حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

تتحدث 18 لغة مع انطلاقتها الخميس

شاشة مهرجان برلين لا تعرف العربية

محمد رُضا

تتحدّث شاشة قصر المهرجانات في برلين بدءاً من الخميس المقبل ثماني عشرة لغة عالمية ولن يكون بينها اللغة التي يتحدّث بها يومياً نحو 300 مليون فرد وهي العربية . ستكون هناك لغات لاتينية وشرق آسيوية (صينية ويابانية) وفرنسية وايطالية وألمانية وبلقانية وإنجليزية من بين أخرى، لكن العربية غائبة هذا العام كما كانت في معظم الأعوام الستين التي يتألّف منها عمر مهرجان برلين .

لا تلم الغرب، فهذا يبحث عن الفيلم الجيّد ويعرضه، وإذا ما تحامل على السينما العربية فلم يأخذ منها عملاً جيّداً، فلأن هذا العمل الجيّد إما هو غير موجود أساساً أو أنه سبق له، وعلى ندرة نوعيّته، أن عُرض في مهرجانات أخرى . ومع افتراضية أن الغرب الثقافي متورّط بتهمة الانحياز، فإن ما يساعده على ذلك عدم وجود سينما عربية فاعلة . القليل الجيّد الذي يأتي من المغرب ومصر ولبنان (صاحبة الإنتاجات الأعلى الموزّعة عالمياً) لا يلبّي حاجة السوق، وفي أحيان كثيرة ينتمي إلى حقيقة أن ليس كل فيلم جيّد هو فيلم مهرجان كبير . لو لم يكن ذلك حقيقياً لكنّا شاهدنا عشرات الأفلام في مسابقات السينما العالمية عوض حفنة منها في كل مرّة .

تجاوزاً لهذا القصور العربي الذي نعيش حضيضه دوماً ويؤثر، مثل سواه، على سمعتنا الثقافية والاجتماعية، فإن أحد الأفلام المشتركة في المسابقة آت من دولة اسلامية شقيقة وقريبة منا جغرافياً وتاريخياً هي تركيا . الفيلم هو “عسل” ويتكوّن من حكاية آسرة حول صبي اسمه يوسف يذهب أحياناً مع أبيه يعقوب إلى جبال القرية الكبيرة حيث يجمع العسل . في ذات يوم، ينطلق الأب باحثاً عن النحل الذي انقطع فجأة . غياب الأب يطول والصبي لم يعد راغباً في الحديث مطلقاً . أمه تأخذه في رحلة بحث عن أبيه وهنا تختلط الحكاية بالمراجع الدينية كما توحي أسماء الشخصيات المستخدمة هنا .

هذا الفيلم التركي هو واحد من عشرين فيلماً داخل مسابقة برلين هذا العام التي يبدأها الفيلم الصيني الجديد للمخرج توان يوان “منفصلان معا” ويختتمها الفيلم الياباني “حول أخيها” . والملاحظ بعد الكشف عن القائمة الكاملة لأفلام المسابقة كيف تختلف المواضيع المطروحة في نواح عدّة وكيف تلتقي، أحياناً، من نواح عدّة في الوقت ذاته . وفي حين هناك العديد من الأفلام التي تنتقي، مثل “عسل” مواضيعها على نحو يخص هوية البلد الذي تنطلق منه، هناك أفلام أخرى تشترك في طرح الموضوع الواحد، من وجهات نظر متعددة في مقدّمتها هذا العام أفلام تتعلّق بالحروب التي نشبت من أربعينات، القرن الماضي وخمسيناته وصولاً إلى العصر الحالي . هذه الأفلام لها دلالاتها الإنسانية الكبيرة حتى ولو كانت مطروحة في إطارها الجغرافي المحدد . فيلم الافتتاح مثلاً، “منفصلان معاً” يمكن اعتباره مثالاً، فهو عن زيارة نادرة يقوم بها جنود تايوانيون إلى الصين للقاء أقاربهم الذين خلفوهم وراءهم حين انسحبوا إلى الجزيرة القريبة التي سرعان ما تشكّلت واعلنت استقلالها . إلى جانب ما يتيحه هذا اللقاء من العزف على وتر الإنسان الواحد في كلا البلدين، هناك مراجعة، تقول المعلومات المتوفّرة عن الفيلم، للذات كما للتاريخ خصوصاً حين تأتي تلك الزيارة، كما هو متوقّع، لتفتح باب الذاكرة على تداعيات لا تود أن تنتهي .

