تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

الحركة البطيئة للصورة في السينما

صلاح سرميني / باريس

في زمن السينما الصامتة، كانت العلاقة مع الزمن الفيلميّ مختلفة تمامًا، بسبب تصوير الأفلام بسرعة 18 صورة في الثانية بدلاً من 24، مما جعل حركة الممثلين أكثر سرعةً من المُعتاد في الحياة الواقعية.

وعلى العكس، تنتج الحركة البطيئة في الصورة (Slow motion) عن طريق التصوير بسرعةٍ أكثر من 24 صورة في الثانية، وكلما زاد عدد الصور المُنطبعة على الشريط الخام في وقتٍ معين، كلما كانت حركة الصورة بطيئة عند عرضها بالسرعة القياسية.

ومع المونتاج، والمُؤثرات الرقمية، أصبحت الحركة البطيئة متداولة الاستخدام، وخاصةً في أفلام المُغامرات، وبما أنّها تأثيرٌ بصريّ يمنح المُتفرج إمكانية قراءة الصورة، وتفحصها بشكلٍ أفضل، نجدها تُسبب مشكلةً في الصوت، حيث يصبح الحوار مُشوّهًا، ممطوطًا، وغير قابل للفهم.

بتغيّير زمن الصورة التي نُشاهدها، تمنحها الحركة البطيئة شكلاً شبيهًا باللوحة، وزمانًا جديدًا مُرتبطًا بالاندهاش.

في فيلم Paycheck, لـ"جون وو" عندما يرى "بن أفلاك" الحلوة "أوما تورمان" بين الورود، فإنّ نظراتهما المُتبادلة مُصوّرة بحركةٍ بطيئة للصورة، لقد اختفى زمن الحدث الأساسيّ، واُستبدل بفضاءٍ زمانيّ آخر، داخليّ، وحميميّ، يُجسّد مشاعر البطل.

هذا الاستخدام المألوف يُزيد من التوتر الدرامي، وهو الهدف الأول للحركة البطيئة للصورة، التأكيد على لحظةٍ ما، وتمديدها لمنحها مذاقًا مختلفًا.

في أفلام الحركة، كما الحال في Paycheck ، بعض الحركات مُبطئة لتُحدث امتدادًا لها بهدف تجديد رغبة المُتفرج التطهيرية "وبشكلٍ خاصّ مشهد المعركة".

بعض السينمائيين يستخدم هذا التأثير بإفراطٍ، كما الحال عند "تارانتينو"، ومشاهد الحركة المُسهبة في فيلم "سوف أقتل بيل"، التي يستخدمها بشكلٍ منهجيّ، وساخرٍ، أكان ذلك في لقطةٍ لإظهار نظرة بسيطة، أو أحاسيس إحدى الشخصيات، أو احتفاءً بسينما يحبها، سينما موسيقية.

يلجأ "تارانتينو" ـ كما "جون وو" ـ إلى الحركة البطيئة "بالإضافة لاستخداماتها الهوليوودية" لخلق إيقاعٍ موسيقيّ، حيث تصبح الحركات البطيئة للمعركة خطواتٍ راقصة، وتتحوّل مشاهد الحركة إلى باليهاتٍ.

في أفلام "جون وو" مثل The Killer، وبفضل الحركة البطيئة، يصبح مشهد الحركة تجسيدًا للمشاعر، ووسيلةً لاستبدال الحوار بمُوسيقى الصورة.

تمتلك الحركة البطيئة أيضًا وظيفةً مُتعارضة، هي تُجسّد أحيانًا حالةً من التأمل، وقد أظهرها "غوسفان
سانت" جيدًا في فيلمه
Elephant ، حيث حركات الكاميرا المُتابعة Travellings مُبطئة بشكلٍ خفيف
مما يجعل الحركات أكثر فخامة.

وبعيدًا عن الاستخدامات الهوليودية المُتفق عليها، فإنّ الحركة البطيئة تجعل الصورة صوتًا، موسيقى، ورقصًا (مارتين دوروت، موقع Cinefeuille) .

