أمين صالح

كتب السينماجديد أمينجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة 

 

أمين صالح.. صديق الأمل

الوطن البحرينية

 

خاص بـ"سينماتك"

ملفات خاصة

أخبار ومحطات

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

بستر كيتون:

الضحــك في درجـــة الألـــــم

بقلم: أمين صالح

 

     
  

بستر كيتون واحد من كبار السينمائيين في مجال التمثيل والإخراج. ومع شارلي شابلن يعد من أعظم نجوم الكوميديا، بل أن البعض- مثل بونويل وفلليني والسورياليين الفرنسيين- يضعه في المرتبة الأولى.

أفلامه التي حققها قبل أن تنطق السينما تظل حتى الآن حية وطريّة وقويّة ومحركة للمشاعر، ومضحكة على نحو مدهش.

(1)

ولد بستر كيتون في العام .1895 منذ أن بلغ الثالثة من عمره، كان يشارك والديه في تقديم الفقرات الهزلية والألعاب الأكروباتية (البهلوانية) في عروض مسرحية متنقلة. كان اسمه، آنذاك، جوزيف أو جو الصغير. ومع نضوجه صار يرتجل مع والده المواقف الفكاهية بينما أمه تعزف على آلة الساكسفون.

اتجه كيتون إلى السينما وقدّم بين عامي 1920 و1923 كثيرا من الأفلام القصيرة. ومنذ 1924 تحوّل إلى الأفلام الطويلة، وكانت السنوات الأربع التالية هي المرحلة الأكثر خصوبة وثراء في مسيرته حيث بلغ ذروة إبداعه مع أفلام كتبها وأخرجها ومثــّل فيها مثل: شرلوك الصغير (1924) الربان (1924) الجنرال (1926) وغيرها من الأفلام التي تعد الآن من كلاسيكيات السينما.

(2)

وجه حاد التقاطيع، صارم القسمات، متجهم، كئيب، لا يعرف الابتسام على الإطلاق.. لكن ثمة مسحة من التهكم والسخرية تطفو على ملامحه. من الأمام، وجه كيتون يوحي بالبراءة. من الجانب، يوحي بالنبل. إن ذلك يعطي الشخصية عنصرا من السكون العميق في غمرة النشاط الجسدي الأكثر هياجا، والأوضاع الأكثر إقلاقا وإفسادا للنظام.

وجه يبدو متحجرا، محايدا، خاليا من التعبير، لكنه -جوهريا- ليس كذلك. الشفتان اللتان لا تنفرجان عن ابتسامة أبدا، والرأس الساكن، خاصيات تشف عن اضطرابات وهياجات شديدة من العاطفة التي تجد تعبيرها من خلال العينين والذراعين والجذع. هذا الوجه مضحك، رغم كل شيء.

وهو، بطريقة ما، يفشي أحيانا عن جانب غامض، معتم، من ذاته.. الجانب الذي يصعب الوصول إليه، وسبره وفهمه.

إنها الصورة الجوهرية للنضال الذكي من أجل البقاء راجح العقل إزاء أحداث مبهمة ولا يُسبر غورها.

الوجه الذي يخلو من التعبير والانفعال يعكس، في الواقع، التركيز المفرط لشخص يحاول أن يجد موضعا ضمن نظام أوسع وأكثر تعقيدا مما يظن، وبالتالي يكون خارج سيطرته، وحتى فهمه واستيعابه.

إن إيماءات كيتون المتصلبة، وعينيه المفتوحتين على سعتهما، وفمه المطبق بإحكام.. كل هذا يعطي الانطباع بحضور طفل ذاهل، شارد، في عالم الكبار.

