حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مخرج التايتانيك جيمس كاميرون ينقل السينما إلى عصر جديد

بفيلم الفانتازيا «أفاتار» الذي اختتم به مهرجان «دبي» دورته السادسة

هوليوود: محمد رُضا

لويس لو برينس أنجز سنة 1888 الفيلم الأول في التاريخ.

تشارلي تشابلن غيّر وجه الكوميديا.

ايزنشتاين أنجز نظرية المونتاج.

ألفريد هيتشكوك امتلك ناصية التشويق.

ستيفن سبيلبرغ غيّر فصول السينما.

أما جيمس كاميرون فقد نقل السينما من عصر إلى عصر.

فيلمه الجديد «أفاتار» أكثر من مجرّد فيلم فانتازي ثم أكثر من مجرّد فيلم مؤثّرات. إنه عالم مصوّر آت من بعيد لم تصنعه الكاميرا وحدها أو المؤثرات وحدها أو الكومبيوتر غرافيكس بمفرده. صنعته مخيّلة مخرج عظيم الشأن، عنيد النيّة وموهوب حتى آخر خلية في مخّه.

هذا أغلى فيلم تم صنعه وأعلى الأفلام على صعيد الطموحات المحيطة به. يوم الجمعة في الرابع من هذا الشهر تم عرض الفيلم على نقاد هوليوود. يوم السبت قابلنا المخرج وفريق عمله ومن وقتها والفيلم، الذي اختتم الدورة السادسة من مهرجان «دبي»، لم يبارح البال. صوره عالقة. مشاهده تذهب معك إلى الفراش وتستيقظ فتجدها تنتظرك في اليوم التالي.

عمل غريب المواصفات في الوقت ذاته قابل للتصريف على أكثر من وجه. هو قصّة حب. هو وسترن في عصر مستقبلي. هو فيلم سياسي. هو فيلم مغامرات خيالية ـ علمية وهو فيلم فانتازي. تكلّف مائتين وخمسين مليون دولار، كما يخبرنا مسؤولون في شركة «فوكس» المنتجة. تكلّف 400 مليون دولار كما يؤكد أصحاب الشائعات. سينجح محطّما الأرقام القياسية، يقول مسؤولو الاستوديو، من الصعب أن ينجح؛ يتوقّع الساخرون. لكن ذلك كله متوقّف على كم مهم بالنسبة للفرد مقارنة الدولار باللقطة أو بالكادر الواحد. بثانية يتيمة منفصلة من الفيلم الذي تبلغ مدّة عرضه 163 دقيقة.

نحن في مؤسسة علمية وعسكرية أميركية متقدّمة فوق كوكب بعيد اسمه باندورا سنة 2154. المارينز الأميركي جاك سولي (سام وورثنغتون) متطوّع للتحول إلى «أفاتار»: مخلوق نصفه آدمي من الأرض ونصفه من شعب نافي الذي يسكن القارّة. مطلوب منه أن يتعوّد على عادات وتقاليد شعب نافي لكي يتجسس على ذلك الشعب المتمسّك بأرضه في وجه مطامع المؤسسة وسياساتها الهادفة إلى تهجير الشعب عن أرضه طمعا في ثروته المدفونة تحت الأرض والتي لا تقدّر بثمن. لكن جاك يقع في حب المحاربة نيتيري (زوسالدانا) التي تقود مع والدها وشقيقها تلك الحملة المدافعة عن وطنهم رغم أن سلاحها لا يعدو القوس والنشاب. جاك يجد نفسه منجذبا لا إلى الفتاة التي أنقذت حياته ومنحته ثقتها فقط، بل إلى الحياة التي يحاول ذلك الشعب الحفاظ عليها ضد الجحافل العسكرية المزوّدة بأحدث المعدّات (موديل العام المذكور). وما تلبث المعارك غير المتكافئة أن تقع وعلى جاك أن يقرر أين ينتمي.

