تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

قيـام الساعـة فـي «الطريـق» والحـج فـي «لـورد»

فخــاخ الإيمــان

زياد الخزاعي

لا يجتمع الإيمان مع المعجزات وحسب، بل إنه لن يتحقّق من دون أن يخضع المرء إلى حسابات غفرانه ومغفراته. تسعى البشرية سعيا محموما، اليوم أكثر من أي زمن مضى، إلى تبيان صواب الطريق نحو أستارها، فتعود خاشعة إلى مراكز تقواها الشخصية. وهذه تتجلّى إما في الطبيعة التي نغتالها، وإما في بقاع الإحسان الجماعية التي يُطلق عليها دوائر العبادة والبرّ. والكلام هذا ينطبق في فصول رواية «الطريق»، لصاحب «خيط الدم» و«لا موطن للرجال العجائز» الكاتب الأميركي الكبير كورماك مكارثي، التي اقتبسها إلى السينما المخرج الأسترالي جون هيلكوت (مواليد كوينزلاند، 1961) بالاسم نفسه (المسابقة الرسمية في الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية)، حيث تكون النهاية الأبوكالبتية للعالم مرادفاً لنزوح الإيمان عن وجدان من تبقّوا على وجه الأرض، الذي لفّته الفاجعة والاغتراب الإنساني وانتشار الشرّ والوحشية. إنها صيرورة الفردوس المحترق بدناءات البشرية وغياب الأخيار وريَبْ المنون، ونهاية المعروف والرحمة بشكليهما الربوبي. تدوّي البرية الممحوقة بالرماد بصرخة الأب ـ البطل، وهو يقول «ليس هناك من مخلّص لنا»، فمَنْ حوله هم زمر من القتلة وقطاع الطرق والهمج.

مسيرة

في المقابل، تتحوّل بطلة فيلم «لورد» (ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان نفسه) للمُخرجة النمسوية جيسيكا هاوسنر إلى طوطم إيماني، يحجّ إلى قلب البقعة المصنوعة بالتقوى، والمتاجرة بها وبعطاياها. ترمي البطلة الشابة جيسيكا بجسدها المعطوب بالشلل في يمّ الأمل بقيامها وسيرها، تشـبّهاً بتحقّق معــجزة المشّاء الناصري الذي أمره يسوع ذات مرة بالسير ضد عجزه. وعندما تحلّ البشارة، تتقمّص جيسيكا مسيرة الأب في «طريق» مكارثي ـ هيلكوت، لأن كلاهما يسيران في اتجاه المنّة الربانية، التي عليها تحقيق النجاة؛ بينما يصطحب الأب فتاه الوحيد، الذي سلبه اختفاء والدته القسري (تشارليز ثيرون) صفاء روحه، إثر قرارها الهروب من البيت والتزام العائلة الصغيرة سعياً إلى الموت على أيدي الأوباش الجدد، كي تحفظ لكليهما الطلقتين الأخيرتين الكفيلتين بانتحارهما، قبل وقوعهما في الأسر والتعرّض لتعذيب غيلان الحداثــة، تقول بغضب في تبريرها فعلتها: «سيغتصبونني، ويغتصبونه. سيغتصبوننا جميــعنا ويلتهموننا، وأنت لا تريد أن تواجه الحقــيقة. أنت لا تتردّد في انتظار أن يحدث ذلك لنا». لا يكون أمامهما سوى حثّ خطاهما على الطريـق الذي يُفترض به أن يوصلهما إلى «المكان»... إلى «المنتهى».

إنه السعي نفسه الذي يقود بطلة «لورد» جيسيكا، التي تكتم حسدها للّذين وصلتهم المعجزة وأنهضتهم، متسائلةً في سرّها الآثم: «أحدهم سينجو، لكن لماذا هو وليس أنا؟»، لترضخ إلى صدقات المتطوّعين من «فرسان مالطا»، الذين يُختزلون في شخصية الشابة ماري (ليا سيدو)، المتبتّلة إلى روح الأقداس، من دون أن يمنع هذا من أن تعمّ الغيرة صدرها، عندما تشهد إعجاب شاب من فريقها بجيسيكا، والتعبير عن فتنته بقوّة عزمها، أي إن الإيمان لا يمنع الأرواح النزقة من الوقوع في الخطل والزلّة. بعد مسيرات متعدّدة إلى التعميد والمواعظ، يستيقظ داخل جيسيكا على جماعية شفيفة وتقديسية، تقرّبها من الشفيع الذي عليه واجب نقلها إلى المنتهى الآخر، المقابل لبطل «الطريق»، كأن يجتمعا في صدفة درامية فريدة في «يمبوس» طهراني خاص بالبررة أمثالهما. وكما لا بدّ من «استشهاد» الأب ـ البطل (فيغو مورتنسن) على بعد ياردات من المطهر، إثر تلقّيه إشارات الموت المحتوم، تصل جيسيكا إلى «استشهاد» صُوَري، إلى شخصيتها الأولى ذات الصفات المكتومة، والسحنة الكئيبة، والحسّ بالانتقاص، والشكّ بالقدرة الكبرى على إنقاذها، والظّن بدِين الآخرين المؤمنين بالأعاجيب؛ وتولد منها كينونة ثانية، عندما تنهض من رقدتها، وتسير بين أهل المدينة الفرنسية لورد، الذين دهشوا وتباغضوا لمرآها وهي راجلة.

