أمين صالح

كتب السينماجديد أمينجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة 

 

أمين صالح.. صديق الأمل

الوطن البحرينية

 

خاص بـ"سينماتك"

ملفات خاصة

أخبار ومحطات

سينماتك ملتيميديا

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

مــــنــظـــــر في الـــســديـــــم (2-2)

حيل التاريخ

بقلم: أمين صالح

 

     
  

(فيما يلي متابعة لحديث المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس عن فيلمه ''منظر في السديم'' و عن عالمه السينمائي)..

- لم أحاول أن أستثمر لا الجاذبية الفطرية، ولا العنصر المثير للشفقة والمحتوم، الذي يستدعيه عادة حضور الأطفال. لوصورنا الفيلم على نحو مختلف، ووظفنا هذه الخاصيات بجلاء، لحقق الفيلم نجاحاً تجارياً كبيرا. لقد كنت واعياً جداً لهذه المجازفة لكن، من جهة أخرى، لم أرغب في تفريغ أدوارهم من كل عاطفة. كان عليّ أن أجد التوازن الملائم بين الاثنين.

- العناصر الرمزية، بالنسبة لي، هي وسيلة للإفلات من تخوم السرد البسيط، استكشافات العالم السوريالي. إنها مقحمة في نسيج السيناريو، مع إنني في أحوال كثيرة لا أكون على يقين مما تعنيه هذه العناصر. على سبيل المثال، لا أستطيع حقاً أن أتحدث عن مغزى اليد الحجرية التي تُنقل من مرفأ ثيسالونيك.

البنية الأساسية لهذا الفيلم، كما أشرت، مماثلة للحكاية الخرافية، والتي تعطيك حرية أكبر في إيلاج عناصر هي خارج منطق الحبكة. لكن لا ينبغي للمرء أن يحاول كشف معانيها على نحو نظامي، ذلك لأنها تجازف بفقد تدفق السرد.

* مشهد الاغتصاب، في الفيلم، عبارة عن لقطة ثابتة حيث للصوت معنى أكثر من الصورة التي نراها. في اللقطة الثابتة، يؤدي الصوت وظيفته بطريقة تمنح إيقاعا للمكان، بينما على نحو متزامن، يخلق مستوى ثانيا من المعنى خارج الفيلم. ذلك أشبه باللوحة التي لا تنتهي داخل الإطار بل تستمر خارجها. بطريقة مماثلة، فإن قوة الإيحاء تمارس على نحو فعال من أجل إطلاق مخيلة الجمهور، بحيث يكون بوسعهم خلق صورة خاصة بهم من الصور المعروضة أمامهم. الجمهور يوجد على نحو فعال، وليس على نحو سلبي، عندما يضيفون خيالاتهم إلى خيال المخرج.

*(عندما يعود الممثلون- الذين كانوا ضمن الفرقة الجوالة- لفترة وجيزة في هذا الفيلم، فإنهم ينطقون الكلمات ذاتها كما في الفيلم السابق ''الممثلون الجوالون''..عن أحداث من تاريخ اليونان العاصرة لكن بوصفها فتات من اللغة، كما لو أن تاريخ اليونان كله قد أصبح...)

لا شيء.. مجرد نص، تراجيديا، فتات من الذاكرة،أعضاء الفرقة يبيعون ملابسهم، وكل شيء قد انتهى بالنسبة لهم، رحلتهم كانت رحلة عبر التاريخ، بمعنى تحويل التاريخ أوتغيير العالم، كل أحلام الشباب في الأوقات التي كان فيها كل شيء ممكنا. لكن مع تحولات التاريخ، أصبح كل ذلك  مستحيلاً، بالطبع لا تستطيع القول بأن المطلب القديم بشأن الحاجة إلى عالم أفضل لم يعد يوجد أو لن يوجد غدا، بل سوف يوجد على الدوام.. لكن التاريخ يمارس علينا حيلاً غريبة: ثمة فترات من الصعود والهبوط، من السعد و النحس، من الصمت والآلام.

* لقد سبق أن حاولت في فيلمي ''مربي النحل''، أن أصل إلى حدود التمثيل اللا تعبيري مع مارشيلو ماستروياني، الذي شخصيته الذاتية معروفة أكثر مما ينبغي لتوليد نوع من المفاجأة. إنها طريقتي في اكتشاف شيء مختلف بداخله، وأبداً لم استخدم أي لقطة قريبة له في مشاهده العاطفية، إني أخشى دائما تلك الكادرات التي تزعق ملفتة النظر إلى نفسها، لهذا السبب أحب أنتونيوني وأفلام فيم فيندرز الأولى مثل'' أليس في المدن'' أكثر من فيلمه '' أجنحة الرغبة''، مع إنني أعتقد بأن أعماله الأخيرة مثيرة للاهتمام.

ثمة انجذاب حسي بين الشاب والدراجة النارية. لم استطع أن أدفع للممثل الشاب أجره، وعندما اقترحت أن يأخذ الدراجة مقابل ذلك، كانت فرحته عارمة، بينما كان الأمر محرجاً بالنسبة لي.

