تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«نساء بلا رجال» و«لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية» الإيرانيان

بين «التقية» السينمائية والاحتجاج المباشر

زياد الخزاعي

إيران اليوم في الواجهة سياسياً، والحديث عن الضربة العسكرية والدعوات المضمرة في الانتفاض ضد نظام الملالي تستعر في الغرب، والهاجس يتشكّل: قوة نووية في الشرق الأوسط هي معضلة استراتيجية، وأمر ممنوع لا يضاهيه سوى أي قرار لتأميم النفط، مثلما جرى وأده ذات مرّة في الخمسينيات المنصرمة، عندما انقضّ الغرب على حكومة رئيس الوزراء السابق محمد مصدق بعد قرارها التاريخي. إن النووي والبترول لا يجتمعان، على الأقل في الآونة الحالية. بيد أنه مع كل أزمة تتعقّد، تخرج إيران عصاها السحرية، أي السينما، لتغازل قطاعات النخبة الغربية في أن الموار السياسي الداخلي يحمل بذرات ديموقراطيته واصلاحيته وليبراليته، مطمئِنين الجميع على أن تدليس السياسي يمكن أن توازنه حصافة الفنان والسينمائي. فللأول القدرة على المراوغة والتبرير، فيما يجد الآخران نفسيهما مُقَادَين إلى التزامهما الشرط الإبداعي وحريته، ودفاعهما عن الحق، حتى وان أُجبرا على الضياع.

من هنا، نفهم دوافع مخرج موهوب مثل صاحب «قندهار» و«سلام سينما» محسن مخملباف وبناته في الانضمام الى جماعة «الإصلاحي» محمود مير موسوي، ليصبحوا ناطقين باسمه، لاعنين عسف السلطة واستكبارها، التي كان هو (مخملباف الأب) جزءاً من خياراتها. في السياق نفسه، ننتظر بلهفة اللحظة التي يفكّ فيها زميله عباس كياروستامي عقدة صمته حول ما يجري في بلده، هو الذي يُنجز عمله الأخير «شهادة مصـدّقة» مع جولييت بينوش في إيطاليا، لعلّه يبيّن مبدأ «التقية السينمائية» التي تتلبّس نظيرتها الفقهية، والتي أُطلقت ذات يوم ضد طغاة ومستبدين، والقائلة باتقاء شرّ من يعسـف بالأمة ويتجبّرها، وهي بدت متخاتلة بذكاء في نصّه الكبير «طعم الكرز»، عندما تحوّل عزم بطله على الانتحار إلى محاكمة ورع شعبي، يجد مناقبيته الإيديولوجية في فتاوى وأعراف، من دون أن تقدم تلك المناقبية جواباً حاسماً يمسّ نيّته الشخصية التي تنتظر حكمة فلاح عجوز وكرزه لتغييرها، وليس إلى مُعمَّم من سدنة قم.

في مضمار هذه التقية، هناك نموذجــان يستــكملان بعضهما بعضاً في مقــاربة الــشأن الإيراني المُــسيَّس (أبتعد عن قول «السياسي»، كونه يحـمل الآن توصـيفاً مباشراً للحكم). نصٌّ يسعى إلى اتّقاء التحامل المجاني على مرجعيته التاريخية، التي تدور إبّان حقــبة مـصدق، وتحاشي إسقاط ظلالها على الانتفاضة الخـضراء الأخيرة أو ان تستجير بها. وآخر يضع نصب شجـاعته السينمائية صلافة زائدة، تنأى بنفسها عن الوقوع في تسفيه وجع أبطاله الشباب وعنادهم، ضد قمع يطال مواهبهم وخياراتهم وصنعتهم.