طبيعة كيتون الجامدة تبدو، بصورة خاصة، ملائمة في عالم كهذا. لكن مع أن التحرر من الانفعال، والخضوع من غير تذمر لحكم الضرورة القاهرة، هو- كما يبدو- الخيار الطبيعي ضمن ظروف وحالات معينة، إلا أن جمود أو سلبية شخصيات كيتون ليست أبدا فاترة الشعور أو عديمة العاطفة أو لا مبالية. الانفصال أو الحياد الذي يدل عليه ضمنا مظهره الخارجي، والذي يوحيه فمه (في عدم انفراجه عن ابتسامة) يناقضه وينفيه تورطه العميق والمتواصل مع الأفراد والأشياء في محيطه، وكذلك استجابة جسده الإيمائية تجاه كل حالة أو موقف. وعندما يتحرك كيتون فإنه يكون قادرا أن يدفع جسده وراء نطاق قوانين الفيزياء.

(3)

شخصيات كيتون تقطن عالما لم يبلغ الرشد بعد.. عالما عصريا لا شيء فيه مستقر وثابت، وحيث إيقاعات الآلات الكبيرة هي التي تحكم.

بطل كيتون يظل، طوال الوقت، ذلك الدخيل، الغريب، العاجز عن فهم العالم من حوله أو التوصل إلى تفاهم معه. وهو يحاول جاهدا أن يجد لنفسه مكانا في العالم لكنه يخفق. إنه باستمرار يبحث عن مكان. وهو، الشاب الوحيد والأعزل، يطفو من غير مرساة في عالم فظ وقاسٍ ولا يمكن فهمه أو إدراكه.

أبطال كيتون لديهم إحساس عميق وموجع بفقدان الأمان، بعدم الانسجام، وبالعزلة. سوء الطالع يلازمهم أينما حلـّوا. وهم يناضلون من أجل كسب الاعتراف أو الحصول على استحسان الآخرين من رجال يوجهون إليهم الوعيد والاستهزاء والاحتقار، ونساء لاهيات بلا عاطفة. رغم الجهود الخارقة التي يبذلها ''أبطال'' كيتون للحصول على الحب والحماية، أو حتى فتات من المودة والصداقة والعاطفة الحميمة، إلا أنهم لا ينالون غير الازدراء والإذلال والطرد.

أبطال كيتون غالبا ما يجدون صعوبة في تلبية التوقعات والآمال المفروضة عليهم من قبل الصديقة أو الزوجة أو العائلة.

إن جزءا من جاذبية كيتون يكمن في قبوله الشجاع، ودونما تذمر، لهذه الحاجة في إرضاء الآخرين رغم لا معقولية الطلبات. لكن مثل هذه الأوضاع والحالات هي نتائج ثانوية لطبيعة الوجود. الحقيقة الأساسية للحياة في عالم كيتون تكمن في الطبيعة المريبة، غير القابلة للتحديد أو التصنيف، لكل الأشياء والأفعال.

(4)

عالم كيتون على الدوام عرضة لعدم الاستقرار لأنه غير قائم على أساس وطيد، وهو محفوف بالمخاطر والمجازفات. صيانة الذات وتدمير الذات متشابهان هنا على نحو خطر. سوء الطالع والبراعة وجهان متعارضان للعملة ذاتها.

''بطل'' كيتون محاط بالخطر.. وهو وسط هذا وحيد على نحو رهيب. إنه البطل الكافكاوي بامتياز: ذلك البريء الذي يتعرض للعقاب بالخطأ، أو لسبب غير معلوم، عن جريمة لم يقترفها ولا سبيل إلى معرفتها أيضا.

أفلام كيتون كوابيس هزلية. رؤيته للعالم هي، في الواقع، مخيفة جدا.

من جانب آخر، يشبه روبنسون كروزو والذي يشاطئ العالم الحديث، ويجد نفسه متروكا في بلد غريب. لذلك يتعين عليه أن يخترع الوسيلة للبقاء وذلك بابتكار كل ما يوجد في متناول اليد.

في هذا العالم، لا يتعين على الإنسان أن يتعلم كيف يعمل بوسيلة جديدة فحسب لكن يتعين عليه أيضا أن يتحرك، وأن يقع في الحب، في إيقاع جديد من أجل أن يساير ويجاري طرائق لم تعد تتناسب مع الحاجات الإنسانية.

