أمين صالح

كتب السينماجديد أمينجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة 

 

أمين صالح.. صديق الأمل

الوطن البحرينية

 

خاص بـ"سينماتك"

ملفات خاصة

أخبار ومحطات

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

شعرية السينما

المخرج السينمائي اليوناني ثيو أنجيلوبولوس يتحدث هنا عن رؤيته للأفلام، للفن، للواقع، للعالم:

الأصداء ذاتها.. الأبعاد ذاتها

ترجمة: أمين صالح

 

     
  

* كل هواجسي تدخل أفلامي وتغادرها، مثلما تفعل الآلات الموسيقية التي تعزفها الاوركسترا في حفل موسيقي. إنها تدخل وتخرج. وتصمت فقط لكي تعاود الظهور في ما بعد. نحن محكومون بأن نعمل مع هواجسنا. نحن في الواقع نحقق فيلما واحدا فقط، نكتب كتابا واحدا فقط.. الباقي مجرد تنويعات وأشكال خارجية تعكس الثيمة ذاتها.

* الفيلم الأول هو الأصل، البذرة الأصلية. كل ما يأتي في ما بعد هو إما تنويع أو تطوير أو توسيع ينشأ من تلك الثيمة الأولى. فيلمي الأول "إعادة بناء" يحوي كل الثيمات التي طورتها في ما بعد.

في الواقع، أعتقد أن المرء دائما ينجز الفيلم ذاته المرّة تلو الأخرى. مؤخرا شاهدت من جديد عددا من أفلام بيرجمان، هذا الأمر ينطبق عليه أيضا..كل فيلم له يعد تتمة للفيلم السابق.

لهذا السبب لن تجد كلمة "النهاية" ظاهرة في خاتمة أيٍ من أفلامي. في ما يتعلق الأمر بي، فإن هذه الأفلام هي فصول من فيلم واحد، وهذا الفيلم سوف يستمر إلى ما لا نهاية، ولن يكتمل أبدا، نظرا لأنه ليس هناك أبدا كلمة أخيرة في أي شيء.

* سبايروس هو اسم والدي، وبالنسبة لي، هذا الاسم يمثّل ذاك الجيل بأسره. في سياق الأفلام، الأسماء لا تحمل أي مغزى أو دلالة لكنني مرتبط بها كثيرا. الأمر الآخر، بما أن كل فيلم من أفلامي يحمل بذرة الفيلم التالي، فإن الاسم هو أحد الروابط بين الأفلام.

من جهة أخرى، قد يعكس اختيار الاسم معضلة شخصية.. من المحتمل أني غير قادر على إخبار الآخرين قصصا لا تمتّ إليّ بصلة، أعني أن تكون نابعة من ذاتي. ربما أنا ببساطة محصور ضمن نطاق تجربتي الخاصة وحدها.. معاناتي وآمالي، نموّي وتطوري. 

* هناك ثيمات متكرّرة في أفلامي: مشاهد الزفاف موجودة في كل أفلامي تقريبا. المظلات تكرّر ظهورها منذ فيلمي الأول "إعادة بناء". اللون الأصفر بدأ منذ "رحلة إلى كيثيرا" حيث كان هناك منظر طبيعي رمادي، وتطلب الأمر أن يمرّ شخص ما في يوم ماطر، وكانوا بحاجة إلى معطف واق من المطر، فقلت لهم "اختاروا معطفا أصفر اللون".. ومذ ذاك بقي الأصفر معي.

البعض يسألني عما يمثله الأصفر، غير أني لا أعرف الإجابة. ثمة أشياء موجودة في أفلامي لا أستطيع أن أفسرها وأعلّل سبب وجودها. أحيانا تكون مكتوبة في السيناريو، وأحيانا تقتضيها عملية التصوير. قد أصور مشهدا وأشعر بشيء ما مفقود فأضيف شيئا وأصور المشهد ثانية.

الأمر الذي نجحت في فعله، طوال تلك السنوات كمخرج، هو أنني امتلكت حرية الكاتب الذي يمزق الصفحة بعد كتابتها ليكتب صفحة جديدة. تلك هي الحرية العظيمة التي يتمتع بها الإنتاج الذي لا يعتمد على ملايين الدولارات.

* شخصية الأب هامة جدا في ماضي الخاص. غياب أبي الذي أخذوه بعيدا، ولم يتسن لنا أن نعرف ما إذا كان حيا أم ميتا. كان غيابه عبئا ثقيلا علينا جميعا.