أيضاً في نطاق حروب ذلك العصر، نجد الفيلم الياباني “يرقانة” . ومثل المعنى التي تعبّر عنه الكلمة التي تصف حال فراشة في مطلع تكوينها، يعود محارب ياباني إلى بلدته من الحرب الدائرة بين اليابان والصين مبتور الأطراف الأربعة . وعلى الزوجة أن تكشف عن أصالتها الحقيقية متحمّلة وضعاً معيشياً ونفسيا صعباً في سبيل البرهنة لسكّان القرية على حسن أخلاقها وحفاظها على التقاليد .

ومن ذات الفترة يأتي الفيلم الألماني “اليهودي سوس- صعود وهبوط” وهو عن الممثل الذي لعب شخصية حقيقية سنة 1939 في فيلم اعتبر معادياً للسامية عنوانه “اليهودي سوس”، في حين أن الفيلم الحالي الذي أخرجه الألماني أوسكار روهلر يتحدّث عن ذلك الممثل و”مأساته” كونه شارك في ذلك العمل . مسألة البحث عن الحقيقة في حياة الشخصية المعنية، واسمها الكامل جوزف سوس، تبدو حاضرة في أضيق نطاق . في الواقع فإن هذا رجل الأعمال هذا، الذي عاش في القرن الثامن عشر، مارس عملية سيطرة واسعة على العديد من المستوردات مثل الجلد والدخّان وتدخّل في شؤون القضاء ومارس العمل الاقتصادي لمصلحته طويلاً قبل أن يُحاكم ويُعدم . صحيح ان الآلة النازية في الثلاثينات سعت لإنتاج فيلم يخدم أغراضها، الا أن أحداً لم يتحدث بعد عن الحقائق ذاتها .

هذا المد من الأفلام المتعاملة مع الحرب تمتد لتصل إلى أيامنا هذه . فيلم “على الدرب” للمخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش يتابع مشوار بدأته منذ سنوات للحديث عن الحرب التي وقعت في بلادها والمذابح التي تعرّض إليها شعبها في التسعينات . مثل الحروب الحديثة في كل مكان (اللبنانية، الفلسطينية، الأفغانية) هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الفيلم الذي من شأنه تأريخ فترة ما زالت ماثلة بكل آلامها .

 

رؤية جديدة لـ"القاتل في داخلي"

الفيلم الجديد من المخرج البريطاني مايكل وينتربوتوم لا علاقة له بالمهاجرين الأفغان، كما كان حاله عندما قدّم سنة 2002 فيلمه “في هذا العالم”، ولا بالحرب البوسنية كما فعل سنة 1997 حين أخرج فيلمه الجيّد “مرحباً إلى ساراييفو”، أو بالموضوع الباكستاني كما فعل قبل ثلاثة أعوام في “قلب كبير”، الذي جاء بعد عامين على فيلمه الوثائقي “الطريق إلى غواتانامو” .وينتربوتوم سيرتاح من عناء السياسة، المباشرة على الأقل، ليعود إلى الأعمال ذات الأجواء الخاصّة، تلك التي بدأ بها في أفلام مثل “قبلة الفراشة” (1995) و”جود” (1996) و”أريدك” (1998) . الفارق الرئيسي والوحيد هو أنه في فيلمه الجديد “القاتل في داخلي” يستعير من أدب المؤلّف البوليسي جيم تومسون واحدة من أفضل رواياته .