جيمس كاميرون كثيرا ما تعامل مع المؤثرات الخاصّة، لكنه لم يتعامل معها على هذا النحو الكاسح والجامح والجانح كما يفعل في هذا الفيلم. لم يبن عالما متكاملا ومذهلا على هذا النحو. سابقا، في أفلام مثل «ترميناتور» و«آليانز» و«تايتانك» استخدم المؤثرات في أماكن متعددة لكنه هنا يستخدمها طوال الوقت منفّذا رؤية صاحبته لخمس عشرة سنة. بعد «تايتانك» وأوسكاراته، توقع الجميع أن يعود كاميرون بفيلم كبير آخر، لكن ليس بعد اثنتي عشرة سنة ولا بهذا الحجم. جيمس يجلس ليتحدّث وهو عندما يتحدّث يكاد لا يتوقّف فحجم ما لديه قوله يماثل حجم فيلمه الجديد، لذلك وجب القيام بمونتاج حتى لا تحتل المقابلة صفحتين أو ثلاثا.

·         هل صحيح كما يقول الملف الموزّع علينا بأن الفيلم عاش معك خمس عشرة سنة قبل أن يتحوّل إلى حقيقة؟

ـ صحيح. يومها كتبت الفكرة على أوراق احتفظت بها وكنت في كل مرّة ألقي نظرة عليها وأقرر أن الوقت لم يحن بعد لإنجازها فيلما.

·         لماذا؟

ـ لأن المؤثرات لم تكن قد وصلت إلى ما أطمح إليه. أقصد بذلك أن التطوّرات التقنية لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن. خلال السنوات الفاصلة بين فيلمي «تايتانك» سنة 1997 وهذا الفيلم تقدّمت المؤثرات التقنية بكافّة مجالاتها ولم يكن من الممكن مطلقا تنفيذ الفيلم قبل اليوم بنفس النتيجة التي جاء عليها الآن. ولا تنسى فيلما كهذا حتى يكتمل تطلّب سبع سنوات من كتابة السيناريو إلى الظهور على الشاشة بالصورة التي شاهدتها.

·         هل كبرت أحلامك خلال هذه الفترة؟ هل كبرت أنت؟

ـ لا أعتقد أنني كبرت على الإطلاق لكني أعتقد أنه خلال السنوات العشر الأخيرة أصبحت أكثر تركيزا على ما أريد القيام به. لا أقصد كأفلام فقط، بل على صعيد ما نعيشه من حالات وظروف. طبعا لاحظت أن القوّة التدميرية التي تمثّلها الأرض فوق كوكب باندورا هي صدى لما يحدث فوق كوكبنا الآن. وحين أقول إنني أصبحت أكثر تركيزا، فأنا أقصد أنني بدأت أتعاطى قضايا البيئة المختلفة وهذا ما تراه في الفيلم كيفما قرأته. لقد سبق لي وأن عالجت هذه المسألة في أفلامي التسجيلية الأخيرة. لقد بدأت أرى حقيقة كيف يمكن لي أن أستخدم السينما كطريقة للحديث عن العلم والبيئة ولكي أبحر في مسائل الحياة على الأرض وما سبّبه الإنسان من ضرر للطبيعة في كل مكان.

·     الفيلم أيضا يتحدّث عن هنود القارة الأميركية فبقليل من التحوير نفهم أن ما يحدث على كوكب قارة «باندورا» هو نفسه ما حدث مع المواطنين الأصليين لأميركا. إبادة. تهجير. حرب ضارية.

ـ صحيح لأن هذا النوع من الحرب مرتبط بالمصالح ذاتها التي تسببت في الإضرار بالبيئة العالمية تبعا لسياسة اقتصادية لم تأخذ بعين اعتبارها المسائل الإنسانية ولا المصالح الرئيسية للناس في أي مكان. نحتاج أن نقدّر الحياة الأم كما وُلدت على سطح هذه الأرض. علينا حماية البيئة والطبيعة والدفاع عما وجدنا هذا العالم عليه حين وُلدنا فوقه عوض أن نتركه خرابا ودمارا للأجيال المقبلة. هذا يشغلني لأنه ليس مسألة خارجية أو كمالية. إنها مسألة لها علاقة ببقائنا أحياء. علينا أن نفهمها بطريقة علمية وعلينا أن نفهم ما علينا القيام به قبل أن ننجح في تدمير الأرض. بالتالي علينا أن نغير طريقة حياتنا وبذلك فإن المسألة ليست مجرد طبيعة لا تلبّي احتياجاتنا بل هي مسألة تتعلّق بنا في الأساس.