ولفهمٍ أفضل لبعض وظائف، وتأثيرات الحركة البطيئة في الصورة، أقدم هنا بعض الأمثلة، والنماذج من أفلامٍ/عيناتٍ تمّ اختيارها عشوائيًا.

حَلفُ اليمين في مدرسة "بوكونغ"

في الفيلم الأندونيسيّ Sumpah pocong di sekolah(حَلفُ اليمين في مدرسة "بوكونغ") من إنتاج عام 2008، وإخراج Awi Suryadi ، تدور الأحداث في مدرسةٍ داخلية، المُعلمة الجديدة "سونيا" تقدم نفسها للتلاميذ، "رامون"، المُعجب بها، لا يُعير انتباهًا لكلماتها، فاغر الفم، يسيل لعابه، يُركز كلّ  حواسه المُتهيّجة على شفتيّها، وأصابع كفها تداعب خصلات شعرها، يتخيلها ترتدي ملابس مثيرة، تتفحص الكاميرا جسدها ببطءٍ، وتهبط نحو الأسفل في حركةٍ خفيفة لتُظهر ساقيّها، تشير إليه بأصابعها، تعطيه الطبشورة ليكتب شيئًا ما على اللوحة السوداء، هي في خياله تدعوه ليُحقق حلم يقظته، وحالما تجرّه نحوها، ينتقل المُونتاج إلى مشهدٍ آخر، هو يحلم فعلاً في سريره، انتقالٌ زمانيّ، ومكانيّ مُفاجئ، تُفسره التيمة المُشتركة ما بين مشهد حلم اليقظة في المدرسة، وحلم النوم في غرفته المُشتركة مع أصدقائه الآخرين، في بداية اللقطة تُظهره الصورة يحلم جالسًا في قاعة الدراسة، ولكن، حالما تدور الكاميرا ببطءٍ نصف دورة حول محورها، نعرف بأنه مستلقٍ في سريره، وهنا يتضافر تأثير دوران الكاميرا مع الحركة البطيئة في الصورة، كما تتوافق الموسيقى مع الحالة الحلمية التي يعيشها "رامون"، وتمنح المشهدين نوعاً من الهزل.

بدوره، عندما يصعد والد "رامون" في سيارته، وتعبر إطار الصورة من يمينها إلى يسارها، تتباطئ الحركة فيها لتُظهر شبح فتاةٍ "بونا" تجلس في المقعد الخلفي، وهذه المرة المُوسيقى في ذروتها مُعلنةً بأن الشبح المشكوك به حقيقيّ.

يجدر الإشارة، بأنه ليس من الضروري دائمًا استخدام الحركة البطيئة في حالات الحلم، وعلى سبيل المثال، عندما ينام الأبّ أمام جهاز التلفزيون، يخرج من شاشته شبح الفتاة، تتقدم نحو الأب النائم زاحفة على يديها، وركبتيّها، وتنقضّ على رقبته، فيصحو من نومه مرعوبًا، كان ذلك المشهد حلمًا، ومع ذلك لم تكن الحركة بطيئة في الصورة.

في مشهدٍ لاحق، يعود البناء السينمائيّ لاستخدام الحركة البطيئة في لحظاتٍ زمنية لا تدوم أكثر من ثوانٍ، وبالتحديد، عندما يدخل "رامون" إلى مصعد المدرسة، حيث تتباطئ حركة المصعد ما بين طابقٍ، وآخر، ويتراءى للمُتفرج شبح الفتاة في عمق الصورة، وهنا تمتلك الحركة البطيئة وظيفةً استشعاريةً لما ينتظر "رامون"، وباقي شخصيات الفيلم.

بدون إبطاء الحركة في الصورة، لن يتمكن المُتفرج من رؤية شبح الفتاة التي سوف نتعرّف فيما بعد على قصتها، وأسباب ظهورها المُتقطع، وانتقامها من والد "رامون" الذي كانت تحبه، وحملت منه، ولكنه طلب منها إجهاض الجنين، وماتت إثر نزيفٍ حاد، وكي يخفي أثر الفضيحة، والجريمة يدفن جثتها خلف أحد جدران المدرسة.

