تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

بوابة للواقـعية المصرية السينمائية الجديدة!

كتب عبد النور خليل

موجة جديدة للواقعية السينمائية المصرية بدأت - في رأيي - بفيلم مجدي أحمد علي عصافير النيل المأخوذ عن قصة إبراهيم أصلان.. وبداية أحب أن أقول أن السرد عند إبراهيم أصلان سلس بلا مبالغة ولاغموض بتعمق حياة طبقة شعبية عريضة، ولايبخل أبدا بالتفاصيل، هكذا اعتدت أن أقرأه لكاتب حر التوجه حر الأفكار، أمين في نقل مشاعره وأحاسيسه.. وهذا في تصوري ساعد كثيرا في أن يعطينا المخرج مجدي أحمد علي في السيناريو الذي كتبه لفيلمه عصافير النيل قماشة غنية بالتعبير عن واقع محلي محصور بدقة في حي يحتل شريطا طوليا علي ضفة النهر هو حي إمبابة.

يصدمنا السيناريو بالتمهيد لخاتمة قصة حب.. فبطله (فتحي عبدالوهاب) في مرحلة متأخرة من العمر ضيف علي المستشفي يطل من عنبر الرجال علي حبه الأول (عبير صبري) وهي الأخري قد غطت التجاعيد وجهها، والتهمت نضارة جمالها التي بهرته حتي سلبته عقله في أول احتكاك حقيقي له بنساء المدينة.. وفي لقطة كبيرة وحركة واهنة يتعرف كل منهما علي الآخر ويقتربان، لتتلامس أيديهما عبر السور الحديدي الذي يفصل بين عنبري الرجال والنساء، ولكنهما يجدان وسيلة للتلاقي والتواصل لكي يسيرا جنبا إلي جنب، في إيحاء واضح بالعودة إلي الماضي.. إلي البداية التي جمعت بينهما.

--

صورة حقيقية وواقعية، ذلك الصف الطويل من الفتية والصبية علي حافة شاطئ النيل يلقون بسنانيرهم في المياه، يترقبون غمز السنارات عندما تلتقط الأسماك الطعم.. بينهم بطلنا (فتحي عبدالوهاب) الهابط حديثا من قريته في ريف مصر، ضيفا علي أخته (دلال عبدالعزيز) وزوجها (محمود الجندي) الذي ساعده في الحصول علي وظيفة بوسطجي بعد أن حصل علي دبلوم متوسط.. البطل القادم من الريف، يأبي أن يحاكي الصبية الذين اكتفوا بعود غاب قصير لسناراتهم، وأصر علي أن تكون غابة سنارته أطول من قامته عن قناعة بأنه يصطاد في بحر وليس قناية تهتز غمازة سنارته فيجذبها إلي أعلي، وبدلا من أن يصطاد سمكة، تعلق السنارة بطائر من الطيور التي اعتادت أن تطير منخفضة علي مياه النهر، والطائر لا يستسلم، بل يجذب الصائد وسنارته جريا علي رصيف الطريق بسرعة تضطره إلي الجري.. وفي تلقائية يجري وراءه الصبية وفيهم ابن أخته ثم يجري خلفه جمهور من الناس.. وينتهي به الحال إلي قسم الشرطة.. ولايخرج إلا بعد أن ينجده زوج الأخت والأخت نفسها بعد أن حمل إليهما الابن نبأ وجوده في القسم.

--

بداية مرحة وباسمة لسيناريو يجرنا إلي واقع غني بالمواقف، ويكشف لنا عن علاقات حميمة في حي شعبي معاصر.. الأخت وزوج الأخت يزيلان آثار الموقف الحرج الذي وجد فيه البطل القادم من الريف نفسه.. وأبناء الأخت يتضاحكون علي الخال وطائره الأزرق الذي اصطاده بدلا من السمكة.. علي أن شيئا جديدا يطرأ علي نفسية الفتي الريفي..

