تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله

«الكلامية» لا تنفي السينما.. والنسوية ليست للنساء فقط

رشا الأطرش

«عمل إبداعي نسوي» مصطلح لا معنى له. ثمة أدب جيد أو سينما جيدة.

لكن، بوسع النسوية أن تكون قضية في عمل إبداعي ما، لا يطرح إشكاليات الاضطهاد والعنف والكبت والتمييز ضد النساء وحسب، بل يعطي العوالم الداخلية للنساء، وتفاعلهن مع بعضهن البعض ومع المجتمع من حولهن، حق تفاصيلها. يعطيها صوتاً.. وصورة. هو الاعتراف بتلك العوالم على أنها قائمة وحاضرة وموازية لنظرة الرجل إلى الحياة: إلى الزواج ودوري الزوجين فيه، إلى الجنس والعائلة والمهنة والحب والجريمة والجسد، والأهم.. النظرة إلى السلطة بتجلياتها كلّها، من رأس الهرم الحاكم إلى قاعدته والثقافة الشعبية.

هكذا بدا المخرج يسري نصر الله، في فيلمه «احكي يا شهرزاد»، أقدر من نساء ومخرجات عربيات كثيرات على كتم الكليشيهات والضجيج الخطابي الهائل حول حقوق المرأة و«بسيكولوجيتها»، كي يُفرد مساحة فنية، مشغولة فعلاً، لدواخل النساء. فهو يستكشف الطريقة التي تهضم بها تلك الدواخل الممارسات والسلوكيات الذكورية حين تقع عليهن. أحياناً، يكنّ شريكات في تركيبها وقبولها، وأحياناً أخرى يكنّ ضحيتها بلا حول.. إنما بكثير من القوة التي قد تجد أو لا تجد سبيلها إلى الفضاء العام:

1ـ) شروط العريس الذي يسعى إلى تقاسم الإنجازات الاقتصادية لعروسه كامرأة عاملة، ويسلبها في الوقت نفسه حصّتها كشريكة في القرار الحياتي اليومي (حالة سوسن بدر، التي آثرت أن تبقى بلا زواج، لتعاني الوحدة والعزلة العاطفية والجنسية، لأنها تعاند خيانة إرادتها مع «شريك»، يعتبر أنه سيقدّم لها كفايتها حين ينام معها، ما يكرّس رمزيتها كمطيّة للمؤسّسة الزوجية).

2ـ) الشاب الذي يعوّض إحساسه بالدونية تجاه شقيقات ثلاث، هن وريثات الدكان الذي يعمل فيه، باستغلالهن جنسياً وعاطفياً. هي علاقات لا يسعهنّ إشهارها أو المطالبة بها جهاراً، لكنهنّ يصبحن أسيراتها، وأسيرات افتقارهن إلى «السند»، على الرغم من أنهنّ تقنياً «ربّات عمله» (حالة كبرى الأخوات التي تقوم بقتل الأجير عندما تكتشف الحقيقة).

عناصر شفهية

3ـ) السياسي القادر، الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، ولو كانت لطبيبة أسنان وابنة عائلة ميسورة ومتنفّذة، مالياً واجتماعياً وسياسياً. يبتزّها في المجال الذي لا يسعها فيه الدفاع عن نفسها، أي الشرف الملوّث بالخيانة. فدرء التهمة، ولو كانت باطلة، ما زال في حدّ ذاته مشيناً، ومجرّد الادّعاء يلتصق بها وبأهلها، فلا يعود ينفع المرأة أي من المعطيات التي اكتسبتها ويفترض أنها تمكّنها (حالة طبيبة الأسنان التي تكتب كتابها على «رجل الأحلام»، فتحمل منه قبل الانتقال إلى بيت الزوجية، ويفاجئها بادّعاء العقم وبتهمة أنها تحمل طفل غيره).

النماذج أعلاه ليست جديدة بالضرورة، لكن أسلوب صوغها في الفيلم، بالسيناريو والحوار ونسيج العقد البشرية عند الشخصيات الرجالية والنسائية على حدّ سواء، يقول بمقاربة مختلفة. يذكّر بنص «مونولوغات مهبلية» (vagina monologues) الذي نفّذ في عشرات، وربما مئات العروض الممسرحة حول العالم، ويرتكز على السرد الذاتي بشكل خاص، نقلاً عن مقابلات حقيقية أجرتها الأميركية إيف إنسلر مع عدد من النساء حول الجنس والختان والاغتصاب والرعشة والطب النسائي، وكل ما له علاقة بجسد الأنثى وجنسانيتها. عمل نصر الله يعتمد كثيراً على قيام شخصياته برواية حكاياتهن بأنفسهن، مع تداخل تجسيد درامي للحكايات تلك، وهو الأمر الذي يأخذه على الفيلم بعض مشاهديه.

هناك من اعتبر وجود ثلاثة أفلام قصيرة داخل الفيلم، ما أدّى إلى إطالة ومطّ نالا من متعة العمل وكثافته. هناك من فتّش عن الحرفة السينمائية، فخرج بأنه لم يجد نصاً بصرياً يدعم التيمة العامة التي غلب الكلام فيها على صورتها. أي إن الحوار والحكي والقصّ، كعناصر شفهية، تمدّدت على حساب العين والكاميرا والكادر والزاوية والـMise en Scene وسائر الفنيّات السينمائية، باعتبارها أداة من أدوات التعبير.