"سينغ" هو الملك

في الفيلم الهندي Singh Is King(سينغ هو الملك) من إخراج Anees Bazmee، وإنتاج عام 2008 يُبالغ البناء السينمائيّ في الاستخدامات المألوفة للحركة البطيئة في الصورة، أكان ذلك في الحالات الرومانسية، الحُلمية، أو مشاهد الحركة.

في أحدها، تتباطئ الحركة في الصورة إلى حدّ توقفها لثواني، ومن ثم تعود إلى حركتها الطبيعية، أو المُتسارعة.

وربما يُعتبر الفيلم الأمريكي/الأوسترالي " The Matrix" للمُخرج Andy Wachowski، وإنتاج عام 1999 "بدون أن يكون ذلك تأريخًا قاطعًا" تمهيدًا لهذه الاستخدامات، ولكنها، في ذاك الفيلم بالذات، امتلكت تبريراتها، حيث لم تكن الشخصيات أكثر من صورٍ تتحرك في عالمٍ افتراضيّ يمكن لها التحكم في الفضاء الزمانيّ، والمكانيّ، وفيهما تتباطئ الحركة، وتمنح المتفرج إمكانية متابعة خط سير رصاصة تنطلق من فوهة مسدس، وتتوجه نحو "نيو"( Keanu Reeves) القادر على إزاحتها عنه، كما الطيران في الهواء, أو بالأحرى تزحلق صورته في حركةٍ مُتقطعة، أو مُتسارعة.

في "سينغ هو الملك" المُمتع في مُبالغاته الدرامية، الشخصيات حقيقية تؤدي أدوارها في حياةٍ تخيّرتها لنفسها، ولهذا، فإنّ استخدام الحركة البطيئة في الصورة، توَقفها أحيانًا، وتسارعها في بعض المرات، هي استخداماتٍ جمالية تنزع عن الحدث، والشخصيات واقعيتها، وبالمُقابل تضعنا في حالة "تغريبٍ سينمائية"، يؤكدها هوس أفراد العصابة بالسينما، الهندية على وجه التحديد، وتُحيل بعض المواقف، والحوارات إلى أفلامٍ سابقة حفظوها عن ظهر قلب "بدون أن يكتسب الفيلم أسلوبًا ما بعد حداثيًا"، ويبدو للمُتفرج بأنهم يمثلون أدوار فيلمًا متخيلاً، ويعيشون أحداثه يومًا بيوم، حتى أنّ سكرتيرة زعيم العصابة الملك "لوكي"( Sonu Sood) تحلم بأن تصبح نجمةً سينمائية، وتطلب منه التوّسط لها لدى أصحابه المخرجين، والمُنتجين، وفي أحد المشاهد الطريفة، يخفي أفراد العصابة وجوههم خلف أقنعةٍ كرتونية تُمثل مشاهير السينما الهندية في محاولاتهم للتخلص من"بونيت"(Ranvir Shorey) الذي يستعد للزواج من الحلوة "سونيا"(Katrina Kaif) كي يفسحوا المجال لملكهم الجديد "هابي"(Akshay Kumar) بالزواج منها.

تستمر الإحالة إلى السينما حتى اللقطات الأخيرة المُكثفة لأحداث ما بعد الفيلم، والمُرافقة للعناوين الختامية، حيث يظهر شخصٌ من خلف ستارٍ، ويضرب دفتيّ لوحة صائحًا "كلاكيت".

في مشاهد الحركة، إبطاء الصورة ينزع عنها واقعيتها، ويُضفي عليها أحيانًا نوعًا من الهزل، ويُخفف قليلاً من تسارع الإيقاع المُونتاجيّ للفيلم.