كان ذلك نقطة هامة، على نحو حاسم، منذ فيلمي الأول. يبدأ ذلك الفيلم بعودة الأب. الأفلام اللاحقة تتعامل مع البحث عن شخصية الأب، سواء الأب الحقيقي أو المفترض، ذلك البحث الذي يمكن أن يكون إحالة إلى الفيلم برمّته وإلى بطله.

* في كل أفلامي هناك شخصية تبحث عن الأب.. لا أعني الأب الحقيقي فحسب، لكن مفهوم الأب كإشارة أو معنى أو رمز لما نحلم به. الأب يمثّل ما نريد أو ما نؤمن به. ذلك يعني بأن البحث عن الأب هو في الواقع محاولة للعثور على هوية الفرد الخاصة في الحياة.

* عبر البحث عن شخصية الأب، نحن نبحث عن طريقنا نحو المستقبل، ونحافظ على توازننا العاطفي. الإحالة إلى نهاية مرحلة تاريخية معينة، نهاية مُثُل عليا أبقت آمالنا حيّة، هذه الإحالة تحمل معها الإحساس بالخيبة، كما لو كانت محرومة من جذور المرء. ذلك القلق السياسي لع انعكاسات أو أصداء في نفسية المرء. البحث عن الأب ينشأ من الحاجة إلى استعادة التناغم العاطفي، الحاجة إلى الإحساس بأن وجود المرء ليس مجرد مسألة صدفة، بل أنها طريقة لتأسيس صلة بين الأمس والغد.

* في أفلام بيرجمان ثمة عنصر ميتافيزيقي (غيبي)قوي حيث يتماثل البحث عن الأب مع البحث عن الله. بينما  في أفلامي لا يمثل شكل الأب هدفا بذاته.

* غاية أفلامي أن أجد مبررا للوجود. أفلامي ليست ميتافيزيقية.. إنها وجودية أكثر من أعمال بيرجمان.

* أفلامي ليست  سيكولوجية، كما عند بيرجمان، إنها ملحمية. الفرد في أفلامي ليس مادة للتحليل النفسي، بل هو موجود ضمن السياق التاريخي. شخصياتي تنتحل كل عناصر السينما الملحمية أو، إن جاز لي القول، عناصر الشعر الملحمي، التي تصور، على نحو نموذجي، شخصيات محددة وواضحة المعالم. عند هوميروس، يوليسيس متآمر وعنيف، أخيل شجاع ومخلص لأصدقائه، وهذه الصفات المميّزة لا تتغيّر أبدا. الشيء نفسه مع بريشت الذي شخصياته غير واقعية، بل أكبر مما هي في الحياة، وهي موظفة كحاملة أفكار أو تاريخ..

* في أفلامي الملحمية (أيام 36، الممثلون الجوالون، الصيادون، الإسكندر الأعظم) كان تركيز البؤرة على الجماعة، التي هي أكثر أهمية للفيلم من أي فرد. لدينا هنا الوعي الجماعي بدلا من سيكولوجية الشخصية الفردية الحقيقية.

لكن بدءا من "رحلة إلى كيثيرا" قمت بفعل العكس، فقد تابعت مصير شخصية رئيسية واحدة، ملاحظين تناميها فيما هي تتصل بجماعات متعددة.

لكن الجماعة تختلف تماما عن الكوميونة (أي الجماعة التي تحيا حياة مشتركة وفقا لنظام خاص ومصالح مشتركة) حسب توصيف أرسطو. بهذا المعنى، الجماعة في "الممثلون الجوالون" لا يشكلون كوميونة لكن لديها ذهنية جماعة تعاونية على الرغم من الخيانات وانعدام الثقة الحادث من الداخل. أظن أنني سأحدد الكوميونة على النحو التالي: هم عدد من الأفراد الذين يتواجدون معا في انسجام مع بعضهم البعض في عدد من النواحي. بالتالي فإن الكوميونة لا تحددها جنسية الفرد أو التخوم، ويمكن أن تكون نوعا من الاتصال الذي يتعايش في أجزاء مختلفة من العالم، حيث مختلف الأفراد "يجدون" بعضهم البعض إما على نحو إرادي أو بالصدفة.

* الفيلم يجب أن يكون، قبل أي شيء آخر، حدثا شعريا وإلا فلن يكون له وجود.

* لا أزعم بأني أصف الواقع. إني أخلق رؤيتي الخاصة التي أسقطها على الواقع. النتيجة هي شيء في الوسط. السؤال الذي أطرحه على نفسي طوال الوقت هو: كيف أستطيع أن أحوّل التجارب الشخصية إلى شعر؟

* ثمة دائما إحالات إلى واقع تاريخي ومعاصر. لكنني أحاول أن أعرض ذلك من وجهة نظر شعرية. مخرجون آخرون قد يحققون أفلاما أكثر واقعية، وأنا أحترم ذلك، لكنها ليست طريقتي في رؤية الأشياء.

