أمين صالح

كتب السينماجديد أمينجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة 

 

أمين صالح.. صديق الأمل

الوطن البحرينية

 

خاص بـ"سينماتك"

ملفات خاصة

أخبار ومحطات

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

قراءة في السينما الهندية (3ـ 4)

الدلالات الميثولوجية

أمين صالح

 

     
  

الشر المطلق:

ليس ثمة التباس بين الأبطال والأشرار. يسهل جدا التمييز بينهم، لا في السلوك والتفكير فحسب، بل أيضا في المظهر والشكل. الخير والشر لا يلتقيان في ذات واحدة. إنهما منفصلان. فالشخصيات مبسطة وليست مركـّبة سيكولوجيا.

الشرير هو خصم البطل، قاتل أحد أبويه أو أحد أقاربه، منافسه في حب البطلة، سارق أملاك عائلته بالعنف أو الاحتيال، عدو مجتمعه أو وطنه.

إنه يتسم بشيطانية غير مبررة. دوافعه ليست واضحة دائما. بالأحرى، هو يمثـّل الشر المطلق. أفعاله كلها شريرة، بل أنه يغذّي أبناءه بالشر ليصبحوا نسخة مكررة منه.

هو بلا عاطفة ولا مشاعر إنسانية، عدواني، استحواذي. الغريزة والجشع هما اللذان يحركانه. إنه أشبه بآلة قتل. وعندما يكون منافسا للبطل في كسب ود البطلة فإنه يتصف بالسماجة والخسة والجبن.

لا أحد يتعاطف معه، لكن وجوده ضروري في كل فيلم.. بدونه لن تكون هناك إثارة وتشويق، لا معارك ولا فواجع.

العائلة بين التشتت والوحدة:

العائلة ركيزة أساسية في الأفلام الهندية التي تمجد مفاهيم أخلاقية مطلقة كالواجب، التضحية، الحشمة، الولاء، الوفاء.. إلخ.  هذه المفاهيم ليست عرضة للمساءلة والاستجواب، إنها ثابتة وراسخة ومسلـّم بها. وليس هناك مجال أكثر ملاءمة من مجال العائلة لتداول هذه المفاهيم ووضعها تحت الاختبار.

العائلة مهددة دائما من قبل قوى خارجية. هذه القوى تتمثل، في أغلب الأحوال، في مظهرين: القيم الغربية، وقوى الشر المهددة للوحدة الصغيرة (العائلة) التي ترمز إلى وحدة أكبر (المجتمع).

العائلة المتحدة، المسالمة والمتآلفة، تتعرّض للاهتزاز والإنفلاش مع دخول امرأة عصرية، ذات سلوك وعادات غربية، كزوجة لأحد الأبناء. إنها مخلوقة قاسية وشرسة، تسيء معاملة أفراد العائلة وتعرّضهم للإذلال والاضطهاد.

الأفلام، في ما يتعلق بهذا الجانب، تلعب عادة لعبة مزدوجة، فهي تصور المظاهر والقيم الغربية على نحو جذاب في البداية لكنها تدينها وتؤكد على ضرورة المحافظة على القيم الهندية في النهاية.

المظهر الآخر للتهديد يكمن في اقتحام الأشرار للمحيط العائلي (بدافع الانتقام من الأب أو لسبب آخر) ومحاولة تشتيت العائلة إن لم ينجحوا في تحطيمها. الكثير من الأفلام تقوم أحداثها حول عملية البحث عن المفقودين. والثيمة المفضلة أن يعمل أحد الشقيقين في سلك الشرطة والآخر يتحول إلى الشر ويخرج على النظام والقانون، وبعد مغامرات وصراعات عنيفة يتعرفان على بعضهما من خلال أغنية كانا يحفظانها في مرحلة الطفولة، أو من خلال وشم أو علامة ما على أعضاء الجسم، أو قلادة وما شابه.. وغيرها من الإشارات التي تخلو من أي منطق والتي أصبحت كليشيهات مكررة من فيلم إلى آخر.

تشتت العائلة وضياع أفرادها تخلق مناخا خصبا لا للميلودراما فحسب، حيث الأحداث الفاجعة والبكائيات المفرطة، بل أيضا للعنف والإثارة، إذ يؤدي التشتت إلى الغضب والرغبة في الانتقام. وقد ينشأ التشتت كذلك عن طريق القدر أو حدوث كارثة طبيعية.. في كل الأحوال، لا بد من اجتماع العائلة وإعادة توحيدها في النهاية.

عناصر ميثولوجية:

الذهنية الهندية متصلة بالميثولوجيا على نحو عميق، نظراً لارتباطها بالتقاليد الدينية والثقافية. الحكايات الميثولوجية، التي تدور حول الآلهة وصراعاتها ومعجزاتها وأفعالها الخارقة، منتشرة ومتداولة في الحياة اليومية، وتمارس تأثيرا هائلا على التفكير والسلوك.

الملاحم الميثولوجية كانت مصدرا خصبا للأفلام الهندية الصامتة في بداية القرن. وإذا كانت الأفلام التي تصور أحداثا ومواقع تاريخية وأسطورية قد اختفت تقريبا الآن، إلا أن العناصر الميثولوجية لا تزال موجودة، تتكرر من فيلم إلى آخر بأشكال أو ترجمات معاصرة، وأحيانا تأتي في أشكال مموهّة أو إيحائية:

ثيمة الصراع بين الخير والشر، التي تطبع الحكايات الأسطورية، لا تزال مهيمنة في كل فيلم. والأفلام المعاصرة حافلة بالمعجزات والخوارق (النمر يطأطئ خشوعاً أمام المرأة المظلومة ويساعدها، الثعبان يلدغ الشرير أثناء محاولته ارتكاب جريمة قتل أو اغتصاب، الظواهر الطبيعية تتدخل لتؤثر في أحداث الفيلم.. إلخ).