ربما تكون الملاحظة الأخيرة صحيحة. إنما: هل تشير إلى موطن ضعف في الفيلم، أم إلى مكمن قوة وتناغم بين عناصره؟ السرد والتفاعل شفاهة يعتبران من سمات الثقافة اليومية التي تزهر أفضل ما تزهر بين النساء، اللواتي غالباً ما يتربين على البوح والإفصاح عن مشاعرهن وأفكارهن، (لا ننسى العنوان «احكي يا شهرزاد»، ودلالاته المباشرة من «ألف ليلة وليلة»). فيما قد تعزّ مثل هذه الخاصّية عند الرجال، والمشرقيين منهم على وجه الخصوص. هكذا، ربما يصحّ النظر إلى «كلامية» الفيلم (و»كلامية» التوليف الدرامي لكل قصة فرعية على حدة) باعتبارها الوجه الآخر للنص البصري. ينسجم مع النسيج الناعم والمؤثر في آن، والذي يغزله يسري نصر الله على مهل مع وحيد حامد، ما يذكّر بفيلم جوسلين مورهاوس «كيف تصنع لحافاً أميركياً» (بطولة وينونا رايدر، 1995).

المستنقع

مع ذلك، فإن عين الكاميرا لا تقصّر في رمي الكثير من الكادرات ذات الدلالة، بالترميز والجمالية: ها هي منى زكي، المذيعة التلفزيونية، ممدّدة على كنبة جلدية رافعة ساقها كأنها في وضعية التلقي الجنسي، فيما يقنعها زوجها بأن تخفّف من المواضيع السياسية في برنامجها التلفزيوني، ريثما ينال ترقيته التي وعده بها المسؤولون. نراها أيضاً تمشي على ماكينة الرياضة بمفردها، بعدما أيقظها «كابوس بيت بلا أبواب»، وحين يأتي زوجها ويبدأ بمداعبتها، نراها تضع قدميها فوق قدميه، وهو الذي يروح يمشي بهما على السجادة الآلية. ثم حركة الكاميرا العجلى والمتوترة والتائهة فعلاً في المجمّع التجاري، الذي تقصده البطلة محبطة، فتشتري وتشتري كيفما اتفق، وتتعرّف هناك إلى البائعة التي تمضي نهارها سافرة عصرية بين مستحضرات «شانيل» و«إيف سان لوران»، ومساءها محجّبة في تجمّع مساكن عشوائية. لا ننسى الصوَر الفوتوغرافية المدهشة، التي تنزل عليها التترات في مستهل الفيلم، وهي لقطات فنية مقرّبة لعدد من أنواع الخضار، كبصلة مقصوصة يحاكي قلبها إيحاءات جنسية أنثوية، وحبّة بندورة أو «باشن فروت» وقد اسودّ باطنها أو غرست فيها شوكة تلمع. ثم مشهد الإجهاض والأدوات الحادة التي تخترق ما بين ساقي طبيبة الأسنان الحامل، من دون ابتذال الدم، ومع الحرص على إعلاء الإحساس بالانتهاك والألم النفسي والجسدي الذي تتعرّض له، وغيرها الكثير من إحالات العين إلى الرؤيا، موضوع الفيلم.

ركّب يسري نصر الله قضية نسوية في فيلم، ليس بمعنى الحكاية الـ «شهرزادية» وحسب، وليس لأنه لم يُظهر في الفيلم رجلاً خيّراً واحداً (هذا بالمناسبة لا يعني سقوطه في فخ التنميط، إنما لأنه يرسم عالماً بعيون نساء ظلمهنّ ذكور، وحكاياتهن تُروى من وجهة نظرهن هنّ)، بل لأنه دلّل أيضاً على وضع سياسي واقتصادي وثقافي رث، ولم يتعفّف عن تسليط الضوء عليه، بالسخرية حيناً وبالفجاجة أحياناً. فالنسوية رؤية بديلة للعالم من حولنا عن الرؤية السائدة منذ أجيال، يكرّسها الأقوى لنفسه سُلطةً أبوية وطبقية مطلقة. والذكوري لا يختلف عن الديكتاتور في الحكم، والأب المتسلّط في العائلة، والسياسي الفاسد، والشرطي القمعي المسيّر، وإعلام البروباغاندا، أو حتى «النظام العام» الذي يلوك مفهوم الأخلاق في السياسة والحياة اليومية ويبصقه كل يوم وكل ثانية. والرؤية البديلة هذه معنية بالفئات المهمّشة عموماً، من العامل المسحوق إلى الحزبي والنقابي والطالب الجامعي والطفل والمثلي الجنس، وكل «آخر»، والمواطن الفرد، كما النساء. أي بالمستنقع الذي تسبح فيه الحلقات الأضعف.

النسوية ليست حكراً على النساء، وهنّ لسن بالضرورة منبعها الوحيد. هي حساسية خاصة. استطاعها يسري نصر الله سينمائياً، ولم تبلغها مثلاً، إن جازت المقارنة، إنعام محمد علي (مخرجة مسلسلي أم كلثوم وقاسم أمين) وإيناس الدغيدي (صاحبة «الباحثات عن الحرية» و«مذكرات مراهقة» و«تيجي نرقص»).

السفير اللبنانية في

05/11/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)