ضحكة لاهية مثيرة تجلجل في فضاء بيت الأخت.. ضحكة امرأة توحي له بكل أحلام الصبا والمراهقة الساخنة الدافئة.. تسكن السطوح.. تثير فضوله ولهفته وسعيه إلي أن يعرف ويتقصي حقيقتها.. بسمة (عبير صبري) التي يصادفها علي السلم خارجة فينصعق بأنوثتها وشعرها الطويل الأسود الملقي علي كتفيها، تتأود في جسد بض يحرك كل كوامنه الذاتية.. ويسمع أخته تحكي: غلبانة.. الناس في الحي يتحدثون عنها بسوء ويحيطونها بالشائعات المشبوهة.. بتشتغل كوافيرة.

وهكذا يبدأ بطلها الريفي (فتحي عبدالوهاب) أو الغرقان لشوشته في علاقة نسائية كاملة بكل تفاصيلها: القهوة حلوة.. والفنجال حلو.. والقعدة علي السطوح حلوة.. حتي كوب الماء حلو... ويصدمنا مجدي أحمد علي بعلاقة جنسية كاملة في الحجرة علي السطوح بين فتحي وعبير.. إلا أن امرأة السطوح الجميلة الساخنة، لا ترحمها الألسنة لأنها مطلقة وتعيش بمفردها وتحكي عنها القصص المشينة.. ونتيجة لما ينسج حولها تختفي من السطوح فجأة ومن عالم بطلنا أيضا.

 --

علي أن الحياة تمضي.. بطلنا الريفي يتسلم عمله، وبدلته الصفراء والموتوسيكل الذي سلموه له كساعي بريد.. وزوج الأخت، وهو أيضا ساعي بريد مخضرم يرعاه ويوجهه في حنو.. ويسقط بطلنا ذات يوم وهو يقود الموتوسيكل مصابا بألم شديد في جنبه، ويحملونه إلي المستشفي العمومي، ولا أحد بالطبع يهتم بالخطابات التي تبعثرت حول الموتوسيكل، ويجرون له عملية حصوة في الكلي، وينام طريحا علي فراشه.. إنه حساس لكل امرأة تقترب منه، خاصة الممرضة الشابة الجميلة التي تعني بجرحه وتبدل الضمادات عليه بين يوم وآخر، وتثير لمسات يديها علي جسده شبقا يذكره بامرأة السطوح البضة، ولايستطيع أن ينسي هذه اللمسات بعد أن يغادر المستشفي، ويفاتح أخته في أن تذهب فتخطبها له من أسرتها.. وتتم الخطبة بكل الطقوس الشعبية المألوفة.. تقديم الشبكة ولبس الدبل وكتب الكتاب وتوزيع الشربات، وفرحة الأخت التي لا اصطناع فيها، وزوج الأخت الرصين الوقور.. علي أن تتم الدخلة بعد حول كامل تتجهز فيه العروس.

--

لقد جرب بطلنا في أول مغامرة نسائية له أن يغرق في علاقة جنسية كاملة حتي أذنيه، ويحاول أن يوطد هذه العلاقة مع ممرضته وحبيبته الجديدة.. لكنها تفرض علي العلاقة نوعا من الصد الخشن، وتعامله في أكثر الأوقات بتعال، مما يجعله يكتشف الهوة بينها وبين الحبيبة الأولي في تقبله كرجل والاستسلام لغرائزه بنهم.. كانت الزوجة الممرضة - التي لم يدخل بها بعد - تخجل من الخروج معه إلي الطريق وهو يرتدي الجلباب.. تريده أفندي يرتدي بدلة أو حتي قميصا وبنطلونا.. عزمها هي وأختها للذهاب إلي السينما وذهب لكي يصحبهما، فتطلب منه أن تذهب هي وأختها أولا علي أن يلحق بهما بعد أن يبدأ الفيلم مادام مصرا علي ارتداء الجلباب.. ويطيع ويخرج تذكرتين ليعطيهما لها، ويبتعد متعكرا، فإذا هو يمزق التذكرة الثالثة دلالة رفض وتمرد علي ما تفرضه عليه الممرضة من سلوك.. وتنتهي مغامرته النسائية الثانية. الحياة كما قلت تمضي.. أولاد الأخت يكبرون.. واحد منهم (أحمد مجدي) يتعاطي السياسة ويثور علي ما يحيط به من مظالم، وينتهي به الحال إلي السجن، والأخت تتقدم في السن، وزوج الأخت أيضا.. وتجيء الأم من القرية لكي تنضم إلي الأسرة، وهي مازالت تحلم بقطعة الأرض الموروثة والعمدة الذي يحافظ عليها، والنقود التي تصل إلي يديها تضعها في كيس تخيطه بإبرة وخيط.. ثمن الكفن والصيوان والمقرئ عندما تنتقل إلي مثواها الأخير..