ومن يمتلك درايةً بتقنيات التصوير، يعرف بأنّ السينمائيين يلجأون أحيانًا إلى لحركة البطيئة "والسريعة" لإخفاء قصور في أداء المُمثل، لأنّ تأثير الإبطاء يخفي حقيقة تنفيذ لقطةٍ ما بطريقة مُصطنعة :إشارةٌ  عادية تُوجهها "سونيا" إلى وجه أحد الأشرار، سوف تُحولها الحركة البطيئة "أو السريعة" في الصورة "بالإضافة لمُؤثر صوتيّ مناسب" إلى ضربةٍ احترافية قوية جداً، تجعل الشرير يطير في الهواء، ويصطدم بالحائط، أو بسيارةٍ "مثلاً".

"سينغ هو الملك" يتشارك مع الفيلم الأندونيسي (حَلفُ اليمين في مدرسة "بوكونغ") في العلاقة مابين الحركة البطيئة في الصورة، وأحلام اليقظة، ولكن، بينما تعكس اللحظات التي يعيشها "رامون" مع مُعلمته "سونيا" رغباته الشهوانية نحوها، تكشف الصور الذهنية التي تتراءى لـ"هابي" عن مشاعر رومانسية، وهذا يعني، بأنّ المُفردات الجمالية التي تتشكل منها اللغة السينمائية في جانبيّها البصري، والصوتيّ، تُجسد أفكارًا، وأحاسيس، وتأثيراتٍ مختلفة وُفق الطريقة التي يُوظفها المخرج في سياق البناء السينمائي، والدرامي للفيلم.

المسيح الدجال

يُعتبر المشهد الافتتاحيّ لفيلم Antichrist "المسيح الدجال" للمُخرج الدانمركي "لارس فون ترير"(إنتاج فرنسا/الدانمارك/إيطاليا/بولندة/ألمانيا /السويد2009) قصيدةً بصريةً بامتياز، تتباطئ فيه حركة الشخصيتيّن، الزوج/هو، والزوجة/هي(وليام دافو، وشارلوت غينسبورغ)، وعناصر الصورة إلى حدٍ بعيد، وتكتسب مسحةً شعريةً مُتألقة، تخفف كثيرًا من واقعية الحدث، وتمنحه طابعًا حُلميّا راقصًا.
آهات السعادة، والنشوة المُجسّدة للحياة/صرخات الألم، والعذاب المُوحيّة بالموت، والمقصيّة تمامًا من شريط الصوت، تمنح مكانها لسلطة الصورة المُتأرجحة مابين الثبات الفوتوغرافيّ، والحركة البطيئة للصورة السينمائية.

والحالة التي تُضفيها موسيقى "هاندل" تُحوّل اللقاء بينهما من ممارسةٍ جسدية "مُدنسّة" إلى التحامٍ ميتافيزيقيّ "مُقدس".

التفاصيل المُكوّنة لتلك اللقطات المُصورة بالحركة البطيئة في الصورة، وتتابعها المونتاجيّ، تُنبئ بالسقوط، ومن ثمّ الموت :

تتراقص قطرات المياه قبل اصطدامها ببلاط الحمام، تتوّهج ندف الثلج في العتمة قبل أن تتلقفها سجادة بيضاء فرشتها الطبيعة أمام المنزل، يختلّ توازن دُمية، وألعاب صغيرة، وتهتزّ مضطربةً قبل سقوطها فوق أرضية غرفة الطفل الذي يصحو من نومه قلقًا من وحدته، يتوّجه نحو الباب المُجاور، ويلمح خيالات والديه في التحامٍ لم يألفه بعد، ومن ثمّ تقوده "خطواته المُتعثرة"، والصدفة، أو القدر نحو النافذة التي فتحت الرياح ضلفتيّها، فيسقط منها، بينما تصعد ذروة النشوة إلى السماء.

