تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

'ألف مبروك' كوميديا تبتعد كثيرا عن الضحك!

الإنسان يعيش مرتين ويموت مرة واحدة

القاهرة ـ من كمال القاضي

إذا كانت الاسطورة الإغريقية القديمة تقول إن الإنسان يعيش الحياة مرتين فإن السينما قد قالت كلمتها في هذه القضية وانحازت لنفس الفكرة معتبرة أن ما يرد على الذهن وينقله العقل للحواس هو في الواقع أحداثا عاشها الإنسان قبل ذلك في اللا وعي ويعيد انتاجها مرة أخرى في حالات اليقظة، وربما ما طرحته السينما في هذا الصدد اتسم بالفانتازيا لاستحالة عرضه ومناقشته بشكل واقعي لتعارضه مع العقل وعدم ثبوته علميا، وبرغم التأكيد على أن الحكاية مجرد خيال في خيال إلا أن الفكرة ظلت مثيرة وبراقة تشجع على التكرار والتناول بشكل مختلف في كل تجربة، وربما كان فيلم 'ألف مبروك' للكاتبين محمد دياب وخالد دياب هو التجربة الأوضح والأشمل لأنه ناقش القضية باستفاضة وربطها بالاسطورة ربطا مباشرا منوعا عن ذلك في التترات قبل الدخول في الأحداث حيث البطل أحمد حلمي، شاب في الثلاثينات من عمره يتأهب للزواج.

وفي غمرة انشغاله بالحدث الرئيسي في حياته تسيطر عليه حالة الفصام فيخيل إليه أن أحداثا كاملة تتكرر في حياته اليومية كإنما يعيش اليوم يومين فيحيل الأوهام الى أحلام ويظن أن ما رآه واقعيا عاشه من قبل في الحلم ويركز بشكل خاص على طقوس الاستعداد للزواج في يوم الزفاف، حيث كل الاشياء تتشابه وتتكرر منذ أن يستيقظ من النوم على صوت والدته التي تظهر طوال الفيلم بالماسك على وجهها وحتى ركوبه السيارة التي تقله الى النادي مقر الاحتفال باليوم التاريخي ـ يوم الزفاف، وبين لحظة الاستيقاظ ولحظة ركوبه السيارة تتعدد الأحداث والمشاهد وتتكرر الشخوص والبدايات والنهايات، وفي كل مرة تكون النهاية هي الموت المحقق له، وهو التطور الانفعالي لحالة القلق الذي ينتقل بالبطل من الهلوسات والإيهام بتكرار المواقف والظروف الى الموت كنوع من الهروب لعدم القدرة على التكيف مع ما هو مكرر ومعاد، حيث يتخلق الملل وتصبح الرغبة في الموت هي الاقوى اتساقا مع الطبيعة البشرية التي ترفض الركود وتأبى قبوله حتى في الواقع الفعلي وتلجأ الى الانتحار لو حدث ذلك رغم عنها، أي أن الإنسان لن يكون سوى ذاته في كل الأحوال، بمعنى أن الملل يؤدي الى السأم ويفضي في النهاية الى الموت وهو السر في أن الإنسان المريض بالهلوسات يواجه باستمرار الموت في كوابيسه أوهامه، فالموت يمثل الخيط الرفيع الذي يربط بين الواقع والحلم أو الواقع والخيال لأنه الحقيقة الوحيدة الثابتة التي لا يمكن الفرار منها تحت أي ظرف، وإن بدا البطل متمردا عليها يقاومها بكل الطرق والوسائل، سواء بإعادة صياغة حياته والتخلي عن شكوكه في المحيطين به أو اختيار مكان آخر للنوم فيه أو اعتماد نظرية البوح والاعتراف لأحد أصدقائه المقربين كما فعل أحمد حلمي مع صديقه الصدوق في الفيلم ليخفف عن نفسه الضغوط، في كل الأحوال لا يمكنه الهروب من قدره المحتوم فلا يستطيع أحد أن يعيش حياة شخص آخر ويواجه مصير غير مصيره، تلك هي الفكرة المحورية لفيلم 'ألف مبروك' التي حاول المخرج أحمد جلال ان يوثقها بالصوت والصورة في رؤية سينمائية اقتـــربت كثيرا من نظريات التحليل النفسي وقدمـــــت معالجة كوميدية لقضية نفسية ـ إنسانية شديدة التركيب، لا سيما ان احمد حلمي ممثل بنى نجوميته على الكوميديا واعتمد منهجا مختلفا فلم يقدم الكوميديا بشكلها الهزلي وإطارها الخفيف كما عهدناها في كثير من الأفلام.