*الطفل ميكاليس زيكي  كان في السادسة من عمره تقريبا عندما صورنا الفيلم. وقد شعرت بأن أفضل طريقة لتحقيق الاتصال معه هو إقناعه بأنه يشارك في لعبة ما، وعندما كنا نجري البروفات على المشهد الذي يرى فيه الحصان يموت فينفجر في البكاء، جاء إليّ و قال:'' أنا متضايق جدا لكنني لا أستطيع أن أبكي، أنا حزين جدا لكنني لا أستطيع أن أبكي''. فقلت له:'' يجب أن تبكي في هذا المشهد، الإحساس بالحزن في داخلك ليس كافيا، عليك أن تظهر ذلك للجمهور''، وقد فكر لدقيقة ثم اقترح:'' إسمع.. حاول أن توبخني.. هذا سوف يجعلني أبكي وسوف نصور المشهد''، حاولنا لكن دون جدوى، لذا عدنا إلى الفندق وهناك عملت معه من جديد لكن بطريقة أكثر قسوة وخشونة، كان الفنيون يحيطون بنا، وهو شعر بالإذلال، فأدار ظهره لي وشرع في البكاء، أخذته من يده وخرجنا إلى الموقع حيث نفذنا المشهد في لقطة واحدة.

أما الصبية تانيا التي كانت تكبره بسنوات، فقد احتاجت نوعاً مختلفاً من التفاعل، لقد كانت تجتاز تلك المرحلة الصعبة جداً بين الطفولة والبلوغ، وقد اكتشفت بأنها واقعة في غرام الممثل الذي أدى دور الشاب أوريست، ولأن ذلك كان يصب في روح الفيلم فقد امتنعت عن التدخل، لكن مشكلتها الحقيقية كانت مع مشهد الاغتصاب الذي رفضت أن تنفذه على الرغم من كل توسلاتي بسبب حاجتي الشديدة إلى ذلك المشهد.

كانت تحبس نفسها في غرفتها وترفض أن تناقش الأمر، وأخيراً وافقت أن تؤدي المشهد لكن رفضت أن تصرخ عندما يسحبها سائق الشاحنة معه، كما هو مكتوب في السيناريو، كانت فكرتها أن تؤدي المشهد كما ظهر في الفيلم، وقد وجدت ذلك ملائماً جداً للفيلم، مع هذه الممثلة لجأت إلى الاتصال الوجداني لا المواجهة الصدامية.

عندما بدأت لأول مرة في تحقيق الأفلام، لم أكن أميل إلى الممثلين المحترفين كثيراً، أداؤهم كان يبدو لي زائفاً، كنت أفضّل العمل مع الهواة، ولكنني اكتشفت أنهم ليسوا دائماً حساسين تجاه إيقاع المشهد، ويميلون إلى المبالغة في تأدية اللحظات الدرامية.

لغتي السينمائية الخاصة مبنية على تمديد بُعد الزمن، قبل الدخول في لبّ أي لقطة، لابد أن يكون لديك الوقت لاكتشاف العلاقات بين الممثل والمنظر الطبيعي. لهذا السبب من بين أفلام تاركوفسكي أحببت ''المتسلل''، وبدرجة أقل''نوستالجيا''، ولم أحب أبداً فيلمه ''القربان''، إن الثالوث المقدس، أي الممثل والمنظر والكاميرا، كان مثالياً في'' المتسلل''.

سيناريوهاتي ليست فعلية، غالبا ما تبدو أشبه بالرواية، لكن بخلاف الرواية الأدبية العادية، فإنك لن تجد أي نعت. مثلا، إذا كان هناك فتى وسيم في القصة فإنني أشطب عبارة ''وسيم'' للحيلولة دون إعطاء صورة محددة للشخصية سلفا.

إن اختيار الموقع المناسب ذو أهمية كبيرة بالنسبة لي، أنا دائماً أصور في الموقع الخارجي، لكنني دائماً أجري التعديلات عليه ليتلاءم مع احتياجاتي، الشيء الوحيد الذي لا يتغير هو الإحساس بالمشهد.. لكنني أستطيع معالجته بطرق متعددة.

أود أن أصدق بأن السينما سوف تنقذ العالم، السينما هي عالمي، وهي المدى لكل أسفاري، إني أبحث على الدوام عن المدينة الفاضلة، الصغيرة والسرية، التي سوف تسحرني، إني أبذل أفضل ما بوسعي للإيمان بالصلة الوثيقة لهذه الرحلات التي أقوم بها على نحو متواصل من خلال أفلامي.

أزمة السينما لا تتصل فقط بتناقص عدد رواد السينما، في السبعينيات كان المخرجون لا يزالون يبحثون عن آفاق جديدة. الآن، هذا البحث قد انتهى.

على الرغم من الأفلام القليلة الجيدة فإن الانطباع العام هو أن الأفلام صارت تلهث مقطوعة الأنفاس. الأفلام، بالنسبة لنا، كانت إلى حد ما تشبه المحاربين الذين يذهبون لإنقاذ العالم. اليوم، صار المخرجون الشبان يعملون مع نفس الطاقم الفني الذي كنت أعمل معه، هذا يتطلب الكثير من المال، وكلما ارتفعت التكاليف، تقلص هامش التحريات والاستكشافات الجسورة، يوماً ما تحدثت مع ناجيزا أوشيما (المخرج الياباني) عن حاضر السينما، وكلانا تقاسم الشعور بأن جيلنا كان أكثر التزاما على الصعيد السياسي، وأننا في شبابنا كنا نؤمن، بصدق و إخلاص، بأن الأمور سوف تتغير حقا، الآن، كل هذا قد انتهى.

* ليس هناك نهاية في أفلامي، لدي إحساس بأن كل ما حولي يبقى ساكناً وجامداً، أحاول أن أفلت من هذا الثبات، أن اقتحم أرضاً جديدة، لكن لا شيء يحرضني، لا شيء يحدث من حولي والذي يمكن أن يحثني على الاقتحام، قال لي أوشيما الشيء نفسه عندما سألته: لماذا لم يعد يصور في اليابان؟.. قال لي: لا شيء هناك يستفزني ويحرضني.

الوطن البحرينية في 17 مايو 2006