* نظرا لكوني يونانيا، فأنا جزء من السينما اليونانية، لكن ليس  بالمعنى المحلي، الإقليمي.

* لسنوات عديدة، كنت أشارك في مؤتمرات وحلقات دراسية ولقاءات لمناقشة أزمة السينما المعاصرة. صار ذلك حدثا اعتياديا.

السينمائيون يتفقون أن السينما في أزمة، ثم نعود إلى ما كنا نفعله من قبل، لا نغيّر شيئا.

علينا أن نقرّ بحقيقة أن حال السينما اليوم، خارج الولايات المتحدة، تعكس أيضا حال العالم الذي نعيش فيه. وعلى هذه الجبهة ينبغي أن نحارب في سبيل الدفاع عن ثقافاتنا، لغاتنا الخاصة، تقاليدنا وخصائصنا الوطنية.

إذا أرادت أوروبا أن تحافظ على صورتها وخاصياتها المميزة، فمن الضروري القيام بجهد مكثّف لمساعدة السينما، تزويدها بالمساحة والوسائل التي تحتاجها من أجل التعبير عن نفسها بحرية.  

* أعتقد أن النساء أقوى من الرجال، لبس فقط في أفلامي، لكن في الحياة أيضا.. بدءا بأمي.

* أنا لا أرغب في دعم أي وجهة نظر ذكورية. في الواقع، أعتقد أن أي مجتمع يتمحور بقوة حول العضو الذكوري، القضيب، هو مجتمع مضطرب ومشوّش. في اليونان وإيطاليا، وبقية الأقطار التي كان معروفا عنها أنها ذات مركز ذكوري، بدأت الأمور تتغير، والمرأة نالت حريات جديدة.

* فيلمي الأول، "إعادة بناء"، مطروح من وجهة نظر المرأة، الزوجة التي تقتل زوجها. وفي فيلم "الممثلون الجوالون" نرى المرأة تضحك على الرجل الذي يتعرّى أمامها.

هنا لا أقصد القول بأني من الداعين إلى نصرة المرأة، فأنا ضد أي أيديولوجيا أرثوذكسية، لكني أعتقد بضرورة حث الناس جميعا –رجالا ونساء، سودا وبيضا وصفرا- على استخدام عقولهم في صلتهم بأجسادهم.

* أنا أؤمن بالدعابة، لكن في أفلامي هي تتجلى كدعابة تهكمية. على سبيل المثال، ثمة مشهد في فيلمي "الممثلون الجوالون" حيث الممثلين، على مهل، يحكمون الحصار على دجاجة وسط موقع ثلجي، وبسبب الجوع، ينقضّ الجميع عليها محاولين اصطيادها. هذا مضحك، لكنها دعابة سوداء. هناك الكثير من هذا النوع من الدعابة في فيلمي، والكثير من التهكم في "أيام 36". الدعابة أيضا حاضرة في "الصيادون" لكنها متوارية. في "خطوة اللقلق المعلقة" الدعابة والمزاح بين طاقم التلفزيون يساعد في تعميق حالة الكآبة والقنوط بما أنهم يرغبون في التمتع بوقت طيب فحسب مهما كانت الأحداث من حولهم مأساوية.

* لقد علمونا، ونحن أطفال، بألا نطلق سراح ذواتنا، بألا ندع أنفسنا تنطلق.. أظن أن هذا النمط من التربية يسلب منا قدرتنا على التكيّف مع الحياة. نصبح صارمين جدا، صارمين أكثر مما ينبغي تجاه حياة لا تقتضي مثل هذه الصرامة. إننا نحارب الحياة بطرائق خاطئة، بدفاع خاطئ عن النفس. نحن مليئون بالأدراج.. درج للطفولة، درج لمرحلة الشباب.. وهكذا.

لكي نتحرّر من تلك الأدراج في أرواحنا، نحتاج إلى الوقت.. الكثير من الوقت. فضلا عن الأشياء التي تأتي نحوك ولا يكون لديك الوقت لتذوقها، الأشياء التي هي بالتالي مهمَلة ومنسية بالنسبة لك والتي ربما تكون أكثر الأشياء أهمية.

* الآن، وقد بلغت هذا العمر، أعتقد من الضروري أن أبدأ في تكريس بعض الاهتمام بالموت من أجل إعادة اكتشاف الحياة، من أجل رؤية الحياة في ضوء جديد، واعيا لضرورة التصالح مع فكرة الموت.

الوطن البحرينية في 9 مارس 2008