جيم تومسون، الذي وُلد في أمريكا، سنة 1906 ومات فيها سنة 1977 كتب نحو ثلاثين رواية في الفترة الذهبية لذلك النوع من الكتابات (الأربعينات) لكنه لم ينل شهرته التي يستحق الا لاحقاً في السبعينات . “القاتل الذي في داخلي” تنتمي إلى فئة من أعماله تميّزت بكتابة لا تقل أهمية عن أي عمل أدبي كلاسيكي من الفترة ذاتها أو بعدها . كذلك بعض رواياته الأخرى “ليلة متوحّشة” و”بوب 1280”، وحقيقة أنه كان مولعاً لأدب فيودور دوستويفسكي يجعل من السهل معرفة اختياراته من أسلوب السرد وتقديم الشخصيات وتصوير عوالهما .

رواية “القاتل الذي في داخلي” نٌشرت سنة 1952 ووصفت منذ ذلك الحين بأنها واحدة من أكثر الروايات رفضاً للتنازل عن وضعيّة شخصياتها القاسية والعنيفة . تدور حول معاون شريف في بلدة تكساسية صغيرة اسمه لو فورد . إنه يبدو من الخارج شخصاً عادياً في بلدة عادية، لكنه في الحقيقة شخصية مهزوزة نفسياً تعاني من فساد عميق يتجاوز الظروف التي عادة ما تكون السبب في الانحراف . لو كان اعتدى على قاصر حين كان شابّا وصمت حين انبرى شقيقه الأكبر معلناً أنه الفاعل لأجل حماية مستقبل أخيه الصغير . بعد خروج الأخ من السجن يباشر العمل في موقع بناء لكنه يموت في حادثة . لو سيعتبر أن الحادثة مدبّرة ويريد النيل من مدير الموقع عبر توريط ابنه في جريمة قتل . سبيله الى ذلك هو قتل فتاة الليل، التي هي عشيقته، وقتل الشاب وتصوير الأمر على أنه حادث . لكن فتاة الليل تنجو من الموت وتدخل في غيبوبة وهو يحاول الآن تدبير حلقة من الخطط الأخرى التي يواجه فيها الشبهات .

في الفيلم، الذي سيعرضه مهرجان برلين خلال دورته الجديدة، يقوم كايسي أفلك (شقيق بن أفلك) بدور لو فورد، وتعيش جيسكا ألبا دوراً صعباً لاعبة شخصية فتاة الليل، وتشاركها كايت هدسون لتؤدي دور صديقة لو التي لم تكن تعرف عنه شيئاً . أما شريف البلدة الذي سيبدأ التحقيق وتوجيه الاتهام فسيؤديه توم باور . هؤلاء يمثّلون إلى جانب بضعة أسماء معروفة أخرى من بينهم المخضرم ند بيتي والممثلون سايمون باكر، إلياس كوتياس وبل بولمان .مايكل وينتربوتوم ليس المخرج الأول الذي نقل رواية من أعمال جيم تومسون .

في الأساس كتب تومسون حوار فيلم ستانلي كوبريك البوليسي “القتل” (1956) وسيناريو فيلمه التالي “ممرات المجد” في العام التالي . السينما اقتبست له “الفرار” سنة 1972 الذي أخرجه سام بكنباه وقام ستيف مكوين ببطولته لجانب آلي ماكجرو . الفيلم ذاته أعيد تحقيقه سنة 1994 من بطولة أليك بولدوين . أما “القاتل في داخلي” فاقتبس مرّة سابقة حين انبرى المخرج بيرت كندي للمشروع سانداً الدور الأول لستايسي كيتش سنة 1976 .

 

علامات

الإنتاجات المشتركة

في حين أن الفن الكبير ينتج أبعاداً سياسية، وإنسانية عميقة، تجد أن السينما، كما هي ممارسة في بعض أركان هذا العالم، مكبّلة بقيود وسلاسل النظام التي تعمل فيه . قد يكون النظام يسارياً وقد يكون يمينياً، إلا أنه في الحالتين يؤمن بأن كلمته هي التي تسود كل ما يُنتج من أعمال مكتوبة أو مصوّرة . لا داعي لسواها لأن سواها، لا ينصب في مصلحة الدولة . هذا المبدأ سارت عليه النظم الستالينية والنازية على حد سواء . كان ولا يزال ممارساً في دول لاتينية ومورس في إسبانيا عهد فرانكو وفي الصين إلى اليوم ولا ننسى كوريا الشمالية وفيتنام حيث الحرّية مكبّلة بأصفاد .

