تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

أصغر فرهادي: لا أسعى إلى نيل إعجاب الرقابة

طهران - ندى الأزهري

من «شيء ما كان سينقص السينما اليوم لولا فرهادي» إلى «في أعماله نرى فرهادي فقط ولا أحد آخر»، تتعدد الآراء في أصغر فرهادي المخرج وكاتب السيناريو الإيراني، ويجمع معظمها على مهارته في فن القص والحبكة وفي أسلوب الإخراج الذي ينضح بالحياة وبالحركة، وعلى رغم أن رصيده في الأفلام الروائية لا يتجاوز الأربعة، فإن جوائزه تجاوزت هذا الرقم وكان آخرها «الدب الفضي» في برلين وجائزة الإخراج في فجر.

أخرج فيلمه الأول عام ألفين وكان عن الناس ومشاكلهم، في المرة الثانية صنع «المدينة الجميلة» فيلماً عن الحياة اليومية للطبقة الفقيرة، ثم جاء «احتفالات الأربعاء» عن زوجين من الطبقة الوسطى والذي اعتبر شهادة على تفرد فرهادي، أما فيلمه الأخير «عن إلي» فإن قصته تبدو بسيطة في بدايتها، رفاق من طهران قرروا قضاء إجازتهم الأسبوعية على شاطئ بحر قزوين في شمال إيران، لكن تطور الأحداث يأخذ مساراً مفاجئاً تظهر من خلاله الشخصيات بوجوه أخرى فيما يمكن اعتباره كشفاً للمجتمع الإيراني المعاصر وهو الموضوع الأثير لدى فرهادي. لذلك هو يركز على شخصيات الواقع ويرصد محيطه ليس «كإنسان مثالي أو كعالم اجتماع بل كما يراه هو نفسه كصانع أفلام» كما عبر أحد الكتاب.

التقينا أصغر فرهادي (1972) بعد عودته من فرنسا حيث شهد انطلاقة عرض فيلمه «عن إلي» في الدور الفرنسية.

·     خلافاً لبعض السينمائيين الإيرانيين، من الموجة الجديدة، تعتمد أسلوباً كلاسيكياً في الإخراج، ثمة قصة وحبكة... وخط درامي متصاعد، هل تعتبر نفسك امتداداً للجيل القديم؟

أين ترى نفسك بين تيارات السينما الإيرانية القديمة والمعاصرة؟

- أنا أحكي قصة تسرد شيئاً ما. إن الخط الدرامي أساسي في أفلامي وهو ما يشغلني. لقد أتيت من المسرح إلى السينما، كنت أكتب وأخرج المسرحيات ومعرفتي تلك هي التي تجعلني مختلفاً عن زملائي. أتحدث الآن عن عملية الكتابة لأن السؤال له علاقة مباشرة بها. أما مكاني فإن استطعت شرح ذلك أقول إنني لست تقليدياً كفاية لأنضم إلى التيار الكلاسيكي ولست حديثاً كثيراً لأصنف ضمن التيار الجديد. أنا بين الاثنين للحم القديم مع الجديد سواء في الكتابة أوفي الإخراج، أسعى لسرد حكاية قديمة بأدوات حديثة وقد لحظت هذا الأمر خصوصاً بعد فيلمي الثالث «جهار شنبه سوري» (احتفالات الأربعاء).

·     ثمة اختلاف آخر مع معاصريك، فالسينما الإيرانية تميزت باختيارها لممثلين من غير المحترفين، أنت لا تفعل، جميع من تعمل معهم هم من النجوم.

- تقنياً، ليس بمقدوري تكوين علاقات مع غير المحترفين، قد أتمكن من استخدامهم في الأدوار البسيطة لكن ليس في المركبة. ثمة مستويات عدة للدور لا أستطيع شرحها لغير المحترفين. إننا نبحث عن هؤلاء ليكونوا أكثر قرباً من الحياة الواقعية، بيد أنني أفضل أن أطلب من محترف القيام بذلك طالما أن بمقدوره إعطائي الشكل الطبيعي للدور. قد يبدو غير المحترف طبيعياً وقريباً من الواقع لمن لا يعرف اللغة الفارسية ولا يدرك مستوياتها، لكن في ما يتعلق بي أجد أن استخدام هؤلاء يجعل من الدور «مصطنعاً» وأكثر بعداً عن الحقيقة.