المُشاهدة المُتمعنة لتلك اللقطة العامة، تكشف عن "سقوطٍ" غريبٍ للطفل، وقصديّ، الحركة البطيئة المُسيطرة على الصورة "على عكس تأثيرات الحركة الطبيعية التي تجعل الحدث صادمًا"، كما موسيقى "هاندل"، تُظهره يهويّ بنعومةٍ مثل طائر، وملامح ابتسامةٍ غامضة ترتسمُ على وجهه.

طريق السامورايّ Ghost Dog

في فيلم Ghost Dog: The Way of the Samurai لمُخرجه "جيم جارموش"، وإنتاج عام 1999، هناك على الأقل أربعة مشاهد تتضح الحركة البطيئة للصورة في بعض لقطاتها، وفي كلّ مرةٍ يمنحها "جارموش" بُعدًا جماليًا مختلفًا.

في بداية الفيلم، يخرج "غوست دوغ" من غرفته الواقعة فوق سطح إحدى البنايات، يسرق سيارة، ويقودها بهدوءٍ، واطمئنانٍ في شوارع نيويورك التي تبدو مهجورة، ومتروكة لأقدارها، إنه في طريقه لتنفيذ إحدى مهماته كقاتلٍ مأجور، والمُلاحظة الدقيقة للصورة تكشف عن إبطاءٍ خفيفٍ، ومُتعمّدٍ للحركات البانورامية المُعبّرة عن وجهة نظره، وكأنه يتأمل الشوارع قبل أن يودعها في آخر الفيلم.

وفي مشهدٍ لاحقٍ، يسترخي بجانب أقفاص الحمام الزاجل التي يربيها، ويستخدم إحداها في الاتصال مع "لوي" وسيطه مع عصابة المافيا المُوشكة على الإفلاس، يمنح نفسه لحظاتٍ من القيلولة، كما يستلقي كتاب "راشومون" على صدره، ومابين حلم النوم، واليقظة، تختلط مجموعة من اللقطات في لقطةٍ واحدة مُركبة:

لقطة كبيرة لوجهه، لقطات الحمامة الحاملة لرسالةٍ من العصابة، لقطات ليلية لشوارع نيويورك المهجورة، لقطات تدريباته القتالية الطقسية مُستخدمًا سيفًا يستبدله في الواقع بمُسدس، ولقطات الاعتداء عليه من طرف ثلاثة من الأشقياء، وعندما يُصوب أحدهم مسدسه نحوه في حركةٍ بطيئة للصورة، حالما يتلقى رصاصةً سريعةً من مسدس "لوي"، فينقذ حياته، ويصبح فيما بعد حاميه، ومعلمه.

ويُعيدنا هذا المشهد "الذي يجمع في نفس الصورة لقطاتٍ من مشاهد مختلفة" مرةً أخرى إلى ارتباط الحركة البطيئة في الصورة بأحلام النوم، أو اليقظة "بدون أن تصبح هذه الاستخدامات قاعدةً عامّة لكلّ الأفلام".

في مشهدٍ آخر، فوق سطح البناية حيث يسكن في كوخٍ متواضع، يؤدي "غوست دوغ" صلواته المُستوحاة من ولعه بالثقافة اليابانية القديمة، وحياة السامورايّ، تختلط بتدريباته القتالية الطقسية، وهنا بالتحديد، يُضاعف البناء السينمائي من تأثيرات الحركة البطيئة في الصورة، حيث تمتزج لقطاتٍ مختلفة من تدريباته القتالية في لقطةٍ واحدة مع فارقٍ زمنيّ بسيطٍ فيما بينها، فتتحول تلك الحالة الطقسية إلى مشهدٍ راقص.

وفي لحظاتٍ أخرى، يستند "غوست دوغ" إلى باب أحد المحلات المُغلقة متأملاً المكان، تمرّ أمامه سيارة أحد أفراد العصابة "سوني فاليريو"، وهنا يعمد "جارموش" إلى إبطاء الحركة البانورامية الخفيفة للكاميرا في اللقطتيّن المُتبادلتيّن بينهما، فتكشف نظرات الواحد نحو الآخر عن شكوكٍ، وتحدٍ، وانتقام.