·         حين تتحدّث عن العلم تعني العلم في حياتنا. أليس كذلك؟

ـ بالطبع.

·     لكن ماذا بالنسبة للعلم على الشاشة؟ هل أستطيع أن أشكرك أولا على أنك أعدت العلم إلى الخيال العلمي بدل أن يبقى هذا النوع شأنا ترفيهيا خالصا؟

ـ أنا من أشكرك وهذا صحيح. العلم في الخيال العلمي ضاع بالفعل. ألا تعتقد؟. لقد تابعت أفلام الخيال العلمي منذ أن كنت صغيرا وأذكر كيف كانت تتحدّث عن المخاطر التي تهدد الإنسان منذ ذلك الحين. وكانت تنوّع في مصادر هذه المخاطر. بعضها كان يتحدّث عن دمار العالم بفعل القنبلة النووية، بعضها بفعل الهجوم على الأرض.

·         في «أفاتار» نحن الذين نهاجم الكواكب الأخرى..

ـ صحيح.

* وما أقوله هو أنك كنت تستطيع أن تجعل أهل الكوكب الآخر أشرارا وبذلك يتم تحويل العلم إلى غاية للدفاع عن الإنسان بصرف النظر عن أفعاله.. بذلك يصبح «أفاتار» فيلما عسكريا.. ـ كان لا بد من الاهتمام بما يمنح الفكرة كل ما ذكرته من التعاطي مع الشؤون الإنسانية. لقد محا الإنسان حضارات سابقة بفعل الهيمنة والسيطرة على الشعوب التي كانت تعيش تبعا لتقاليد لم تكن لتستطيع مقاومة التغيير الهائل الذي حدث.

·         تماما كالجنود الزرق والهنود الحمر..

ـ صحيح. ولا أعتقد أنه كان بالإمكان إيصال هذه الرسالة من دون منح أهالي الكوكب المذكور حيزا واقعيا وحقيقيا لأنك لا تستطيع تمرير رسالتك إذا ما وجدت أن الضحايا في الفيلم يستحقّون مثلا أن يكونوا كذلك. كأن تقدمهم كأعداء للحضارة الوافدة. عليك أن تُلازم الحقيقة كما برهنها التاريخ وهي أن الإنسان الأبيض هو الذي أضر بمصالح الحضارات الأولى وسمّاها بدائية. جزء من هذا الاحترام هو إيجاد لغة جميلة يتحدّث بها أهل الكوكب.

·         من أين ألّفت هذه اللغة؟ من أين جئت بها؟

ـ هذه لغات حقيقية بعضها له أصول هندية وبعضها من أصول آسيوية. لغات حقيقية متداولة ومهددة. تصوّر أن هناك لغات قد اندثرت تماما من دون أن يستطيع الإنسان الاحتفاظ بها. إنها جزء من حضارات منتهية كان يمكن إنقاذها من الدمار.

·     هل لك أن تتوسع قليلا في الحديث عن كيف تم إنجاز هذا الفيلم تقنيا؟ هذا أيضا جزء من الاحتفاء بالحضارة أن تعتني بالعالم الذي تقع فيه تلك الحضارة ونحن نلاحظ قوة بصرية تدعو إلى الإعجاب بالمكان وبالشعب..

