانغ أن يتولى إدارة المؤسسة السينمائية الألمانية، غير أن الأخير تخلف عن موعده مع وزير البروباغندا وحزم متاعه لكي يغادر ألمانيا عام 1934قبل فوات الأوان. ولعل التوكيد الوحيد لهذه الحكاية هو ما يرد في فيلم جان-لوك غودار "إزدراء" Contempt على لسان لانغ الذي يلعب دوره في الفيلم مشيراً الى تلك الحادثة.

ويعتبر فيلم "متروبوليس" من أوائل أفلام الخيال العلمي. وكان لانغ قد وظف طاقماً تقنياً هائلاً، الى عدد كبير من الممثلين والكومبارس، ليحقق فيلماً اعتُبر رائداً وبتقنية عالية تجاوزت حدود المألوف في السينما الصامتة حينها. فوق هذا، فإن ما كشفه الفيلم عن المخاطر التي تكمن في التطور التقني العلمي على الإنسان المعاصر كان سابقاً لعصره وممهداً لما قدمه تشارلي تشابلن في "أزمنة معاصرة" وستانلي كيوبريك في "سبايس أوديسي2001. و"ميتروبوليس" مدينة مستقبلية متخيلة، تخضع لنظام طبقي صارم يفصل بين السادة الذين يعيشون في جو من الترف والبهجة، وبين العمال الذين يخضعون لنظام صارم يسّير حياتهم وفق وتائر عمل المكائن الهائلة التي تنظم كافة جوانب الحياة في هذه المدينة تحت إشراف جو فيدرسن. والأخير شخص لا يكنّ للعمال سوى مشاعر الإحتقار ولا يرى فيهم سوى أدوات لضمان الحياة السعيدة للمترفين. تخرق هذا النظام علاقة حب تنمو بين إبن جو فيدرسن وبين ماريا، تلك الفتاة التي تسكن في أحياء العمال وتبشر بقدوم شخص سيكون وسيطا بين العقل، مجسدا في نظام جو فيدرسن، وبين اليد مجسدة بالعمال المضطهدين. الجدير ذكره ان لانغ ذكر لاحقاً بأنه لم يكن في حينها يعي كم ان نهاية الفيلم "الأخلاقية" تنسجم مع الإيديولوجية النازية، حيث انه انصرف الى التركيز على الجانب التقني والفني وترك مسؤولية تحقيق السيناريو لزوجته الكاتبة والممثلة تيا فون هاربو (1888-1954) التي كانت متعاطفة مع الإيديولوجية النازية وبشكل علني لاحقاً مما أبقاها في المانيا بعيد فرار لانغ الى هوليوود وأدى لاحقاً الى طلاقهما.

في هوليوود، أنجز لانغ ما يربو على العشرين فيلماً بين 1936 و1957، عاد بعدها الى المانيا للمرة الاولى قبل 21 عاماً لينجز هناك ثلاثة أفلام قبل وفاته في العام 1976. ولكن الاحتفاء الحقيقي بسينماه جاء مع "دفاتر السينما" ونقادها الذين تحولوا سينمائيين.

المستقبل اللبنانية في

12/02/2010

 