«نساء بلا رجال»

تجمع الفنانة التجهيزية وصانعة التسلسلات الفوتوغرافية والفيديوية شيرين نشاط (تولد العام 1957) في باكورتها «نساء بلا رجال»، الحائز «الأسد الفضي» في فئة أحسن إخراج، في الدورة الأخيرة (أيلول الفائت) لمهرجان البندقية، بين التاريخ وخسارات بطلاتها، باعتبارهما عُنصرين لا يربحان على الدوام، وهما يحملان رحمين قابلين لولادات شائنة، غير مكتملة. فالزمن لدى الفنانة نشاط، وهو تسلسل دائم لن نفلح في تجميعه بالكامل، وعلينا التقاط ما يمكن من خيراته البصرية، كي نؤرّخها ونتمعّن في معانيها وانتساباتها الجماعية. وهو ما يفسّر إصرارها على المتداولات الصورية، خصوصاً في نصوصها الفاتنة، التي جمعتها بعنوان «جذل» (1999)، المعنية بالوشوم النسائية وحروفيتها، و«وفاة» (2001) عن الحروب ووداعاتها، و«زارين» (2005) المفعمة بطلاّت نساء ورجال يستعيدون زمن العزّة الاجتماعية في إيران أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته. هناك أعمال أخرى شكّلت على مدى الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة وفي نهاية مطافاتها، النص الموعود لفيلمها الروائي الأول القائم على رواية الكاتبة شهرنوش بارسي بور بالعنوان نفسه (أدّت دوراً صغيراً فيه كصاحبة ماخور في طهران.

تجتمع النساء الأربع في «بوستان» منعزل (الإيرانيون يسمّونه هكذا كونه كلمة مركّبة من «بو» أي العطر أو الأريج، و«ستان» أي المكان، ليجتمعا في عنوان «رياض الورود»)، ويُذكّر بأنفاس الشاعر الفارسي المجيد سعــدي. وهو الاتــقاء المكاني الذي يحمل مغازيه الذاتية كملاذ آمن لكينوناتهن. كلٌ واحدة منهن تحمل جريمة الخارج القاسي بحق كرامتها ونصاعتها واعتباراتها. لا موعد يرسم أقدارهن في هذا الفردوس، بل خسارات متعدّدة الصُوَر للقهر الاجتماعي والعائلي. إنهن صُوَر للطبقية الإيرانية، التي تتعجّل انهياراتها مع المتغيّر المُسيَّس، الذي فُرض غربياً بإطاحة النظام المنتخب وإعادة طغيان الشاه. إنهن، من وجه ثان، الديناميكية التي تُحرّك خيارات المرأة الإيرانية، ونموذجها متمثّل بالشابة مونس (شآبنام طولوعي)، الراضخة لقهرية شقيقها المتزمّت، التي تدفعها إلى الانتحار قبل أن تُعيد انبعاثها المعنوي والتحاقها بفاتنها المناضل الشيوعي الشاب، وهو فعل تجلٍ لحبها وإعجابها بقوّة عزيمته وتفانيه في التزامه الحزبي، الداعي إلى الحرية والاستقلال.

تستكمل المخرجة نشاط انبـعاث مونـس السحري ومغازيه، في فرار المومس الشابة زارين (أورسي توث) من إذعاناتها لمجامعات رجال غرباء، لم تعد تميّز بين سحنهم بسبب كثرتهم. كلٌّ منهما تبحث عن النقاء على طريقتها، إذ قامت مونس بإلغاء جسدها القديم، وإحلاله بثان أقوى، فيما تغستل زارين من ذنوبها في حمام عمومي، قبل أن تلج «بوستان» المرأة الأرستقراطية ومالكته المدعوة فخري (أريتا شهرزاد) الهاربة من خسارتين: عنف زوجها المتنفّذ في القطاع الأمني، وعشيقها الذي خان وعوده بجلب الخطيبة الأميركية إلى دارتها، لتندب حظّها بأغنية رومانسية قبل اختلائها الرعوي.