تأثيرات مسرحية

·     أفلامك مليئة بالشخصيات وتجري في أماكن مغلقة معظم الوقت بحيث أن الكادر يركز على الشخصية أكثر من تركيزه على الفضاء العام، أتعتقد أن لعملك في التلفزيون أثره على هذا التوجه؟

- هذا صحيح بالنسبة الى فيلمي الأخيرين، لكن ألأمر مختلف في «المدينة الجميلة». وقد تكون القصة في هذين العملين هي التي أجبرتني على ذلك كونها تركز على العلاقات بين البشر، لذا لم أرد الاهتمام بالمناظر والابتعاد عن الموضوع الرئيس. قد يرجع هذا أيضاً إلى شغلي حوالى التسع سنوات في المسرح حيث نجبر على التحرك في مكان محدود ومغلق وهذا على العكس من عملي في التلفزيون الذي جعلني أتنقل في أماكن عديدة حين أنجزت مسلسلاً كانت كل حلقة منه تدور في مكان مختلف. وبشكل عام أسعى للتركيز على موضوعي وليس الذهاب بعيداً عنه.

·     عرضت أفلامك الأربعة في إيران، حتى « عن إلي» (منع الفيلم في البداية بسبب بطلته كلشفته فرهاني التي مثلت في فيلم هوليوودي، ثم تم السماح بعرضه بناء على إيعاز مباشر من الرئيس الإيراني)، ما هي صعوبات العمل السينمائي في إيران وكيف استطعت شخصياً التغلب عليها؟

- في ما يخصني فإن السؤال الأصعب والأكثر تعقيداً والأهم هو هذا! سأشرح لك السبب. منذ أسبوع كنت في فرنسا وسئلت هذا السؤال وربما لم أنجح في قول كل شيء ولذلك سأحاول أن أعطي إجابة الآن. ما يقال عن صعوبات العمل في إيران لعله نابع من نظرة أو مفهوم الأجانب حول إنجاز الأفلام، فما يظنه الغرب عن صعوبات ضخمة لا نراها نحن كذلك. وما يشكل لنا مشكلة لا يعد كذلك بنظر الغرب، إن تعقيد هذه المسألة آت من الاختلاف في النظرة.

في إيران يمكن أن ننتج فيلماً بـ 300 ألف يورو، كما أنه وخلافاً للخارج فإن إيجاد منتج بالنسبة الى مخرج شاب ليس بالأمر العسير، لهذا نحقق حوالى المئة فيلم سنوياً. بيد أن المشكلة الكبيرة تكمن في نوع العلاقة القائمة بين الدولة والفنانين، إنها علاقة أبوية. الدولة تعتبر الفنانين أولادها وتريد مراقبتهم باستمرار وهنا مصدر المشكلة. إن النظام هو كأب لديه ابن غير مرغوب فيه، والسينما هي هذا الابن، هو لا يسعد الأب كثيراً لكنه مجبر على تحمله وعلى تربيته لأنه واقع قائم، والأب يريد تربية ابنه على طريقته وبحسب أفكاره. ثمة أطفال جد متمردون، يثورون ويشرعون بالصراخ ضد رغبة النظام الأبوي، وحين يجبرهم الأب على الطاعة يتوجهون نحو الجار. آخرون يحاولون الالتفاف على الأب، وأنا من هؤلاء. أثق في جمهوري حين أقول بطريقتي ما أريد وآمل منه بأن يدركه. كما إنني لا أرغب في أن أكون «فخوراً» بالقول أن الرقابة قد عبثت بأفلامي. إن الصورة التي لدى الغرب عن صعوبات السينما في إيران، قائمة على ما يرويه المخرجون الإيرانيون له. مثلاً قضية وضع الحجاب، أو عدم تمكن الرجال من لمس النساء في الفيلم. أهي مشكلة ضخمة؟ لا، إنها مشكلة ولكنها ليست على هذه الدرجة من الضخامة. وإن حررنا المخرجين يوماً من الأمرين، فهل ستحل المشكلة؟ ثمة قضايا أخرى غير تلك المادية والمتعلقة بالظاهر. أظن بأن النظام سيسحب يوماً ما سلطته عن العالم الفني والسينمائي. أما اليوم فما زالت نظرة الدولة للفن «راعية» تظن أن عليها أن تراقبه وتعتني به، إنما حين تتخلى عن هذه النظرة فإن مشاكلنا ستقل. كما أن مساعدة الحكومة للفن السابع ودعمها للإنتاج، يجعلانها تطالب السينما بأن تكون على خطها. لكن في الوقت الذي تترك السينما للمنتج فقط فلن يطلب منها آنذاك أن تكون «نموذجاً».