تعويض

تحدث معجزة مزدوجة في «الطريق» و«لورد». في الأول، تظهر شخصية الغريب أمام الفتى المستوحد، ويقدّم له كيانه كمنقذ ومرشد وحامٍ ومرافق في رحلة تيه تمتد كالأبدية. وعلى الرغم من المحيط السوداوي للخراب، يشفع الثنائي مكارثي وهيلكوت إلى البطل الصغير بـ«يمبوس» خاص بروحه التي ماتت قبل أن تُعمَّد، فهو من الخيّرين الذين نشأوا في زمن الإثم الكبير. أما جيسيكا، فتحوّلها معجزة سيرها إلى طفلة تحتضنها شفاعات العذراء، التي تُظهرها المخرجة هاوسنر (مواليد فيينا، 1972) محاطة بأنوار النيون الشاحبة في الأماكن الداخلية، وكتماثيل تقترب من أعمال الفنان الأميركي الحداثي جيف كوونز في الخارج المغمور بالضياء والبهاء. إلى ذلك، تصوّر صاحبة «المحبوبة ريتا» (2001) و«فندق» (2004) بطلتها وهي تقع في الحب مع المعجب بها. فالحياة بين تلال البلدة الجنوبية لورد وأحراشها تعيد حكايات المعجزات المتوالية، التي أصابت حظوظها حجاج المزار الشهير، المتحصّن بسفوح جبال البرانس. إنها الحياة التي تعيد تشكّلها الأخلاقي والإنساني بدورة أزلية، وتشير من باب آخر إلى أن جيسيكا قد تكون صورة معاصرة للفلاّحة الفتية المدعوة برناديت سوبيروس، التي ظهرت عليها مريم البتول في العام 1858. لن تتوانى هاوسنر عن دعوتنا إلى الدخول إلى المغارة، حيث أقيمت كاتدرائية القديس بييوس العاشر عند مدخلها، وأسند عند حائطها الذي يحمل قبلات الملايين من الزوار الدينيين تمثال السيدة الهائل الحجم والحارس على النبع الشافي.

ليست جيسيكا صورة مطلقة للحماسة الدينية، بل معنى فردي من المعاني المتعدّدة للورع الخاضع إلى الرجاء بالشفاء وقيامها عن الكرسيّ المتحرّك. ما إن يتحقّق هذا، حتى تنتفي البلدة ـ المزار (تصوير مارتن غتشلاخت)، إذ عليها الذهاب مباشرة إلى التعويض عمّا فاتها من متع الحياة، وأولها الحب وشبقه. ترقص البطلة وسط الجموع، بيد أن خيطاً ناقصاً يعوق حركتها وانسيابيتها، الأمر الذي يوقعها أرضاً ويفسد فرحة معجزة لورد. والسبب أن جيسيكا تسرّعت في نكران إيمانها الذي دفعها إلى الحج. فهل هي خطيئة، أم سهو خاطر؟ هذا الخيط الناقص متواجد في الجيلان الجحيمي للأب وابنه وسط بيئة تنتحر، وبشر يستوحشون، ورغبات مستميتة في البقاء. فقرار الهروب لا بدّ من وقوعه، لكن ما فات حصافة الأب أن الطلقتين الأخيرتين لن تفقدا سوى واحدة توجّه الى صدره، وأن الآخرَين لديهما من العنف ما يجعل دفاعه عن ولده أشبه بلعبة الاستخفاء الطفولية، التي لن يتوانى الأب عن القيام بها كلّما اقترب خطر داهم منهما. والناقص البيّن أن خذلان الطبيعة لنا، إن تمّ، سيكون نقصنا الهائل في تعميم الموت والخراب على الكل البشري الذي لن يرى طريقا إلى الخلاص.

الوحدانية هي الحالة المشتركة بين الأب وفتاه وجيسيكا. ومثلما تنهد الأرض حول بطلي «الطريق» (تصميم أخّاذ لكريس كينيدي وتصوير بارع للإسباني خافيير آغويريسلوربي، الذي عُرف عالميا بإدارته تصـوير أفلام مهمة كـ«أشباح غويا» لميلوش فورمان و«فيكي وكريستينا وبرشلونة» لوودي آلان)، تنهار قيمة جيسيكا أمام الحجّاج الذين يعــون أن ما جرى في شأن قيامها قد يترتب ضمن الخداع (يقول طبيب عجوز يسلّمها الوثيــقة الصــحية: «لدينا حالات مشابهة عديـدة جـرت سـابقاً»، في إشارة إلى حِيَل بعـض المتكسّـبين). وكـما يلفّ الشك وجدان الأب في كل من يقابلهم، في وقت تظلّ جذوة البراءة في كيـان الابن الذي يعطف على الرجل الكهل (مشاركة قصيرة لروبرت دوفال)، تلتف الظنون حول البطلة باعتبـارها حالـة غير كامـلة التـصنيف في البلدة الدينية الطابع: فهي غير مكفّرة بإعلانها الشفاء، وليست خالصة النية بتسرّعها في التخلّي عن مكان قيامها (في مشـهد ســابق، نرى المصاحِبَة لها المدعوّة ماري تتركها أثناء التوجّه إلى المغارة قصداً، عقاباً لها على مشاركتها الافتتان بشاب من «فرسان مالطا»). إلى ذلك، فإن ما يجمع أبطال «الطريق» و«لورد» هو العزم على إنهاء الرحلة. فمياه المحيط الجنوبي تعني أن الفتى تحوّل إلى رجل لن يتخلّى الرب عنه، وجيلانه الجديد بحثاً عن الأمان، بينما تتحوّل مياه النبع إلى أكثر من شهادة على نصاعة النيّة الداخلية التي تُبقي جيسيكا ضمن جموع الحجيج حتى انتهاء موسمه.

(لندن(

السفير اللبنانية في

24/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)