القطط الفارسية

يُقارب عناد نسوة الفنانة نشاط نظيره لدى البطلين الشابين في فيلم صاحب «زمن الجياد الثملة» (2000) و«السلاحف يُمكن أن تطير» (2004)، المخرج الموهوب بهمان قبادي، الذي حمل عنواناً مُرَمَّزاً هو «لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية». فعلى هذين الموعودين بلوثة الموسيقى أن «يتقيا» العقاب، بسبب جساراتهما التي أوقعتهما في مطبات الاعتقال. نلتقيهما بعد إطلاق سراحيهما بتهمة التشبّه بالغرب الكافر، وهما يسعيان إلى ضمان الاتقاء من المحاسبة السلطوية المكرَّرة، بالهروب من البلد. الشابة نجار (أداء عفوي باهر لنجار شقاقي) وزميلها آشكان (آشكان كوشانجيد) لا يعرفان كيف يخفيان ولعهما بموسيقى البوب والـ «هارد متلْ». فحيويتهما انعكاس لفورة شبابية كاسحة في عاصمة إيران. ويتمّ اجتماع زمرتهما تحت الأرض، فالمنع قاس والعقاب أقسى.

إذا كان الخارج الرسمي لدى المخرجة نشاط مرسوم بتأن فني يحوّل مشهدياته إلى قطع بصرية ذات جمالية ساحرة (تصوير أخّاذ لمارتن كاشلاخت) وإيقاع هادئ يقترب من الطور الغنائي الرزين، الذي تتبادل الأرستقراطية فخري أدواره مع المطرب المخضرم، فإن زميلها قبادي يذهب من دون تردّد إلى روح الإيقاع الشبابي الناري الطبع، المستفزّ والانتقادي. تصوغ نشاط فيلمها كتجميع لأشرطة الفيديو التي صوّرت فيها نسوتها كأحاديات بصرية، بينما يستكمل قبادي مشروعه الموسيقي الذي بدأه في «نصف قمر» حول الغناء الكردي وموسيقاه، لكن بعيداً عن ريفيته، ليرمي نصّه وسط شوارع طهران، مزاوجاً هنا بين المدينة العصرية المتضخِّمة الضاغطة وتسرّع أبطاله الشباب الذين يؤمنون بأنهم ضحايا مزمنون لنظام متعدّد الرؤوس. فتارة هو الفقهي وتارة أخرى العسكري وتارة ثالثة المؤجّر وتارة رابعة العائلة وتارة خامسة المُهرّب وتابعه المزوّر. هكذا، على السلسلة ألاّ تنتهي في مجتمع محاصر بالحاكم ومثله بالخارج الغربي الساعي إلى إطاحة هذا الأخير بحصار دولي أكثر لعنة، يبدأ بالقوت ويُختتم بتأشيرات الدخول.

يدور بطلا «لا أحد...»، ومعهما الشخصية المتلهّفة نادر (أداء ناري لأحمد بهداد)، الذي يكشف عن قدرة نادرة في إدارة الحفلات ومخاتلة النظام، على درجاتهم النارية بحثاً عن خلاص لن يتم، وهم يشبهون بطلات «نساء...» في تحصنهنّ الفاشل، الذي ينتهي بهجمة العساكر على الحفلة الغنائية الختامية بحجّة الترخيص، ونشاهد الضابط، وهو ابن مشوّه لأرستقراطيي طهران، يلتهم المائدة بفجور، ويناقش الجمع بتعالٍ سلطوي ذي نفس انتقامي. يفشل أبطال قبادي في الهرب، وتفشل نساء نشاط في منع الخسران من الوقوع، لأن إيران ظلّت تنتقل من قامع علماني إلى قامع ظلامي. والاثنان يشتركان في أن الفرد مهما علا شأنه أو انحطّ محتده هو تابع يجب أن يطيع ويبقى بعيداً في شكواه. ويجتمع الفيلمان على أغنيتين حزينتين: فخري تُغني لوعتها، وشباب القطط الفارسية يندبون الحب الذي لن يكتمل للوطن، والمواجهة التي تأتي متأخّرة ولو قليلاً، قبل أن تُغتال في الشوارع نفسها التي شهدت مطارداتهم لجوازات السفر وتأشيراتها الضائعة، بسبب إلقاء القبض على المزوِّرَين الأحمقين.

)لندن(

السفير اللبنانية في

01/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)