أسماء الآلهة والآلهات غالبا ما تطلق على البطل أو البطلة، وفق محمول دلالي ميثولوجي: كريشنا، راما، سيتا، رادها. وهناك القدر الذي يتدخل في كل شيء ويلعب دورا أساسيا في تصعيد الأحداث، كذلك في إيصالها إلى نهاية سعيدة.

أما المصادفات، غير القابلة للتصديق، فتكتظ بها الأفلام وتتوالى لتتسبب في اللقاء والفراق والإنقاذ والاكتشاف. المصادفات هي التي تحرّك الأحداث وتتحكم في طبيعة ومصير الشخصيات، وهي التي ترفع عصاها السحرية لتعقـّد الأمور أو تحلـّها.

نهايات الأفلام دائما سعيدة ومغلقة، فبعد الموجات المتتالية من البكاء والعنف والضحك والرقص والغناء، يسود الهدوء والفرح، وكل شيء يصبح على ما يرام: الخير ينتصر، العدل يتحقق، النظام يستتب ويعاد ترسيخه، القيم التقليدية تتكرس من جديد، الصلوات تستجاب، الخاطئون يلقون حتفهم أو يعلنون التوبة ويطلبون المغفرة، الأخيار يحرزون التكريم وتتحقق أحلامهم، الأثرياء الجشعون ينالون العقاب أو يصبحون أسخياء وأتقياء، القساة تتغير طبائعهم ويصبحون ودودين، وكل شخص يتحول إلى مخلوق وديع وطيب.

التابو:

المفاهيم الدينية غير قابلة للنقد والاستجواب. إنها ثابتة وراسخة. وللأفلام حرية تناول العلاقات الطائفية أو تعددية المذاهب، لكن دون المساس بما هو مقدس وانتهاكه، دون أن يتسبب ذلك في إثارة البلبلة والانقسام. المجتمع بكل طوائفه يجب أن يظل متماسكا ومتحدا، حتى لو لم يكن كذلك في الواقع اليومي. لذلك نرى العديد من الأفلام تتناول مشكلة الطوائف والتناحر بينها من خلال نظرة رومانسية أو ميلودرامية، انطلاقا من موقف إصلاحي وأخلاقي، وعبر المستوى العاطفي لا التحليلي.

إنها تتعرّض للفوارق الدينية من خلال الحوار الخطابي والأغاني والحبكات الجانبية، لكن الخط القصصي الرئيسي منفصل عن هذا الجانب ويسير بمحاذاته دون أن يدخله في البؤرة، ويضعه تحت مجهر الفحص والسبر والتحليل. حتى في الحبكات الجانبية نجد الاكتفاء بالدعوة إلى التسامح والتساهل والمحبة والعيش في سلام.

عندما يلجأ السينمائيون إلى تصوير العنف والتناحر بين الطوائف، فلكي يؤكدوا بأن المصدر خارجي وليس نابعا من طبيعة وأخلاقيات المجتمع. ثمة قوى خارجية، شريرة، تعمل ضد مصلحة الوطن وتسعى إلى  زعزعة الوفاق وتأجيج الانشقاقات وزرع بذور العنف.

أما على المستوى الرومانسي والميلودرامي، فتتم معالجة الفوارق الدينية من خلال قصة حب مشبوبة وبريئة بين بطل ينتمي إلى طائفة، وبطلة تنتمي إلى طائفة أخرى، وتذوب الفوارق بعد أن يكتشف الجميع مدى صدق عاطفة الحبيبين اللذين يواجهان العواصف بصبر وبراءة.

لا يتبادلون القبل علانية:

لأن المجتمع الهندي (بما في ذلك صناعة السينما ذاتها) محافظ ومدافع عنيد عن الوضع القائم، ويمجد القيم والمفاهيم التقليدية، فإن موضوع الجنس يظل التابو (المحرّم) الرئيسي، والقبلة تظل محظورة، رغم أنها كانت مباحة في السينما الصامتة وبدايات السينما الناطقة، ولم تتعرّض القبلة للمنع إلا مع تصاعد الروح الوطنية قبل الحرب العالمية الثانية، والدعوة إلى تجنب العادات الغربية، الأمر الذي أدى بالمنتجين آنذاك إلى منع القبلة طواعية.. إذ ليس ثمة مادة في قانون الرقابة تحظر تصوير القبلة السينمائية.  مع مرور الوقت، حوّلت الرقابة هذا القرار إلى قانون غير مكتوب مارسته سنوات طويلة، وربما حتى الآن (رغم حالات التمرد القليلة في السنوات الأخيرة.. لكن باستحياء).

إن منطق الرقابة، في هذا الشأن، غريب ومحيّر، فهي تجيز القبلة في الأفلام الأجنبية، التي يشاهدها الجمهور نفسه، وتمنعها في الأفلام الهندية مبررة ذلك بأن الهنود لا يتبادلون القبل علانية وفي أماكن عامة.

(يتبع)

الوطن البحرينية في 27 أبريل 2008