ـ هذا ما أود سماعه وقد انتهيت من مشاهدة فيلمي كاملا لأول مرّة قبل ساعة ونصف فقط من عرضه عليكم. كنت أتساءل إذا ما كان سيقدّر البعض أن جماليات الفيلم كلها تكمن في ذلك العالم الجميل وليس في العالم المسلح بالرغبة في السيطرة عليه. ردّا على سؤالك، كنا نعلم أننا سنحاول رفع سقف فن الكومبيوتر غرافيكس إلى ما لم يصل إليه فيلم آخر. كان علينا أن نؤسس لمخلوقات جديدة وعالم جديد من دون أن نغترب بعيدا. كان علينا أن نبقى قريبين من العاطفة في الوقت ذاته. هذا فيلم عاطفي ليس فقط بسبب قصته، بل بسبب ما يقترحه من علاقة منشودة بين المشاهد وبين شخصياته الإيجابية. علينا أن نصدق ما نراه لكي نتعاطف مع ما نراه. لذلك كان علينا أن نبلور تكنولوجيا جديدة تستطيع إنجاز ذلك وتأكيد أنه ممكن. وكان علينا أن نبرهن لأنفسنا أولا أن إنجاز هذه التقنية لتؤدي هذا الغرض هو أمر ممكن وإلا لما كان هناك فيلم أساسا. كنا نريد أن تشعر شركة «فوكس» بأن ما نقدّمه أمر يستطيعون تبنيه أيضا قبل أن يضعوا التمويل المطلوب لهذا الفيلم.

·     الممثلون الآدميون صوروا أدوارهم ثم تم تلبيس الشخصيات الملامح المستحدثة على الكومبيوتر وهذا تم سابقا وإن لم يكن بنفس الطريقة؟

ـ بيتر جاكسون («سيد الخواتم») وروبرت زميكيس («كريسماس كارول») فعلا ذلك، لكن الوسيلة التي اتبعناها على الكومبيوتر، واسمها «أنيماشن غرافيكس» اختلفت. في الأساس استخدمنا ما توصلت إليه التكنولوجيا في هذا المضمار ثم أضفنا الكثير مما لم يتم توفيره من قبل ضمن هذه التكنولوجيا. أعتقد أن النتائج أكثر وضوحا ودقة والحركة أكثر تلقائية كذلك لا تنسى وجود الأذن التي تتحرك تلقائيا والأذناب أيضا. هذا شعب جديد وكان بحاجة إلى معالجة جديدة من كل النواحي. تلاحظ أيضا أن إمارات أهل الكوكب تختلف فيما بينها كما تختلف إماراتنا. لكل ملامحه وهذا بدوره كان يتطلب شغلا خاصا على الوجه وبأدق التفاصيل.

·     فوق كل حسناته هو أيضا فيلم بالأبعاد الثلاثة. هل ترى أن السينما ستنتقل من اليوم وإلى الأبد إلى هذا النوع من العرض، ولماذا تعتقد أنه مهم لنا؟

ـ هذا ما أراه في هذا الشأن: أنت ترى العالم في حياتك الخاصّة بالأبعاد الثلاثة. لكنك تعوّدت على البعدين وعلى محدودية الشاشة المسطّحة. قبلت بها. تماما كما قبلنا سابقا بأن الأفلام أبيض وأسود إلى أن تم صنع الأفلام الملونة وفي البداية بدا ذلك غريبا، لكنه بات اليوم ضرورة. لا تستطيع أن تشاهد فيلما جديدا غير ملون من دون أن تشعر بقدر من الغرابة. هذا ما سيقع بالنسبة لسينما الأبعاد الثلاثة. ربما هناك من لا يزال يفضل عليها الأفلام ذات البعدين وأنا لا أقول إن هذا الإعجاب بها سينزوي قريبا. لا أعتقد أن سينما الأبعاد الثلاثة ستهيمن على السينما في القريب العاجل لكنها بكل تأكيد هي المستقبل.

·         كم من الوقت سيمضي قبل أن تعود في فيلم جديد؟

ـ (ضاحكا) لا لن يكون الفاصل اثنتي عشرة سنة أخرى. أنا في المكان الذي أود أن أكون فيه الآن. أستطيع أن أنجز ما أريد.

·         إذن تعتقد أن هناك متسعا من التطور فوق ما أنجزته إلى الآن؟

ـ صحيح. أعتقد ذلك بالفعل، وسأعود قبل مضي خمس سنوات على هذا الفيلم. لقد أنشأنا عالما كما أنشأ «ستار وورز» عالمه. لكنه عالم مختلف بالطبع وإذا ما نجح هذا الفيلم سيكون هناك المزيد منه.

الشرق الأوسط في

18/12/2009

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)