--

نفاجأ بحادثة تقلب كل الموازين.. إذ يفاجأ موظفو البريد بمصعد البناية يرتفع أمتارا وبابه مفتوح، وبطلنا نائم وفي حضنه امرأة نصف عارية، تهرب عندما تفيق علي الصرخات التي تتعالي وتقفز من المصعد هاربة، بينما يرفض بطلنا أن يتحرك، ويضطر موظفو البريد أن يهاجموه بخرطوم المياه.. وحيال هذه الفعلة الشنعاء يفصل من وظيفته ويرحل عائدا إلي القرية تسبقه الفضيحة، فيكتفي بالجلوس علي المقهي أو اصطياد الأسماك من القناة القريبة.

--

في تطور جديد مرتبط بزوج الأخت هذه المرة، ضعف بصره ولم يعد قادرا علي أن يقود الموتوسيكل وهو يوزع البريد، فأحاله القومسيون الطبي إلي التقاعد.. ولم يعد له من هم إلا احتراف كتابة الشكاوي لطوب الأرض حتي رياسة الجمهورية، ولم يعد له حديث مع أحد إلا جار جشع طلب منه أن يشاركه في سوبر ماركت وبدأ يتلاعب من وراء ظهره بالأسعار ويغش الزبائن.. والأخت دلال عبدالعزيز تدخل إلي مرحلة الشيخوخة وتشكو من آلام الأسنان وأوجاع الجسد، وليس لها من مطلب إلا أن يعد زوجها بإضاءة لمبة كهرباء في قبرها بعد أن تدفن، ولو لمدة أسبوع واحد.

ونتيجة للشكاوي التي اعتاد زوج الأخت أن يطلقها، نجح في أن يعيد بطلنا إلي وظيفته في البريد، بشرط أن يمارس وظيفة كتابية.. ودخل مغامرته النسائية الثالثة مع أرملة شابة اعتادت أن تذهب إليه ليصرف لها معاشها، وتطورت العلاقة إلي انبهار من جانبه، وبدأ يحمل إليها المعاش في المنزل، وحاول أن يجذبها إلي علاقة جنسية، لكنها رفضت وتمنعت وأبت إلا بشرط أن يتزوجها.. وتزوجها بالفعل، وغرق إلي أذنيه في الجنس، ولكن ذلك لم يستمر بعد أن أدركت الأرملة أن الزواج يحرمها من صرف المعاش.. فتطلقت منه.

--

ونصل إلي المرحلة الأخيرة من الفيلم.. زوج الأخت (محمود الجندي) يموت.. والأم تترك البيت هائمة محاولة أن تعود إلي القرية بحثا عن قطعة الأرض.. والجار الغشاش شريك زوج الأخت يأتي البوليس ليقبض عليه.. ويظن الابن أن البوليس يطارده هو فيهرب ليصبح مطاردا.. وحكاية الأرض المفقودة بيد العمدة الذي مات والمستأجر الذي لايعرفونه، حتي زفافها لا أحد يعرف عنه شيئا.