·         أفلامك تلقى النجاح هنا، هل تقدم تنازلات سواء للرقابة أم للجمهور؟ كيف توفق بين السينما التجارية والفنية؟

- لقد تدخلت الرقابة في أفلامي ولكنني لا أصرح بالأمر وفضلت عدم التصريح عنه حتى لا يكون هذا سبباً في إقبال الجمهور على أفلامي. أحاول الالتفاف على الرقابة لكنني لا أحاول نيل إعجابها. أما عن التوفيق بين النخبة والجمهور العام فأنا أريد لأعمالي أن تعجب النقاد بيد أنني أريد لها كذلك أن تحظى بإقبال الجمهور العريض، واليوم الذي يتجاور فيه ناقد مع متفرج عادي ويكون الإثنان مأخوذين بالعمل فإن مسعاي يكون قد تحقق. إن ما يجمع الإثنين معاً هو القصة. الجمهور العادي يحب أن تروى له حكاية «كان يا ما كان...» لها بداية ونهاية، وأعتقد أن الناقد يرغب في ذلك أيضاً لكنه يهتم بأسلوب السرد. لهذا أركز على الحكاية وأحاول روايتها بأسلوب حسن وبالتالي لا أقدم تنازلات بل فقط أروي حكاية جيدة بطريقة جيدة، مثلما كان هيتشكوك يفعل.

حبس الكليشيه

·         على ذكر هيتشكوك هل تأثرت به أم بغيره محلياً وعالمياً؟

- ربما، على نحو غير مباشر. يمكنني القول أن كل الأفلام الجيدة لكل المخرجين الجيدين أثرت بي. من إيران هناك ناصر تقواي الذي تعجبني جداً طريقة إخراجه، وبهرام بيضائي في أفلامه الأولى. كما أميل إلى الواقعية في أفلام كيانوش عياري.

·         قلت: «بيضائي في أفلامه الأولى» كيف ترى وضع السينما الإيرانية راهناً؟

- الصورة التي لدي عن السينما الإيرانية حالياً ليست حسنة. إن هذا يعتمد على الظرف الاجتماعي ولو كان لدينا اليوم سينما جيدة لكان هذا سيدهشني، السينما كسلسلة مرتبطة بالمجتمع وكلما كان الشرط الاجتماعي سيئاً قل عدد الأفلام الجيدة.

·         ما تقصد بالشرط الاجتماعي؟

- ثمة علاقة مباشرة بين الشغف والحرية. حين كان هناك نسيم من الحرية، كان الإنتاج السينمائي وفيراً، أما الآن فلا حرية تقريباً. وفي ظروف كتلك ليست لدينا القدرة على إنتاج سينما جيدة. أستطيع مقارنة المخرج في الظروف الحالية بعداء في ملعب. قد ينجح هذا العداء ويحصل على الجائزة الأولى مع أنه لم يحظ بحذاء مناسب، ولا مدرب مؤهل ولا نصائح ولا خبرات. إن السينما فن يستخدم الفنون الأخرى. حين أخرج من بيتي للعمل، فثمة أشياء يجب أن تكون متاحة لي مثل رؤية مبان ذات طراز معماري مميز، أو سماع موسيقى جيدة في التاكسي، أو قراءة عمل أدبي غني المحتوى... إن المحيط يساعد المخرج على إعطاء سينما فنية. المخرج بحاجة إلى أدوات ليصبح بطلاً. يستطيع بضعة أفراد العمل والوصول طبعاً ولكنه أمر استثنائي. في باريس مثلاً، حيث فن العمارة والموسيقى الرفيعة التي تسمعها دائماً في شكل عابر ومعارض الفنون وكل ما يحيط بك يجعل من الصعب ألا يتكون لديك ذوق فني! من الصعب ألا تكون فناناً في باريس! إن كل ما ذكرت هو ثمرة من ثمار الحرية.

·         هل للمهرجانات تأثير فيك؟

- حين أصنع أفلامي لا أفكر في المشاركة في المهرجانات. وعلى سبيل المثال حين انتهيت من فيلم «عن إلي» لم أسع إلى عرضه على أي مهرجان، لكن بعضهم جاء من مهرجان برلين وطلب رؤية الشريط. لقد ظننت إنه لن يعجب الجمهور الغربي مع كل التفاصيل التي فيه والكلام الكثير. وعندما انتهوا من مشاهدته سألت الموفدة إن كانت قد فهمت ما أريد قوله؟ وكانت غاضبة وهي ترد على سؤالي «بالطبع!». المهرجانات تقدم المخرجين وهذا أمر حسن، بيد أن الخطر يأتي من تحويل المخرج الموهوب إلى حبيس، بمعنى أنه يتم حبسه في كليشيه! ولذلك أنا حذر تجاه المهرجانات.

الحياة اللندنية في

25/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)