في كلّ مرةٍ يخرج "غوست دوغ" من بيته لتنفيذ مهماته، أو القضاء على أفراد العصابة، يلجأ البناء السينمائي، والدرامي إلى أفعالٍ مُتشابهة تقريبًا، وكأنه يؤدي طقوساً مقدسة : حزينٌ إلى حدّ الاكتئاب، متمهلٌ في إنجاز مهمته الانتقامية، يسرق إحدى السيارات، يقودها ليلاً في شوارع نيويورك، ينظر يميناً، وشمالاً يبحث عن أحدٍ ما، علماً بأنه يعرف طريقه إلى بيت رجل العصابة "سوني"، امرأةٌ تمشي على الرصيف، رجلٌ يفتح باب سيارته، وفي الحالتين تقدمهما الصورة في حركةٍ بطيئة خفيفة جدًا بالكاد يشعر بها المُتفرج، ونفهم فيما بعد بأنه يبحث عن ملابس مناسبة كي يسرقها، ويتخفى بها بغرض اللقاء مع أفراد العصابة.

في المشهد الأخير من الفيلم، وبعد أن يقتله "لويّ"، يقع "غوست دوغ" على الأرض، وتحطّ بجانبه الحمامة الزاجلة التي يستخدمها في اتصاله مع العصابة، وحالما يستدير القاتل عائدًا إلى سيارته، تمسك الصغيرة "بيرلين" المُسدس الفارغ الذي رماه "غوست دوغ" قبل أن يستسلم للرصاص، وتُصوّبه نحو "لويّ"، هنا يدوم إبطاء الصورة بعض الثواني على الشاشة، في تلك اللحظة بالذات، يعرج "لويّ" في مشيته، ويكاد يسقط، إنها رصاصةٌ مُتوّهمة، خيالية، تُطلقها الصغيرة نحو قاتل صديقها، ومُعلمها ثأرًا لمقتله.

وينتهي الفيلم متقوقعة في ركن مطبخ بيتها، تقرأ كتاب  Hagakureباهتمامٍ، وشغف، هنا تكتمل دائرة الأحداث، حيث نتذكر على الفور المشهد الافتتاحيّ للفيلم عندما كان "غوست دوغ" يقرأ نفس الكتاب في غرفته فوق سطح العمارة قريباً من السماء.

غسق

في الفيلم الهندي الناطق بلغة المالايالام  Pokkuveyil(غسق) لمُخرجه Govindan Aravindan وإنتاج عام 1981، يرتكز البناء السينمائيّ على  تقنية "العودة إلى الماضي"، ويغطي تقريبًا كافة المساحة الدرامية للفيلم، ويكشف عن قصةٍ مُؤثرة لفنانٍ شابٍ في غاية الحساسية، يعيش في المناطق الحضرية مع أبيه، ويلتقي من وقتٍ لآخر مع صديقٍ يهتم بالسياسة يحاول استدراجه إلى نشاطاته، ويحب فتاةً تعشق الموسيقى، ولكن، يموت الأب، وترحل الفتاة مع عائلتها إلى مدينةٍ أخرى، وينهار عالم الفنان الشاب، ويوماً بعد يوم، تهرب منه أحلامه، وآماله، يُعاني من الهلوسة، ويعزل نفسه تدريجيًا في عالمه الداخلي.

في الفيلم، يتعرّض صديقه لاعب كرة السلة المُحترف إلى حادثة، وخلال زيارة الفنان له في المستشفى، يلجأ البناء السينمائيّ إلى مشهدٍ استرجاعيّ، يمكن اعتبار لقطاته المُصوّرة بالحركة البطيئة "عودة إلى الماضي داخل الماضي"، تداعياتٍ، أو ذكريات اللاعب يقفز، ويركض في أرض الملعب، ويُسدد أهدافًا في الشبكة، وهي لا تُعبر عن حدثٍ معين، ولكنها تجسيدٌ لأحاسيس، ومشاعر الألم التي تنتاب الصديق المُستلقي في سريره.