كيتون لا يسلط الضوء على حرية الطريق المفتوح (كما يفعل شارلي شابلن) بل على مأزق الرجل العصري الذي يحاول ضمن التشوش والاختلاط الكامل والإيقاع الجنوني أن يجد الموضع الذي لن يصاب فيه بأذى.

(5)

في أفلامه غياب كلي للحالات الوجدانية، للعاطفية المفرطة. وسخرية لاذعة من الأوضاع البطولية والنهايات السعيدة.

الكلمات، بالنسبة لكيتون، تبدو عاجزة عن التعبير عن مشاعره وأفكاره.

منذ البداية، أدرك كيتون مدى الإمكانيات الهزلية المتاحة للصمت السينمائي. وكان يسعى إلى اكتشاف الاحتمالات الهزلية في الكائنات والأشياء.

(6)

إذا كان ماك سينيت قد حرر الكوميديا من الحلبة الثابتة والمحدودة للمسرح، فإن بستر كيتون - أكثر من أي شخص آخر-قد أخذ على عاتقه أن يسبر ويتحرى المعاني المتضمنة فيما فعله سينيت، مستخدما كادر الفيلم لإظهار ما يجب أن يعنيه العمل في عالم لا يكمن الخطر داخل الكادر فحسب بل خارجه أيضا.

في تكوينه للكادر نجد الدقة والإحكام والتساوق والتوازن.. وذلك على نحو عفوي. من خاصياته: تلك الصور المتكررة من الرثاء الهزلي، الغنائية الرقيقة، التناسق المشهدي، الجدة والطزاجة والصفاء في المواقف الكوميدية، التوقيت المناسب.. كل هذا يشهد على حضور رائق للذهن ومخيلة مدهشة تعمل عند مستوى عالٍ من الإلهام.

(7)

المقارنة بين بستر كيتون وشارلي شابلن هي محتومة ومتعذر اجتنابها بقدر ما هي مضللة.

لاشك أن حس شابلن الفذ بالأداء الكوميدي قد حدد الحقل الثري للكوميديا الصامتة. لكن أيضا ليس ثمة شك في أن كيتون قد أعاد تحديد ذلك الحقل بطريقة رائعة وأخاذة.

بخلاف شابلن، الذي كان يكتب مقالات تشرح طرائقه في تحقيق الأفلام منذ بداية العام ,1915 فإن كيتون كان عاجزا تقريبا عن الشرح والتفسير.

حضور كيتون خارج الشاشة - على عكس حضور شابلن- لم يكن محسوسا، فقد كان متواريا عن الأضواء والصخب. ثمة غموض يتصل بهذا الحضور. وكان اللغز يحيط به كالتعويذة.

(8)

بعد العام ,1927 بدأت أعمال كيتون تفقد نضارتها وحيويتها الفوضوية التي كانت سمة أكثر إبداعاته الهزلية تميزا.

إن أفوله كممثل ومخرج كوميدي يعزى، في أكثر الأحوال، إلى فقدانه السيطرة الإبداعية والتحكم الخلاق في أعماله، بعد أن وقـّع - في العام 1928 - عقدا احتكاريا مع شركة مترو، أكبر الاستوديوهات المنتجة والموزعة للأفلام. إضافة إلى غياب المتعاونين الرئيسيين معه في الكتابة والإخراج.

ومن أسباب إخفاقاته أيضا انغماسه في الكحول حيث بدأ يفرط في تعاطي الكحول منذ العام .1925

لقد عاش في الظل، وفي حال من المجهولية، أكثر من ثلاثين عاما. وكان عليه أن يذهب إلى أوروبا لكي يعاد اكتشافه. وعندئذ بدأ اهتمام النقاد والسينمائيين بسيرة وأعمال كيتون، فانبعثت أفلامه من جديد، وتم الاعتراف به كواحد من أعظم المخرجين والممثلين في العالم.

الوطن البحرينية في 14 يونيو 2006