يعيدنا السيناريو إلي لقطات البداية في المستشفي.. إلي لقاء بطلنا والمرأة الأولي في حياته.. كانت تعمل كوافيرة وهو يعرف هذا، فيرسل ليشتري لها الماكياج اللازم لكي تضعه وتستعيد بعض جمالها.. ويغريها بأن يهربا جاريين من المستشفي إلي الخارج.. إلي الحياة.

--

الشيء المميز لمجدي أحمد علي هو أنه يعرف كيف يقود الممثل ليحصل منه علي أعلي طاقة أداء، وقد مارس هذا باقتدار علي بطليه فتحي عبدالوهاب وعبير صبري، بل إن الصورة التي أعطانا بها كلا من محمود الجندي ودلال عبدالعزيز، خاصة وهما يتقدمان في السن ويدخلان مرحلة الشيخوخة، تلقائية وواقعية تدل علي تمكنه كمخرج.. وفي تمهيده لشخصية الجار الجشع المنحرف، بالقطعة المعدنية من النقود خلال ركعة الصلاة وهو يضع يده عليها ويسحبها إلي حضنه، ثم نراه بعد أن خرج زوج الأخت إلي المعاش يغريه بأن يشاركه لافتتاح سوبر ماركت بمكافأة نهاية الخدمة.. ولقطة خروج الابن من الحبس ولقائه بأمه، ولقطة خلع الضرس بتثبيته بخيط ونزعه بعد أن ربط بطلنا الخيط في قدمه.. والمطاردة الدءوبة للابن في النهاية.. ومشاهد الجنس المتكررة، وعفويتها كنتيجة لفوران الرغبة في جسد بطله، إلا مشهد الفضيحة في المصعد، فقد جاء فجأة وغير مبرر.

نحن أمام واقعية جديدة، قادنا إليها مجدي أحمد علي بسيناريو متقن.. أمام بداية جديدة لمخرج من طراز خاص.. طراز كمال سليم في العزيمة وحلمي حليم في أيامنا الحلوة وبركات في دعاء الكروان والحرام وكمال الشيخ في اللص والكلاب، وميرامار وصلاح أبوسيف في الزوجة الثانية، وحمام الملاطيلي والقاهرة ٠٣ وبداية ونهاية وكلها مأخوذة عن نصوص أدبية مثل نص إبراهيم أصلان عصافير النيل.

--

وفي الوقت الذي أشيد فيه بعبقرية مدير التصوير رمسيس مرزوق، الذي حافظ علي الجو الواقعي الكامل بتلك الإضاءة المناسبة لكل مشهد مراعيا لحظة وقوع الحدث.. داخل بيت زوج الأخت أو في أروقة المستشفي، وكان واعيا جدا بالتطور الزمني لمشاهد الفيلم، أجدني مضطرا إلي محاسبة مجدي أحمد علي علي بعض البطء في التناول الدرامي والتسلسل والانتقال بين مشهد وآخر.. هل كان خلال مونتاج الفيلم وتجهيزه للعرض مضطرا إلي ترك هذا البطء ليحلق بعرضه في المهرجان، أم أنه اتخذه أسلوبا زيادة في الحرص علي أن يعطينا الإيقاع البطيء للحياة في حي شعبي، أيا كان المبرر، إلا أنني أري عصافير النيل أجدر وأفضل من أفلام كثيرة قدمت في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي ٣٣ بعدد أكثر من الجوائز وليس مجرد نصف جائزة أحسن ممثل لفتحي عبدالوهاب.

وأقولها صادقة.. أدخلنا مجدي أحمد علي بفيلمه عصافير النيل إلي بوابة الواقعية في السينما المصرية من جديد، وأعاد إلي ذهني فيلم المخرج الإيطالي العبقري أولمي عيد ميلاد السيدة العجوز بالجرعة السياسية الهادئة التي تمشت في السيناريو الذي كتبه لفيلمه دون أي افتعال وأنماطه الصادقة في تصرفاته وممارستها للحياة.

صباح الخير المصرية في

24/11/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)