المخرجة ساندرا ماضي في ضيافة زيكو ـ هاوس

"قمر 14" أو محاصرة اليومي

ريما المسمار 

يستضيف زيكو-هاوس المخرجة الفلسطينية ساندرا ماضي الثامنة مساء اليوم في عرض لفيلمها الوثائقي "قمر 14"، يلي عرض فيلمها الأخير "ذاكرة مثقوبة" (2009) الذي أُقيم مساء أمس. "قمر 14" هو الفيلم الذي أطلت به ساندرا ماضي على المشهد الوثائقي العربي عام 2007، وكان إحدى الثمرات الثماني للمحترف الأول للمعهد العربي للفيلم في الأردن الذي لملم بعد محترفين فقط مشروعه الطموح واختفى. قبل الفيلم المذكور، كانت للمخرجة الاردنية الفلسطينية اطلالات تمثيلية مسرحية بمعظمها، وتجربة وثائقية أولى في عنوان "بعيداً عن هنا" عن الكاتب الأردني محمد طميلة. منذ التجربة الثانية، "قمر 14"، أظهرت ماضي قدرة وموهبة في إنجاز الوثائقي الإبداعي، الذي يناقض في تعريفه الأبسط والمباشر الوثائقي التلفزيوني أو الإخباري. اشتغلت المخرجة في فيلمها ذاك على نبذ الكليشيهات والمعالجة النمطية التي يسهل الانزلاق اليها في فيلم يتناول شخصية شاب فلسطيني يحيا في أحد المخيمات في الأردن. الملاكم الشاب الذي يقطن مخيماً فلسطينياً قي "قمر 14" تتكشف حياته على الشاشة على مرأى من المشاهد ليس كشاب آخر يحيا في ذل حياة المخيم وانما كشاب خذله حلم البطولة وفرص الحياة. انه روبرت دينيرو في "الثور الهائج" وهيلاري سوانك في "طفلة المليون دولار" خلا انه لا يحظى بكلينت ايستوود معلماً ولا بكايثي موريارتي محبوبة وملهمة. كل ما يتكدس في وجهه هو ذلك السواد المجهول لعيشه ومستقبله. تقارب المخرجة موضوعها بحساسية عالية وقدرة على التخلي عن الكليشيه ونبذ اللحظات البكائية المجانية. فهي "تحاصر" بكاميراها حياة الملاكم في لحظة حرجة من دون ان تعلنها مشاعاً حتى عندما تستخدم الكاميرا المزروعة في ركن من اركان المنزل محاكية اسلوب تلفزيون الواقع. هنا تتحول الكاميرا آلة فحص للتحولات التي تميد بها حياة الشاب وانعكاسها على سلوكه. في ما يمكن ان يكون افضل افلام المحترف الاول، تقدم ماضي شريطاً انسانياً بموضوع شائك يسهل الانزلاق في كليشيهاته (شاب فلسطيني في مخيم) بخيارات سينمائية فنية عالية المهارات وقدرة على التحكم بها وادارتها. فهي تختار ان يقتصر ظهور الملاكم امام الكاميرا متحدثاً عن حياته بشكل مباشر على مرتين او ثلاث. ما يتبقى، هو رصد ليومياته ولانتظاراته الطويلة ولحياته الداخلية (تتبدى في مشاهده وحيداً داخل الحلبة متخيلة او واقعية انما في كلتا الحالتين سينمائية) ولنفاد صبره الذي يتفجر امام الكاميرا قبيل نهاية الفيلم دموعاً وسواداً حالكاً وكتلة بشرية يائسة. المشهد الأخير محير، يبعث على الامل من جهة وعلى الترقب والتساؤل من جهة ثانية. فتلك الهرولة على طريق جبلية عند الفجر هل هي تحرر؟ ام هي طريق الهروب والهجرة؟ وماذا يعني ان نسمع اصوات النفس وأصداء الهرولة؟ هل غدا في سجن كبير لا مناص منه؟ أرادت ماضي في الفيلم تظهير بورتريه حميم وحساس لشاب يحلم بالبطولة في رياضة الملاكمة. وقد فعلت ذلك بخيارات سينمائية فنية، مولية المقاربة السينمائية او الإطار الشكلي العناية التي ترتقي بالفيلم من حكاية مكررة الى عمل متماسك متداخل العناصر. يقوم أسلوب المخرجة بالدرجة الأولى على محاصرة الموضوع بكاميراها ببطء وروية كأنها تستخلص مادتها على نار هادئة. انها تستعيض عن تقديم وجهة نظرها بخيارات فنية توحي ظاهرياً بالحيادية. فهي قلما تتدخل في سير النقاشات والأحاديث بين الشخصيات. ولكنها حاضرة دوماً لالتقاطها من بعبد او من قريب.

في فيلمها الثاني "ذاكرة مثقوبة"، تناولت أوضاع المناضلين القدامى في حركة فتح، حيث أسكنت كاميراها مقراً لحركة فتح في الأردن. هو ليس مكتباً لإدارة العمليات او لتوزيع المهام او لمناقشة الخيارات الجديدة للمنظمة. انه أقرب الى دار عناية بالمناضلين القدامى، يتجمعون فيه حول حكايات الماضي، التي تتحول، على الرغم من مأسويتها، وبفعل الحنين وقسوة الحاضر ذكريات جميلة ونوادر وزمناً جميلاً ولى. هم هناك بانتظار ما ستجود عليهم به المنظمة من مساعدات هي حقهم الطبيعي بعد سنوات من العمل النضالي والعسكري الذي خلف لدى معظمهم اعاقات مستديمة. ولكن الإنتظار يطول والصبر ينفد تماماً كما في حكاية الملاكم. في فيلميها، يتصاعد رصد اليومي الى ذروة الإنفجار أمام الكاميرا اذ لا يمكن هذه المأساة أو تلك ان تحافظ على رباطة جأشها طوال الوقت. ولكنه الانفجار الانساني لتيريز(إحدى المناضلات القدامى التي تحولت الى العمل المكتبي متابعة أحوال رفاقها ومعوناتهم) الذي يفيض دموعاً وسواداً حالكاً في "ذاكرة مثقوبة"، بخلاف المشهد الختامي في "قمر 14" المفتوح على قراءات متعددة (هرولة الشاب على طريق جبلية عند الفجر بما تحمله من تأويلات في اتجاه التحرر أو الهروب أو الهجرة او السجن الكبير). هناك كان يمكن الكاميرا ان تخرج الى الفضاء في معاينتها مصير فرد. ولكنها هنا محكومة بالحصار وبالسوداوية إذ شاءت ان تتناول مصير شعب وقضية في ماضيه وحاضره.

المستقبل اللبنانية في

12/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)