عندما التقينا

في الفيلم الهنديّ أيضاً Jab we met (عندما التقينا) للمخرج "إمتياز علي"، إنتاج عام 2007، وبعد أن يعود "أديتيا" إلى عمله في الشركة التي ورثها عن أبيه، تتجسّد حالة  صعودها، وازدهارها  في أغنيةٍ يتذكر من خلالها "جيت" التي يعتقد بأنها تعيش مع حبيبها "أنشومان".

بعض لقطات الأغنية تستخدم الحركة البطيئة في الصورة، وخاصة رقصة"جيت" من وجهة نظر "أديتيا"، أكان ذلك بملابسها البيضاء في مشهدٍ داخلي، أو السوداء، ومظلتها الصفراء تحت المطر في مشهدٍ خارجي، وهو يتقدم نحوها ببطءٍ، ويشاركها في الرقص، وتنتهي الأغنية بلقطةٍ علوية للعاشقيّن يدوران حول أنفسهما منتشيان بزخات المطر المُنهمرة فوقهما ببطءٍ شديد، تمنح اللقطة شعريتها، وشاعريتها.

في مشهدٍ آخر، بعد عودة "جيت" بصحبة "أديتيا"، و"أنشومان" إلى بيت عائلتها لتي تستعد لترتيبات زواجها من "أديتيا" الذي يحاول إصلاح الموقف، كما يطلب "أنشومان" منها بأن تخبر العائلة عن الحقيقة، في تلك اللحظات، تدويّ في ذهنها صفارة انطلاق القطار، وأزيز عجلاته.

هذه المرة، لا تريد أن يفوتها القطار، فتركض بحركةٍ بطيئة في الصورة، ويظنّ "أنشومان" بأنها تريد أن تخبر عائلتها عن سوء الفهم، فيطلب منها انتظاره ليكونا معًا، ولكنها في الحقيقة كانت تلحق بـ"أديتيا" قبل أن يرحل، يتعانق الاثنان أمام  دهشة "أنشومان"، وحدها القبلة تفسر له كلّ شيئ، وتنهي تردد "جيت" في اختيارها بين الاثنين.

يوميات مُدوّرة

Recycle Diary (Geri Dönüşüm Günlüğü) من إنتاج 2008 ، وإخراج "إيفي كونكر"،  فيلمٌ تركيّ تجريبيّ قصير، أصيلٌ في فكرته، ومُجددٌ في بنائه السينمائيّ، يعتمد بكامل مدته الزمنية "4 دقائق" على الحركة البطيئة في الصورة كمُفردةٍ جمالية جوهرية، تُحوّل المسار الدرامي المُتشظي للفيلم إلى قصيدةٍ بصرية تُعيد للحركة البطيئة اعتبارها بعيدًا عن استخداماتها المُتداولة في مواقف محددة، هنا، تُجسّد نظرة الكاميرا/السينمائي المُؤلف الداخلية، والتأملية، وتُركز مُؤكدةً على لحظاتٍ حياتية لا نُعيرها انتباهًا، وعلى عكس ما هو شائعٌ، لا يقدم الفيلم واقعًا حقيقيًا، ولا افتراضيًا، ولكن شعرية كامنة في مجرياته العادية، هو بالأحرى انعكاسٌ لصورٍ ذهنية مستوحاة من الواقع، محاولة في خلق واقعٍ مُتخيل، حلميّ إن صحّ التعبير، والفيلم هو كلّ ما يمكن تخيله ماعدا مرآة للواقع، أو نسخة معكوسة عنه.

منذ اللقطة الأولى، يلجأ البناء السينمائيّ إلى الحركة البطيئة في الصورة، ويقدم يوميات حجرٍ بدون تسلسلٍ دراميّ محدد.

انتقالٌ متواصلٌ من عمق الصورة إلى مقدمتها عن طريق ضبط البعد البؤريّ للعدسة، فيكون الحجر في المُقدمة واضحًا، وكلّ ما يحدث من أفعالٍ في العمق شبحية.