ويحضرنا في هذا المقام فيلم 'كده رضا' الذي قدمه حلمي قبل سنوات ولعب فيه ثلاثة أدوار لثلاث شخصيات كانت أوجه الاختلاف بينهم نفسية بحتة، مما يؤكد ميله الى هذا اللون وتميزه فيه وليس ذلك ربطا بين الفيلمين وانما هو فقط استشهاد على امكانية أحمد حلمي، في الاختيار والتدقيق والتجسيد والاعتناء بما تحمله الكوميديا من رقي في التعبير والمعنى، فبالعودة الى فيلم 'ألف مبروك' نجد ان البطل لم ينسلخ عن لونه ولم يغير جلده ولكنه عمد الى التنوع في إطار ذات المدرسة التي ينتمي اليها فما جسده من مشاهد لم يبتعد عن الكوميديا والضحك ولم يوغل في التهويم والتجريب كعادة من قدموا رؤى ذهنية تموج بالأفكار والأطروحات تحت مسمى 'الفانتــازيا' فخسروا الجمهور وبقي عزائهم في نخبة قليلــة تجتهد في تفسير ما يطرحه الكتاب والمخرجون من لوغاريتمات وطلاسم لا صلة لها بشيء غير ما يفكرون هم وحدهم فيه ويداعب أخيلتهم الثرية!

في تجربة دياب ودياب، وهما كاتبان شقيقان على ما يبدو لم نلحظ أي من غرائب القول او الثورة وانما رأينا تناولا واضحا لمسيرة بطل يعاني مما يعانيه الأغلبية من توارد أفكار تقتحمه في لحظة مباغتة وتفرض عليه الاستغراق في ايجاد تفسير منطقي لازدواجية الاشياء والأحداث والأماكن ووجوده هو شخصيا كبطل دائم في كل حكاية أو حادثة، فضلا عن تأثير ذلك على علاقته بأبويه وشقيقته الوحيدة، ومن هنا نرى التحول لدى البطل فنجده يشرع في استباق الأحداث ومواجهتها بالقوة للحيلولة دون تكرارها على النحو الذي يضايقه فيقرر ضبط اللص الذي يتعقب ضحاياه ويعتبر طريقهم للاستيلاء على اشيائهم ومقارعة زميله الموظف في البورصة بالحجة لاثبات ان النجاح لا يتحقق بـ'الفهلوة' وعروسه المنتظرة وشقيقته الصغرى التي تقيم علاقة مع صديقه وأبوه الذي يعتقد أنه مرتش ووالدته المريضة التي يتصور أنها مدمنة، كل الشخصيات المحيطة به والمؤثرة في حياته يقرر 'أحمد' البطل أو أحمد حلمي الفنان أن يكون له معهم وقفة حاسمة ليتبين الحقيقة ويدرك موقعه بينهم، كما يحدد المسافة التي تفصله عنهم او تفصلهم عنه، لإحساسه بأن ثمة حلقة مفقودة تحول دون التواصل بينهم، على اعتبار ان الاغتراب يتسبب أحيانا في عزلة الإنسان ويجعله عرضة للنفي والوحشة واستبداد الهواجس به، هكذا تتلخص الأحداث والتفاصيل في معان إنسانية لا يكون صاحبها بمنأى عن مشيئة القدر مهما ذهب بعيدا أو حاول الفرار، ففي كل الأحوال يلاحقه الموت ويوقعه في براثنه، رضي أم لم يرض وهو الاستنتاج الذي فطن إليه المخرج احمد جلال في مشهد النهاية، حيث جعل البطل يواجه الموت وجها لوجه فينتقل إليه على الرصيف المقابل متمثلا في السيارة اللوري التي دهسته تحت عجلاتها وهو يتأهب للزفاف في آخر حلقة بسلسلة المطاردات بينه وبين قدره ومصيره بعد أن استعد نفسيا لقبول بالأمر الراهن ووعي الحقيقة كاملة واستوعب الدرس الذي ظل طوال حياته يتعلمه حتى حانت لحظة الاختبار الحقيقي، اللحظة التي فارق فيها الحياة تاركا خلفه ذكرى رجل ظل يمني نفسه بالحب ولم يدركه!

القدس العربي في

05/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)