أمل الجمل، مؤلّفة كتاب “أفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية” لا تتطرّق إلى الموضوع من الناحية السياسية ولا تقارن بين أوضاع مصرية وعالمية، لكن موضوع الرقابة يحتل صفحات عديدة من كتابها الزاخر بالنماذج والأمثلة تحت مظلة الموضوع الذي يعبّر عنه العنوان أفضل تعبير .

في الحقيقة، الكتاب ذاته، بتغيير محدد في المعالجة، يصلح لأن يكون تأريخاً للرقابة المصرية حيال السينما والأفلام ونظرتها إليهما . صحيح أن الجانب المطروح هنا هو الأفلام ذات الإنتاج المشترك، لكن القاريء لهذا العمل الموسّع، يعلم أن ما يُقال في العلاقة بين الرقابة والسينما المنتجة من طرف مصري وطرف أو أطراف غير مصرية، هي ذاتها التي تحكم العلاقة بين الرقابة والفيلم المصري المنتج داخلياً .

وهناك سبب مهم لذلك: كيف سيتمكّن النظام الذي يمارس هذه العلاقة من تأسيس نفسه عميقاً في جذور التربية الوطنية والاجتماعية ويجعل نفسه أمراً واقعاً وقابلاً للاستمرار إذا لم يُسيّر الوسائل التي يقرأها ويسمعها ويشاهدها الناس في حياتهم اليومية؟ الكتب والصحف كما الإذاعات والتلفزيون والسينما، عليها جميعاً أن تعمل لصف الوضع القائم لكي تنجز الأهداف العليا . هذا هو مفهومنا العربي للدولة . ليس المفهوم الأوروبي وليس المفهوم في صياغته الإنسانية المطلقة .

في وسط هذا الوضع، فإن المبدع مقيّد اليدين وغير المبدع متحرر . الأول لا يستطيع سبر غور مهنته والتوسّع في أعماله، حتى ولو لم يكن بالضرورة سياسي التصوّر، والثاني مُتاح له أن يعمل ويزدهر مادام اختار طريق السلامة .

الكتاب يوعز بهذه الملامح الفعلية للعلاقة بين الرقابة والسينما طيلة الوقت، منذ أن يبحث في “الخلفية التاريخة، الاقتصادية والسياسية للإنتاج السينمائي المصري المشترك” (الفصل الأول من الباب الأول) وصولاً إلى مادّة الصفحات الأخيرة المخصصة لفيلم “ناجي العلي” كما أخرجه الراحل عاطف الطيّب . علي طول هذا الخط تبرز الرقابة كجهة تقف عندها المشاريع المشتركة من ناحية وكفاعل في تسيير دفّة السينما على النحو الذي يؤمّن لها تنفيذ الأسباب التي دعت إلى قيامها من ناحية أخرى .

إذ ينطلق الكتاب من الأربعينات من القرن الماضي حين تم إنتاج “أرض النيل” ويمضي في رحلته، يقلّب جيّداً وبإمعان في صفحات النظم التي توالت من مصر قبل الثورة عبر فصول منبثقة عن نوعيات وفئات الإنتاجات المشتركة ذاتها بدءاً بالسنوات الأولى، حيث كان مفهوم الإنتاج المشترك بين مصر وباقي أنحاء العالم لا يزال ضبابياً لأسباب مختلفة وانتهاءً بالباب الذي عنونته الكاتبة ب “سنوات التحقق” وهي التي شهدت دوران عجلة الإنتاج المشترك في الثمانينات.

م .ر

merci4404@earthlink.net

http://shadowsandphantoms.blogspot.com

الخليج الإماراتية في

07/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)