الكاميرا في زاويةٍ منخفضة، تلامس الأرض، وتظهر حجرًا صغيرًا يكاد يملأ مساحة الصورة، إنه علامةٌ لتحديد مرمى هدفٍ مرتجلٍ يستخدمه أطفالٌ يتقاذفون كرة.

ولكنّ نفس الحجر/أو غيره يمنع عجلة سيارةٍ من التحرك، يكسر حبة جوز، يشارك في مشاجرة، يحطم زجاج سيارة، يسند باب مخزن، يستعيد كرةً مُعلقة في طرف الهدف الحديديّ الدائريّ، تستخدمه فتيات صغيرات في لعبة مربعات، وأخيرًا، يقذفه طفلٌ في مياه البحر كي يستقرّ في أعماقه إلى الأبد.

300

بغضّ النظر عن الصورة الخيالية، التحقيرية، والكاريكاتورية التي تُقدمها أحداث الفيلم الأميركي "300"(إخراج زاك سنايدر، وإنتاج عام 2007) عن  الإمبراطورية الفارسية في الفترة الأخمينية بقيادة الملك "سيروس الأول"(Rodrigo Santoro) مُقابل البطولة الخارقة للمُحاربين الإسبارطيين بقيادة "ليونيداس"(Gerard Butler) ملك إسبارطة دفاعًا عن الحضارة، والمدنية، والحرية، تيمةُ مُغرضة، ومؤدلجة تتوافق مع النظرة الأمريكية الإمبريالية التي أوصلها الرئيس السابق "بوش" إلى مداها.

باستبعاد هذا الجانب الدراميّ الفاشيّ، لا يمكن تجاهل البناء السينمائيّ المُستوحى من قصص الرسوم المُتحركة، والذي ساهمت التقنيات الرقمية بخلق عناصر الصورة، ومعالجة ألوانها، وحتى إبطاء الحركة إلى الحدّ الذي جعل اللقطة مزيجًا من الصور الفوتوغرافية، واللوحات التشكيلية، وحوّل الأحداث إلى حلم نومٍ، أو يقظة، حيث تبدو الأفعال ممطوطة، وتكتسب اللقطات إيقاعًا داخليًا مُضمرًا، يتناقض بدون ضرر مع الإيقاع المُونتاجيّ المُتدفق للبناء السرديّ للأحداث.

فإذا كانت السينما في جوهرها تجسيدٌ للخيال، فإنّ الحركة البطيئة في الصورة الطاغية على أحداث فيلم "300" تقذفنا في حالةٍ "أبعد من الخيال"، "خيال الخيال" إنّ صحّ التعبير، وربما مشهد رقص الفتاة الوسيط بين الكهنة، والآلهة يُجسد هذه الفكرة، إبطاء عناصر الصورة يجعل الحركات الراقصة تدوم على الشاشة أكثر من زمنها الفعليّ، وكلّ حركةٍ من الفتاة يلزمها الكثير من الثواني قبل أن تنتهي، بدون نسيان ملابسها الرقيقة الشفافة التي تتطاير ببطءٍ شديدٍ، ويتحول الدخان إلى كتلٍ هلامية تسبح في فضاء الصورة مثل غيومٍ مُتلكئة، إنها حالةٌ من انعدام الوزن، تمامًا كما يحدث لروّاد الفضاء داخل مركباتهم، أو خارجها.

وبينما اقترنت الحركة البطيئة للصورة في الأمثلة السابقة مع حالات الحلم، الرومانسية، المُغامرات، ..تقدم في فيلم "300" تأثيراتٍ مختلفة، تخفف من وطأة عنف، ووحشية المشاهد القتالية إلى درجة إضفاء مسحة شعرية ملحمية تُبهر المُتفرج، وتخطف أبصاره، وتضع المُحاربين الإسبارطيين في مصاف أنصاف آلهة.

إيلاف في

25/11/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)